• 31 كانون الثاني 2019
  • أقلام مقدسية

 

بقلم : عماد شقور

عشية يوم ذكرى نكبة الفلسطينيين للعام الحالي، يوم الثلاثاء، 14.5.2019، تنطلق في تل أبيب أولى حلقات حفلات مسابقة الأُغنية الأوروبية (اليوروفيجين)، التي تعتبر واحدة من المسابقات الفنية الأهم والأكبر في العالم، والتي تتابعها مئات عديدة من ملايين البشر في العالم. ستكون تلك حلقة ربع النهائي في المسابقة، يليها يوم 16.5.2019 مسابقة نصف النهائي، وتُختتم تلك المسابقات بالمباراة النهائية، يوم السبت، 18.5.2019.
يجدر بالفلسطينيين، وبالعرب أيضاً، رسميين وغير رسميين، من وزارات خارجية ووزارات ثقافة وإعلام، من فنانين ومثقفين، من كتّاب ومن ناشطين في جميع حقول الثقافة والفكر والأدب، من أحزاب سياسية ومن تنظيمات وجبهات، من منظمات المجتمع المدني ومن اتحادات نسائية وطلاب وعمال، وغرف تجارية وصناعية، من مساجد وكنائس ومن مراكز توثيق لجرائم الصهيونية وإسرائيل ضد حقوق شعبنا الفلسطيني في التحرر، في الحرية والعيش بأمان، في الاستقرار والتقدم للمساهمة في بناء وتطوير صرح الحضارة البشرية، كما ساهمنا في التاريخ القديم والوسيط والحديث، من نشر رسائل العدل والمساواة والحرية والتوحيد، أن نستعد لهذه المعركة الشرسة، بين حقوق شعبنا في التحرر والاستقلال والحرية والسلام والاستقرار والتطور، في مواجهة طمس هذه الحقوق الطبيعية والبديهية، من قِبَل قوى البغي والعدوان والاحتلال والاستعمار والتضليل الصهيوني الاسرائيلي، للهيمنة على عقول وضمير ومشاعر البشر في العالم.
بعد أسبوع، وفي الثامن من شباط/فبراير المقبل، تجري في بريطانيا مسابقة بين المغنين البريطانيين لاختيار من سيمثل بريطانيا في مسابقة الأغنية الأوروبية (اليوروفيجين) تلك. استبق أكثر من خمسين شخصية فنية وأدبية وفكرية بريطانية، بينهم، هذه المباراة البريطانية المحلية، ووقعوا عريضة نشروها في صحيفة «الغارديان» البريطانية يوم أمس الاول، الثلاثاء، يطالبون فيها إذاعة بريطانيا، (إذاعة وتلفزيون الـ بي بي سي)، أن لا تذيع تلك المنافسات الفنية على قنواتها، لأنها تجري في دولة نظام الأبرتهايد والتمييز العنصري: إسرائيل.
يقول هؤلاء الفنانون والمفكرون والكتّاب البريطانيون في مُذكّرتهم: «مسابقة الأغنية في يوروفيجين ربما كانت تسلية خفيفة ولكنها ليست معفاة من اعتبارات حقوق الانسان، ولا يمكننا تجاهل انتهاك اسرائيل المنظّم لحقوق الانسان الفلسطيني».
لا تنطلي على هؤلاء المثقفين والفنانين والأُدباء البريطانيين خدعة إسرائيل في اختيار تل ابيب، واستبعاد القدس المحتلة وغيلات، (ام الرشراش)، لتكون هي مستضيفة مسابقة اليوروفيجين، حيث يقولون في مذكرتهم الموقّعة والمنشورة: «لا يشكّل هذا الاختيار (لتل أبيب)، حماية للفلسطينيين من سرقة أراضيهم، وطردهم من منازلهم، وإطلاق النار عليهم، وتعريضهم لانتهاكات قوات الأمن الإسرائيلية لهم ولمنازلهم». ويُلحقون بذلك، متهكمين: «لا ينطبق مبدأ الاختيار في مباريات ومنافسات اليوروفيجين على الفلسطينيين، الذين لا يستطيعون» اختيار» إزالة احتلال الجيش الإسرائيلي، والعيش في مأمن من الأبرتهايد والفصل العنصري».
نلحظ بين موقّعي هذه العريضة البريطانية شخصيات في الصف الأول في مجالاتها الأدبية والفنية والثقافية: فيفيان ويستوود، بيتر غابرييل، كين لوتش ومايك لي. كما وقّع على العريضة الممثلان جولي كريستي و ماكسين بيك، وكذلك فرقة وولف ايليس، والكتّاب: كاريل تشرشل وإل كاندي وجان مارتل.
لم تكن هذه المبادرة الانسانية البريطانية هي الأولى من نوعها حول هذا الحدث الفني الثقافي الحضاري. ففي سبتمبر/أيلول الماضي ، دعا أكثر من 100 فنان في جميع أنحاء العالم منظمي مسابقة الأغنية الأوروبية (اليوروفيجين)، إلى إلغاء إجرائها في إسرائيل، ونقلها إلى بلد آخر.
محاولة مناضلين فلسطينيين شرفاء، في مقدمتهم الناشطون في إطار الـ «بي دي إس»، ومعهم مستنيرون في مجالات الثقافة والأدب والفن في العالم، نقل موقع مسابقة اليوروفيجين من إسرائيل إلى غيرها باءت بالفشل. لكن ذلك لا يعني ضرورة الاستسلام ورفع رايات بيضاء فلسطينية أو عربية. العكس تماما هو الصحيح.

