• 2 شباط 2019
  • أقلام مقدسية

 

 

بقلم : المحامي زياد أبو زياد

 

لا يستطيع المرء أن يتجاهل ما يدور من نقاش حول استقالة الحكومة وشكل الحكومة القادمة رغم حالة اللامبلاة التي تسيطر على قطاعات واسعة من شعبنا بسبب انعدام الأفق السياسي ، والإحباط الناجم عن عدم القدرة على إنهاء الإنقسام واستمرار المناكفة بين طرفي الإنقسام ، والحرب الشعواء التي يشنها الاحتلال ضد القيادة الوطنية للشعب الفلسطيني ، وتعاظم الهجمة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية وعلى رأسها القدس التي تشهد هجوما شرسا ً يستهدف الأرض والمقدسات والانسان والحياة بكل جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والسياسية.

ولا بد من الإشارة باديء ذي بدء بأنه ، ومن حيث المبدأ ، فإن وجود أية حكومة تعمل في غياب رقابة برلمانية هو وجود مرهون بالفشل لأن الرقابة والمساءلة البرلمانية تؤدي عادة الى تحسين أداء الحكومة من خلال التزامها بالقوانين وتوخيها حسن الأداء وسعيها الى تحقيق البرنامج الذي شُكلت على أساسه ، لأنها تعمل تحت الشعور بأن هناك من يراقب أدائها وسوف يحاسبها إن لم تحسن الأداء. فالرقابة البرلمانية الفاعلة هي من أهم الوسائل التي تجعل الحكومات تبذل قصارى جهودها للصمود أمام الاختبار حين تقف أمام البرلمان.

ولا شك بأن حكومة تعمل دون مساءلة برلمانية سرعان ما ستجد نفسها تعمل في حالة استرخاء وترهل فبينما تجد بعض أعضائها يجدون ويكدون في العمل لأن روح العمل هي من طبيعتهم الشخصية تجد آخرين انصرفوا للانشغال في المظاهر وفي السعي نحو الكسب غير المشروع واتسم أداؤهم بسوء الأداء . وهذا أمر عام ينطبق على أية حكومة تعمل دون رقابة ومساءلة برلمانية في أي مكان في العالم.

ولا شك بأن الرقابة والمساءلة البرلمانية تكون أكثر فعالية وقدرة على تصويب الأداء لا سيما حين تكون هناك معارضة نشيطة داخل البرلمان تقف للحكومة بالمرصاد تحصي عليها أخطاءها بنفس القدر الذي تحترم وتقيم إنجازاتها.

فالمعارضة في البرلمان هي ظاهرة إيجابية صحية وضرورة حتمية تصب في مصلحة الشعب وترفع من نسبة نجاح الحكومة في أن تكون على مستوى المسؤولية التي أنيطت بها والتوقعات التي يريدها الشعب منها. فالفكرة الأساسية هي أن الشعب هو صاحب القرار وصاحب الأمانة يوكلها لمن يشاء وأنه حين يتوجه الى صناديق الاقتراع يختار الحزب أو الأحزاب أو الأشخاص الذين يتوقع منهم أن يحسنوا التصرف وسيقومون بخدمته على الوجه الأفضل . ويبقى الشعب الذي اختار الأكثرية التي شكلت الحكومة هو صاحب القرار فإذا أحسنت الأداء أعاد انتخابها وإن أساءت الأداء أو خيبت ظنه استبدلها بحكومة أخرى ، كل ذلك من خلال صناديق الاقتراع وعملا ً بمبدأ التداول السلمي للسلطة ، وحق الشعب في اختيار من يظن أنه الأصلح.

وأشير في هذا الصدد الى أنه في عهد المجلس التشريعي الأول ، وكنت أحد أعضائه ، كان هناك احتجاج على سوء إدارة إحدى الحكومات التي كان يرأسها الشهيد الراحل ياسر عرفات ، قبل تعديل القانون الأساسي واستحداث منصب رئيس الوزراء، وكان هناك من اقترح إجراء تصويت على الثقة بالحكومة ، وحين أدرك الأخ أحمد قريع رئيس المجلس التشريعي في تلك الفترة أن هناك أكثرية في المجلس ستصوت بنزع الثقة من الحكومة ، وإدراكا ً منه للخطورة السياسية والمغزى الذي سُيستنتج من نزع الثقة من حكومة يرأسها ياسر عرفات ، مما ينعكس بشكل غير مباشر على الرئيس ياسر عرفات وشرعيته ومكانته القيادية الرمزية ، قام رئيس المجلس برفع الجلسة وتأجيل التصويت على الثقة بالحكومة وخلال أقل من ساعة تلقى المجلس قرارا من الرئيس عرفات بأن حكومته قدمت استقالتها وتم بالفعل تشكيل حكومة جديدة.

