• 27 تشرين الثاني 2018
  • أقلام مقدسية

 

 

بقلم : سليمان ابو ارشيد

الموضوع في قضيتي الشيخ جراح وسلوان ليس شرعنة التطهير العرقي من قبل المحكمة العليا الإسرائيلية، بل التطهير العرقي ذاته الذي تمارسه إسرائيل الدولة في وضح النهار ضد سكان القدس المحتلة، حيث تقوم باقتلاع عشرات العائلات الفلسطينية من بيوتها وإحلال مستوطنين يهود مكانها، في عملية تهجير واسعة تشمل أحياء مقدسية كاملة.

الأنكى من ذلك أن إسرائيل تسمح لهؤلاء عبر أذرعهم الاستيطانية، بالقيام بذلك بأنفسهم بعد منحهم الغطاء القانوني واللوجيستي اللازم، ويجري الحديث عن اقتلاع 700 نسمة من بيوتهم في حي بطن الهوى في سلوان الواقعة جنوبي المسجد الأقصى والملاصقة له، وعشرات العائلات من حي الشيخ جراح الواقع في الجهة الشمالية منه ويبعد عنه بضعة كيلومترات فقط.

 ويندرج إخلاء الحيين في مخطط استكمال الحزام الاستيطاني (الحذوة) حول المسجد الأقصى وحول البلدة القديمة من جهتي الجنوب والشمال، بعد أن هدمت إسرائيل غداة احتلالها لشرقي القدس حي المغاربة المحاذي للحائط الغربي للمسجد الأقصى وهجرت سكانه الذين كان عددهم بالمئات، بذريعة توسيع ساحة ما يسمى بحائط المبكى.

ورغم إدراكنا أن سياسة التطهير العرقي ليست غريبة على إسرائيل التي قامت أصلا على أنقاض شعب آخر تم اقتلاعه من أرضه والاستيلاء على بيوته وأملاكه، فإن الحديث كان يجري في حينه عن الحركة الصهيونية وعصاباتها المسلحة، وليس عن دولة تحسب اليوم على مصاف الدول الديمقراطية و"عالمها الحر"، وحتى عند الحديث عن عمليات التهجير التي جرت في الـ 67 فيمكن التذرع بأنها جرت تحت نيران الحرب ودخانها.

ودون التقليل من جرائم التطهير العرقي التي مورست في الـ48 والـ67، فإن ما يجري في القدس وخاصة في الشيخ جراح وسلوان هو تواطؤ "الدولة" مع عصابات المستوطنين المسجلة كجمعيات لتيسير عملية السطو على بيوت الفلسطينيين، وبالتالي إخلائهم وإحلال المستوطنين في منازلهم، لتغيير الديمغرافيا وفرض حقائق سياسية جديدة على الأرض.

في الحالتين، تتشارك أذرع المؤسسة، كل بدورها، في تسهيل عملية سطو المستوطنين على بيوت الفلسطينيين، حيث يجري الاستيلاء عليها من قبل ما يسمى بـ"القيم (الوصي) على أملاك الغائبين"، بحجة أن الأرض المقامة عليها هي أرض وقف يهودي، كما هو الحال في سلوان، ثم يقوم الأخير بنقلها إلى جمعيات استيطانية يهودية، تقوم بدورها بالاستعانة بالقضاء الإسرائيلي لإخلاء المقدسيين من "أملاكها" التي حصلت عليها بطرق الغش والخداع.

القضية إذن لا تتعلق فقط بنقل ما يسمى بـ"القيم على أملاك الغائبين" بشكل مفضوح لملكية الأرض لجمعية استيطانية تسعى إلى تهويد القدس ودون إعلام أصحاب البيوت المقامة عليها، بل في استيلاء "القيم على أملاك الغائبين" نفسه على الأرض، وهو استيلاء بغض النظر عن عدم شرعيته كونه يستند إلى قانون كولونيالي غريب عجيب جرى سحبه بشكل اعتباطي على القدس، فإنه أيضا غير قانوني، لأن الوقف يتعلق بمبان أقيمت في نهاية القرن التاسع عشر وهدمت قبل إقامة الدولة ولا يسري على الأرض التي كانت مقامة عليها وبنى عليها الفلسطينيون بيوتهم لاحقا، لأنها "أرض أميرية".

والمفارقة، أن المحكمة العليا، ورغم إشارتها إلى فساد الصفقة كلها، آثرت رد التماس المقدسيين، ولم تجد مكانا للتدخل في اعتبارات "القيم على أملاك الغائبين"، ولم تشأ أن تشكك في اعتباراته رغم أن الملتمسين عرضوا وثيقة تبين أن "القيم على أملاك الغائبين" رفض نقل ملكية أرض موقوفة في الشيخ جراح بحجة أنها "أرض أميرية"، وذلك عندما تعلق الأمر بالوقف الإسلامي.

وفي الشيخ جراح، رفضت العليا البحث في صفقة فاسدة أخرى يجري بموجبها الاستيلاء على عشرات البيوت المقدسية، وقامت برد التماس العائلات المتضررة، التي لم يسعفها ما عرضته أمام درة القضاء الإسرائيلي من وثائق وحقائق تتثبت أن الأرض المقامة عليها بيوت الشيخ جراح لم تكن بملكية "الطائفة الأشكنازية" و"الطائفة السفرادية" في يوم من الأيام، وأن تسجيل الملكية باسم الجهات المذكورة تمت دون توافر أوراق ملكية وكواشين طابو عثمانية كما هو مدعى، ناهيك عن أن نقل الملكية إلى إحدى الجمعيات الاستيطانية بعد فترة قصيرة، يكشف فساد الصفقة والهدف الذي يختبئ من ورائها، وهو التهويد.

وإذا لم يكن التهويد هو الهدف، فلماذا يجوز لليهود استرداد أملاكهم في الشيخ جراح إذا وجدت ولا يسمح، كما قال أحد أصحاب البيوت، لأهالي الشيخ جراح استعادة بيوتهم التي ما زالت قائمة في يافا؟

عرب٤٨