آخر حارس عثماني للمسجد الأقصى

  • 4 أيلول 2017
  • حكايات مقدسية

 

 

القدس - استاتبول - اخبار البلد-  لا تزال قصة اخر جندي عثماني في القدس تثير الكثير من الاحاديث والتاملات تلك القصة التي وجدتها البحث في بعض المراجع حول العثمانين والقدس ، حيث وقعت بين يدي قصة العريف حسن العثماني ، سآلت عنه فعرفت مما عايشوه انه كان فعلا اخر جندي عثماني قد بقي في القدس يحرس الاقصى ، بانتظار عودة العثمانين الى القدس ، وتنفيذا لاوامر قائدة الذي اوكل مهمة حواسة الاقصى لحين انتهاء الحرب العالمية الاولى ، العريف حسن  توفى عام 82 وكل من يعرفه كان يقول انه كان لا زال يلبس البذلة العسكوية العثمانية الرثة، ويجلس على احدى المصطبات على مدخل الاقصى من  الجهة الغربية  في باب الناظر ، ولا يتحدث مع احد ، حتى ان بعض سكان القدس اعتبروه من المباركين .

 ان قصة العريف حسن كان اول  واخر من كتبها الصحفي التركي ”إلهان برودكجي"وصل القدس عام 1072 وكان اخر من تحدث مع العريف ، اليكم الحكاية من بدايتها كما رواها الصحفي ”إلهان برودكجي“:

ذهب بعض السياسيين ورجال الأعمال الأتراك في زيارة رسمية (لإسرائيل), وكان معهم بعض الصحافيين, وكانت مهمة هؤلاء الصحافيين, مراقبة الأحوال, وكانت تلك الزيارة عام 1972م, يقول أحد الصحافيين ويدعي إلهان بردكجي: كانت زيارة إسرائيل ستستغرق أربعة أيام, وقد وصلنا مساء يوم من شهر مايو, وقد جرت اتصالات رسمية أولا مع الجانب الفلسطيني, ثم مع الجانب الإسرائيلي, وفي اليوم الرابع نظموا لنا جولة إلى الأماكن التاريخية السياحية في إسرائيل, يقول الصحفي إلهان بردكجي: كنت متلهفا لزيارة المسجد الأقصى, ومدينة القدس, وكان الجو حارا, وكان جسمي يتصبب عرقا, وقد وصلنا ضمن قافلة إلى المسجد الأقصى.

وعندما صوبت المصورة في يدي لألتقط الصور شعرت بيدي ترتجفان, ثم صعدنا السلالم في الفناء العلوي, يسمونه فناء الاثني عشر ألف شمعة, لأن السلطان سليم الأول عندما دخل القدس أشعل في هذا الفناء اثني عشر ألف شمعة, وصلى الجيش العثماني صلاة العشاء في ضوء تلك الشموع ومن هنا جاء اسمه.

يقول الصحفي إلهان بردكجي: لفت نظري رجل في زاوية من زوايا الفناء وكان في التسعينيات من عمره, عليه بزة عسكرية عتيقة أقدم من سنه, والرقع في جوانبها كلها حتى إن بعضها أعيد ترقيعه, وكان ينتظر هناك واقفا وعلى الرغم من هرمه, وقامته القريبة من المترين كانت وقفته شامخة أبية عرتني دهشة, كنت أقول في نفسي من هذا الرجل ولِمَ يقف هنا, سألت المرشد الإسرائيلي عن هذا الرجل فقال لي: منذ زمن طويل وأنا أراه منتظرا هنا يوميا, لا يستمع إلي أحد, ولا يتكلم مع أحد, ينتظر فقط,غالبا هو أحد المجانين, يقول الصحفي إلهان بردكجي: كان المرشد يقول: إنه مجنون, أما فقد ازدادت لهفتي لمعرفته, ولِمَ يقف في هذا الحر الشديد هنا ؟!

اقتربت منه بفضول الصحفي وكنت مترددا هل أتحدث معه؟ ثم اقتربت منه جدا فلاحظ ذلك, لكنه لم يتحرك قلت له: السلام عليكم يا عماه, أدار وجهه إلي قليلا, وقال بصوت متهدج: وعليكم السلام يا بني قلت فجأة يا إلهي: إنه تركي, ارتعدت من داخلي تركي في هذه الأراضي اليتيمة البعيدة عن الأناضول آلاف الكيلومترات, وقلت: ما الأمر يا عماه؟ من أنت؟ وماذا تفعل هنا؟

رد بصوته المرتجف وقال: أنا العريف حسن قائد مجموعة الرشاش الحادية عشرة, السرية الثامنة, في الكتيبة السادسة والثلاثين, من الفرقة العشرين في الجيش العثماني, كانت الرجفة قد اختفت من صوته, غير أنه أعاد تعريف نفسه مرة أخرى, وبصوت أقوى من ذي قبل وكأنه يريد إثبات وجوده ومكانته, ثم قال: هاجمت وحدتنا الإنجليز من جبهة قناة السويس في الحرب العالمية, وكان الجيش العثماني العظيم يحارب في جبهات كثيرة, رغم قلة العدد والإمكانات المعدومة, وهزم الجيش, يا بني في القناة واضطر للانسحاب, وضاعت الأراضي ميراث الأجداد من أدينا واحدة تلو الأخرى, ثم وصل الإنجليز الكفرة إلي القدس واحتلوها, وبقيت وحدتنا في القدس بوصفها فرقة حرس لمؤخرة الانسحاب.

