• 3 كانون أول 2018
  • مقدسيات

 

 إسطنبول - أخبار البلد -  احتضنت إسطنبول قبل ايام  المؤتمر الثاني لدول منظمة التعاون الاسلامي والذي كان حول الوساطة ، وفي هذا المؤتمر تحدث ياووز سليم قيران مساعد وزير الخارجية التركي ك كلمة ، حصلت ” أخبار البلد“ على نصها الكاملها جاء فيها 

”…….وكما هو معلوم، تعتبر منظمة التعاون الإسلامي أكبر منظمة بعد الأمم المتحدة من حيث المساحة الجغرافية وعدد السكان. ولذلك، فهي تتمتع بميزة نسبية حقيقية وكبيرة على صعيد البحث عن سبل إحلال السلام والاستقرار العالميين. 

وعلاوة على ذلك، لا يمكننا التغاضي عن النزاعات والمأساة الإنسانية الكبيرة التي تحول دون تحقيق العيش بسلام لشعوب الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي.

وإذا ما أمعنا النظر في السياسات المعدومة القوة والتي تتغذى من الأزمات في العالم، فإنه يمكننا القول أن المنظومة التي تستند إلى القواعد الدولية لا تستطيع الاستجابة للاحتياجات العالمية والأزمات.

إن عالمنا شهد ما يكفي من الدماء والدموع. فقد دخلت الحرب في سورية عامها الثامن، تم فيها إزهاق أرواح مئات الآلاف من المدنيين وتهجير الملايين منهم من ديارهم. وفي اليمن يموت طفل تحت الخامسة من العمر كل 10 دقائق. والاقتتال في أفغانستان يواصل إزهاق الأرواح ويسفر عن المزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.

واليوم، نبذل الكثير من الجهد والوقت لحل الأزمات من أجل إنقاذ الموقف بدلاً من تغيير الأسباب الرئيسية الكامنة خلفها.

وقد بلغ عدد المهجّرين عنوة من ديارهم في العالم أكبر رقم لغاية الآن منذ الحرب العالمية الثانية، وأمام هذه الحقيقة يتوجب علينا أن نعمل سوياً.   

إن العالم الإسلامي، وللأسف، لا يمتلك مناعة ضد الإصابة بأي من الآثار السلبية الناجمة عن هذه المشاكل الدولية. وعلى العكس من ذلك، نحن جميعاً شهود على تزايد التهديدات الدولية الحالية كتزايد أعمال العنف والفوضى والإرهاب والهجرة غير المنتظمة.

يقول خاتم الأنبياء محمد صلي الله عليه وسلم في حديث شريف: "رصوا صفوفكم وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل، فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف". ويسري هذا على أداء الصلاة في المساجد وعلى شؤون حياتنا اليومية على حد سواء. إذا ما تركنا فراغات فيما بيننا فإن الآخرين سيتسللون إليها. ويتوجب علينا كأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي وكشعوب إسلامية، أن نصطف بشكل صحيح وأن نقف قريبين من بعضنا البعض.

وانتظار حل النزاعات بين الدول الإسلامية من قبل الغير، لا يعد أمراً واقعياً. وفي الوقت الذي يزداد فيه تعقيد خارطة الصراعات في العالم تزداد فيه أهمية الحؤول دون اندلاع هذه الصراعات وحلها بالطرق السلمية، كما هو الحال على الدوام.

وعلى الرغم من امتلاك العالم الإسلامي إرثاً مدهشاً، إلا أن قلوبنا منكسرة من رؤيته اليوم وكأنه يغوص في دوامة العوز والبؤس والمجاعة والإرهاب والاقتتال. ولكننا جميعاً نعلم بأن النور يعلو ويسطع من الشرق.

إن حضارتنا هي التي خرّجت أسماء لامعة من العلماء الرواد، كابن سينا في الطب، وابن رشد في الفلسفة، وابن خلدون في علم الاجتماع، وبيري ريس في الجغرافيا. لقد أقمنا حضارة كبيرة امتدت من سمرقند إلى قرطبة، وهي التي أنشأت مراكز العلم والثقافة كإسطنبول ودمشق وبغداد.

ولد الدين الإسلامي كدين سلام، والحضارات التي أنشأها استندت دائماً على المحبة والعدالة والعلم.على الرغم من أن حضارتنا كانت عبر التاريخ مركزاً ريادياً للعلم والمعرفة والتقدم، فإنه يتوجب علينا أن نسأل أنفسنا عن سبب تقدم الغرب علينا اليوم وسبب تحول حضارتنا إلى ساحة لعب للدعايات والحملات الغربية. وعلينا أن نفكر بالسبب الذي يحول دون أن تتكلم الدول الإسلامية بصوت واحد، ودون توحيد قوانا وقلوبنا حول الكثير من المواضيع. 

وعلينا أن لا ننسى أننا كلما اتحدنا أكثر وكلما عملنا أكثر لتحقيق هدف مشترك ما، فإننا سنستطيع حشد قوانا والتغلب على المصاعب التي تعترض سبيلنا. وتواجدكم هنا يعتبر بحد ذاته تحدياً للصعوبات التي تواجهها الشعوب الإسلامية على صعيد العالم.

تقع تركيا في منطقة مضطربة، وهي تلعب دوراً قيادياً في جهود الوساطة في المنطقة. ومسارات أستانا وسوتشي وجنيف ما هي إلا آخر أمثلة على الجهود التي تبذلها تركيا في سبيل التوصل إلى حل سلمي في سورية. ومنذ مدة استضافت هذه المدينة قمة رباعية حول الشأن السوري. وفي الأمس، أجرى السيد الرئيس أردوغان اتصالات هاتفية مع بوتين وبوروشينكو وترامب من أجل التوسط في موضوع ‘نهاء النزاع القائم حالياً في مضيق كيرتش.  