وفي ظل هذه المعايير العامة يمكن فحص الحالة الفلسطينية الراهنة. 

فمنذ الإنقسام عام 2007 لم يعد لدينا برلمان يراقب الحكومة أو يساءلها ، وبالعكس فقد استولت الحكومة على الصلاحيات التشريعية للبرلمان بما في ذلك مناقشة الميزانية وإقرارها وكذلك سن القوانين ، في غياب من يمثل المعارضة والذي يستطيع التأثير في صياغة القوانين وتحقيق التوازن بين ما تريده الحكومة كسلطة تنفيذية وما يريده البرلمان كممثل لمصالح الشعب . ولا بد في غياب السلطة التشريعية والإستقواء على اختصاصاتها أن تجد الحكومة نفسها تعمل في ظل ظروف غير طبيعية حيث أن عليها أن تعمل كحكومة وأن تحاسب نفسها كبرلمان وفي هذا إخلال بمبدأ فصل السلطات إضافة الى تناقض المصالح بين من يعمل ومن يراقب.

واليوم وبعد تقديم حكومة الدكتور رامي الحمد الله استقالتها يبقى السؤال الكبير هو : هل سيتم تشكيل حكومة تعمل في ظل نفس الظروف والفراغ الدستوري وهو غياب السلطة التشريعية وتناقض المصالح ، وهل ستكون الحكومة القادمة هي حكومة من لون واحد أم ستضم كل ألوان قوس قزح السياسي الفلسطيني ، وهل قوس قزح السياسي الفلسطيني سيأتي من خلال كوتات لمنظمات لم يعد لها أي وجود أو قاعدة شعبية على الأرض ، أم أنه سيأتي نتيجة الذهاب الى صناديق الاقتراع وانتخاب قوس قزح سياسي فلسطيني يمثل حقيقة الخارطة السياسية على الأرض ويعيد الأمانة للشعب ليختار من يريد. ثم قبل وبعد كل هذه التساؤلات : ما هو البرنامج الوطني الذي ستسعى الحكومة الجديدة الى تحقيقه. هل هو برنامج يقوم على أساس البقاء لمجرد البقاء حتى لو كان الحفاظ على سلطة بدون سلطة ، أم برنامج وطني يقوم على أساس الانفتاح على العالم والسعي لحثه على تحمل مسؤولياته أمام خيارات واحتمالات يملك الفلسطيني فيها قول كلمته ، أم برنامج وطني مقاوم يأخذ في الحسبان كل الاحتمالات والاعتبارات السلبية والايجابية والقدرة على المناورة والموائمة بينها.

المخرج الوحيد من حالة الشتات والضياع التي نعيشها هو إعادة الثقة بين الشعب والقيادة ومثل ذلك لن يتحقق طالما ظل الشعب يشعر بأنه مختطف من قبل هذا الفصيل أو ذاك ، وطالما ظل يشعر بأن المنظمة هي الأخرى مختطفة وأن الحكم يتم باسم أطر ومسميات تم تفريغها من مضمونها منذ أمد بعيد.

المطلوب هو إنتخابات حرة ونزيهة تشريعية ورئاسية حسبما ينص القانون الأساسي وقانون الانتخابات تحت إشراف محايد لتجديد شرعية البرلمان والرئيس ومن ثم الانطلاق نحو تجديد مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية من خلال الانتخابات حيثما أمكن أو بالأساليب التي كانت متبعة في الماضي حيث لا يمكن أن تجرى الانتخابات. هذا التجديد للتشريعي والرئيس والمنظمة هو القادر على التوافق على برنامج وطني لمواجهة المرحلة التي عنوانها تصفية الشعب الفلسطيني وقضيته والتي علينا أن نعكس عنوانها ليكون: تثبيت وجود الشعب الفلسطيني وفرض إرادته وتحقيق حقوقه وتطلعاته.