في الحروب التقليدية، يتم اعتبار اقتحام الجيش الوطني للاشتباك مع جيش العدو في ساحته، بداية موفّقة ودليل شجاعة ومبادرة، وليس رد فعل سلبياً. أما في حرب العصابات فالمعادلة معكوسة ونقيضة، حيث يتم اعتبار استدراج العدو الى ساحتك التي تتقن السباحة والتحرك فيها بحرية وأمان أكبر، هي المكسب والبداية الموفقة. ونحن لا نخوض مع إسرائيل حربا تقليدية، هي في الحرب التقليدية أقوى وأمهر وأعظم منا بلا شك. نحن في حرب عصابات مع العنصرية والابرتهايد الاسرائيلي. وعقد حلقات غناء فلسطيني أصيل في نابلس والخليل وغزة وغيرها، يوم انطلاق اليوروفيجين في تل أبيب سيلقى صدى إيجابيا في العالم. عقد «حلقات لطم» انساني راقٍ، في نابلس والخليل وغزة وغيرها، حداد وبكاء على يوم النكبة الفلسطينية، وكل ما تلاها من نكبات، وصولاً الى ما نعانيه من نكبات هذه الأيام، وفي يوم انطلاق اليوروفيجين في تل أبيب تحديداً، سيحظى بصدى إيجابي كبير في العالم.
ثم، ما لي وما لهذه الاجتهادات الفردية؟ إن الشعب، وبسطاء هذا الشعب والأمة تحديداً، الذين «اخترعوا» معادلة الأنفاق في غزة وجنوب لبنان، والذي استعان أطفاله وفتيانه وشبابه بالريح لنقل طائراته الورقية وبالوناته الى ساحات العدو، هو الأقدر مني على استنباط أدوات ووسائل ولغة المقاومة المشروعة.
سفينة إسرائيل القوية، المدجّجة بأحدث الأسلحة وبأكثر العقول تطوراً وانفتاحاً على مستقبل مزدهر ينبهر ويستمتع به عالم اليوم، ليست سفينة مستقرة، ولن، وأُكرِّر: لن، تصل في أي يوم من الايام الى شاطئ الامان. فهي قامت على ظلم. ويمكن للظلم ان ينتصر ويهيمن، لكن ذلك الى حين. وسفينة يقودها عنصري مثل نتنياهو، وتوجهها عقلية عنصرية وخيالات صهيونية خرافية تعود الى قرون سحيقة، وسخافات أساطير غير منطقية، ومضحكة، لولا أنها مبكية وأليمة، هي في الحقيقة سفينة آيلة الى الغرق والإندثار، تماما كسابقاتها، وآخرها الغزوات الصليبية لهذه المنطقة العربية، المنكوبة في أيامنا هذه، بأعدائها والطامعين بها، تماما كنكبتها، فلسطينيا وعربيا، بقادتها وزعمائها.
دعونا نجعل من يوم احتفال اسرائيل العنصرية، باستضافة الحدث الفني العالمي الكبير والمهم، يوم نكسة لإسرائيل، ويوم فضح لعنصريتها، وانفضاض من بقي داعماً ومؤيداً لسياساتها العنصرية.
كم هي صعبة هذه المهمة. صعبة حقيقة في ظل نظام عالمي يقوده راشٍ في البيت الأبيض/الأسود الأمريكي. وهي صعبة في ظل نظام شرق أوسطي يقوده، الى حد ما، مرتشٍ يقود الحزب الأكبر والأقوى في إسرائيل، كما تعتقد الشرطة الاسرائيلية ذاتها، والمدّعي العام الإسرائيلي.
نعم.. هي مهمة صعبة. لكنها ليست مهمة مستحيلة. ومن قال ان النضال سهل؟

عن القدس العربي