ومن جهة أخرى قامت تركيا بتشجيع المجتمع الدولي على الانخراط في الدبلوماسية الوقائية بشتى الوسائل. ففي عام 2010 أطلقت تركيا وفنلندا "مبادرة الوساطة من أجل السلام" في الأمم المتحدة. وهدفنا من وراء ذلك هو نشر الوعي لدى المجتمع الدولي بخصوص الأهمية التي تكتسبها الوساطة كأداة لمنع النزاعات وتسويتها.

وفي نفس العام تم تأسيس مجموعة أصدقاء الوساطة في الأمم المتحدة، وهي تضم اليوم 57 عضواً من مختلف المناطق.كما تتولى تركيا إلى جانب فنلندا وسويسرا الرئاسة المشتركة لمجموعة أصدقاء الوساطة في منظمة الأمن والتعاون الأوربية. وبصفتها رئيسة القمة الحالية لمنظمة التعاون الإسلامي فإن تركيا ترغب بأن تعكس ديناميات سياستها الخارجية المبادِرة والإنسانية على الآليات التي تملكها المنظمة من أجل تطوير مقدرات المنظمة. ونحن على قناعة وثقة بأن منظمة التعاون الإسلامي يمتلك كافة الوسائل والأدوات الكفيلة بأداء العمل بشكل فعال ومثمر أكثر. وما يتوجب علينا عمله هو مساعدة المنظمة على التأقلم مع الشروط السائدة في عالمنا اليوم، من خلال تطوير قابلية المنظمة على التحرك في الوقت المناسب وبشكل فعال.

وفي هذا السياق تقدمت تركيا بمقترح القرارات التي أقرها الاجتماع الخامس والأربعين لمجلس وزراء الخارجية الذي انعقد في دكا، وقادت الاجتماع الأول للعصف الذهني الذي عقد في إطار عملية الإصلاح الشامل في الفترة ما بين 23-25 تشرين الأول/أكتوبر 2018 في جدة. وتقرر عقد الاجتماع الثاني في شهر شباط/فبراير 2019.

وكمثال سليم على عمل سريع وحساس جداً من حيث التوقيت، فإنه من الجدير بالذكر الموقف الحازم الذي تبنيناه في مواجهة الإدارة الأمريكية عندما اتخذت قراراً بنقل سفارتها بشكل غير مشروع من تل أبيب إلى القدس، وفي مواجهة العنف الذي مارسته قوات الأمن الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين. 

وبعد الدعوة التي وجهها السيد الرئيس رجب طيب أردوغان عقدت القمتان الطارئتان السادسة والسابعة لمنظمة التعاون الإسلامي في إسطنبول. وإلى جانب ذلك نقلنا قرارات القمة إلى الجلسات الخاصة التي عقدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبذلك تم تقديم الدعم والمساندة مرة أخرى للقضية الفلسطينية المحقة.

وفي حقيقة الأمر تقوم المنظمة بلعب دور في مجال الوساطة منذ زمن بعيد. وإضافة إلى ذلك، فإن زيادة قدرة منظمة التعاون الإسلامي في هذا المجال أمر لا بد منه بالنسبة لديمومة النزاعات المختلفة في العالم الإسلامي وفي المناطق المحيطة به.

قامت تركيا بمهام رئاسة القمة الإسلامية وهي تسير على هدي مبدأ وحيد، هو: "لا يمكن تجاوز المشاكل المشتركة إلا من خلال القيام بأعمال مشتركة".

هناك الكثير جداً من المشاكل التي شهدتها وتشهدها منطقتنا، ويجب أن نطبق عليها حلولنا نحن. وفي حقيقة الأمر، سيكون مستقبل منطقتنا وشعوبنا مرتبطاً بكيفية تغلبنا (أو عدم تغلبنا) على هذا التحدي.

وفي هذا الإطار، باشرنا بعقد مؤتمرات الوساطة لدول منظمة التعاون الإسلامي خلال السنة الماضية، كجزء من جهد شامل وعام، بغية تطوير دور وقدرة منظمة التعاون الإسلامي في مجال تحقيق السلام.

والمؤتمر الأول الذي عقد السنة الماضية كان منبراً لبحث الأفكار المبتكرة وإقامة الحوار بين الموظفين العامين والمشاركين غير الرسميين. 

وبعد انتهاء المؤتمر قدمت تركيا مقترح القرار الذي تم تبنيه في الاجتماع الخامس والأربعين لمجلس وزراء الخارجية الذي عقد في دكا. 

وشكل هذا القرار حجر الأساس على صعيد إضفاء مقاربة بنيوية على وجهة نظرنا فيما يتعلق بتعزيز قدرة منظمة التعاون الإسلامي في مجال الوساطة.

ويتم حالياً اتخاذ أغلب الخطوات التي نص عليها القرار:

لا أريد الخوض في تفاصيل هذه القرارات لأن الزملاء سيأتون إلى ذكرها جميعاً في الجلسة القادمة.  

ويشكل كل هذه التطورات والمقاربات أساساً ممتازاً للأعمال التي سنقوم بها في المستقبل.

ومع ذلك، نحن بحاجة إلى إجراء تقييم سليم للمصاعب التي ستواجهنا في المستقبل، حتى نستطيع التحرك وفق تلك التحديات والاستفادة المثلى من الفرص.