فقالت له: وماذا تعني وحدة حرس لمؤخرة الانسحاب؟ قال: ترك الجيش هذه الوحدة لحماية البلدة المباركة من أعمال السلب والنهب, إلى دخول احتلال الإنجليز لها, وكانت الدول قديما عندما تحتل مدينة ما, لا يعاملون جنود الدولة المهزومة, القائمين بالحراسة معاملة الأسرى, ولهذا طلب الإنجليز عند احتلالهم القدس من الدولة العثمانية, أن تبقي كتيبة صغيرة لئلا يثور الناس, وهذه القوات الباقية في مؤخرة الجيش تسمى قوات حرس الانسحاب.

قلت له: وما حدث بعد ذلك يا عماه؟ فقال: كنا ثلاثة وخمسين رجلا في القدس بوصفنا حرسا لمؤخرة الانسحاب, ثم أمر بتسريح الجيش العثماني بمقتضي معاهدة مودروس, وقف إطلاق النار, وكان قائدنا ضابطا برتبة نقيب, أخذنا جانبا, وقال لنا: أيها الأسود إن الدولة العثمانية في مأزق كبير, ويسرحون جيشنا العظيم, وقد استدعوني إلى إستانبول, ولزم علي أن ألبي, وإن لم أذهب أكن مخالفا شروط الهدنة عاصيا الأوامر, فمن أراد منكم العود إلى بلده فليفعل, ولكن لو لم تطيعوني, فلي عندكم رجاء القدس أمانة مولانا السلطان سليم الأول, في أعناقنا فواظبوا على الحراسة هنا, كي لا يقول الناس "إن العثمانيين تخلوا عنا وتركونا, فسيكون ذلك انتصارا حقيقيا لأعدائنا, فلا تضيعوا عزة الإسلام" .

ثم تعاقبت الأيام والسنون, مرت الأعوام طويلة غير أنها تمضي كلمح البصر, وقد رحل الأصدقاء, في الوحدة واحد تلو الآخر إلي رحمة الله, لم يستطع الأعداء القضاء علينا, وإنما قضى عليها الزمان, وبقيت وحدي هنا, يقول إلهان بردكجي: اغرورقت عيناي بالدموع, وأنا أنصت إليه ثم قال لي: لي عندك رجاء يا بني احتفظت بهذه الأمانة منذ سنين, فهل توصلها إلى أهلها؟ قلت: بكل تأكيد ,قال: ألن تعود إلى الأناضول يا بني؟ قالت: بلي, فقال: عندما تعود إلى الأناضول إذهب إلى محافظة توكات, فهناك ضابطي النقيب مصطفى, الذي كلفني بحراسة الأقصى, ووضعها أمانة في عنقي, فقبل يديه نيابة عني, وقل له العريف حسن الإغدرلي قائد مجموعة الرشاش الحادية عشرة, مازال قائما على حراسته حيث تركته من ذلك اليوم, ولم يترك نوبته قط, وإنه ليرجو دعواتكم المباركة !!

قالت له: سمعا وطاعة يا عماه , ثم سألني عن مدينتي فقلت: من إسطنبول فأشرق وجهه بابتسامة, وقال: إذا قدمت من عاصمة الخلافة؟ كيف حال العثمانيين يا بني؟ سكت فلم أتحدث, عن ما حدث لهذه الدولة العظيمة, فقلت له: إن دولتنا بخير, ولم أستطع قول الحقيقة .

سألني : إذا كانت دولتنا بخير فلم لا تأتي وتخلص القدس من هؤلاء اليهود؟ فعييت ولم أجد جوابا ,لم أقل له : أن الدولة العثمانية لا تذكر إلا في كتب التاريخ فقط, ولم يرض قلبي أن يؤلم قلبه فقلت له: سيأتون يوما ما يا عماه! أقبلت على يديه الخشنتين, وقبلتهما بحرارة ثم قلت له: أترككم في رعاية الله يا عم حسن فقال: حفظك الله يا بني بلغ الأناضول مني السلام, فمن العسيرعلينا أن نرى هذه البقاع المباركة بالعين المجردة, بلغ الدولة العلية مني السلام.

ذهبت مع القافلة فشرحت للمرشد أمر العريف حسن, فلم يستطع أن يصدق, وأعطيته عنواني وطلبت منه أن يخبرني بأي شئ يحدث للعريف حسن .

ثم عدت إلى تركيا وذهبت إلي مدينة توكات وبعد جهد وجدت في السجلات العسكرية ملف النقيب مصطفى لكنه قد مات منذ سنوات, ثم تعاقبت الأيام, وفي عام 1982م أثناء عملي في وكالة الأنباء, أخبرني الأصدقاء ببرقية وردت من إسرائيل, قلت في نفسي يا إلهي ما شأني بإسرائيل؟ نظرت إلي البرقية, إنها من المرشد الإسرائيلي, وقد احتوت على جملة واحدة فقط, مات اليوم آخر جندي عثماني يحرس المسجد الأقصى !! .