• 7 شباط 2019
  • أقلام مقدسية

 

بقلم  : ماهر ابو طير

 

تتعامى الحكومة الحالیة، وشقیقاتھا السابقات، عن ظاھرة خروج المال من الأردن الى تركیا تحدیدا ودول أخرى، وقد بات لافتا الظاھرة  الجدیدة التي یمكن تسمیتھا بالخروج العائلي، أي رب الاسرة وعائلته ورأسمالھا معا الى تركیا ، بعد ان كنا نشھد خروج المال فقط، وبقاء العائلات في الأردن.

لا یفعلون شیئا لمنع ھذه الظاھرة ، وتوسعھا باعتبار ان ھذه حریة شخصیة ، برغم انھا تؤشر على ما ھو أخطر، أي حالة النفور النفسي والاقتصادي على حد سواء، ونحن البلد الوحید للأسف الشدید، الذي نفتخر بتسرب مئات الالاف من الكفاءات الى خارج الأردن، برغم انھا خسارة كارثیة ، وبخروج المال باعتبار ان ذلك دلیل على حیویة الأردنیین ، وقدرتھم على تجدید أنفسھم، واستسقاء الفرص الجدیدة، في كل مكان في ھذا العالم.

المناخ الاقتصادي السلبي، وكثرة الضرائب، وكلف الإنتاج، والكساد، وتجبر المؤجرین وعدم رحمتھم بسبب قانون المالكین والمستأجرین، الذي سیؤدي بعد سنین الى تحول العقارات الى مساكن لأشباح عمان، وإربد، والزرقاء، وغیرھا من مدن، كلھا عوامل تؤدي الى انجماد اقتصادي.


لیس أدل علیه من ھروب المال الى خارج الأردن، بل وقیام كل صاحب رأسمال صغیر او متوسط او كبیر، بشراء شقة في تركیا، بحثا عن جنسیة، او حتى اخراج عائلته لتعیش على الأقل في مناخ حیوي، لا كآبة فیھ، ولا ضغطا عصبیا ، ولا تراشق بالعیون الغاضبة، ولا لاذع الكلام، وھو مناخ یمزج بین الشرق والغرب، وبین ھویة العالم العربي، والعالم العصري الذي یتطلع الى الامام.

القصة ھنا لیست الترویج  لتركیا، لكن تركیا باتت الحل الاسھل ، بسبب بساطة الإجراءات، وعدم وجود تعقیدات في تأشیرات السیاحة التي یستعملھا الأردنیون لاستطلاع تركیا القریبة، قبل الانتقال، وفي الوقت ذاته لا یمكن ان نتعامى عن أرقام الراغبین بالھجرة الى الولایات المتحدة، وأسترالیا، ودول أوروبیة، لكننا نعرف ان تعقیدات الھجرة الى ھذه الدول، كثیرة، فیبحث الناس، عن حلول أسھل.

الحیاة في تركیا، تجعلك قریبا من المنطقة، أیضا، فلا تعد مھاجرا مثل أولئك الذین یحتاجون یومین للوصول الى مغتربھم الأسترالي مثلا، مع الادراك ان ھناك من انتقل الى تركیا، وتعرض الى خسائر مالیة، او تورط في قضایا مالیة ، بسبب عدم دراسة البیئة جیدا، او بسبب الاستعجال في ترحیل رأسماله وعائلته.

كل الخطابات الحكومیة التي سمعناھا خلال السنین الفائتة، بائسة من حیث المستوى، ولا یصدقھا أحد، فقد شبعنا من التخدیر وجدولة الاحلام، والواضح تماما ان حالة الاستعصاء باتت مزمنة، فلماذا یأتي المستثمر الأجنبي اذا كان ابن البلد یفر بعائلته وبما تبقى من مال لدیه ، خوفا من ان یتبدد كل ما معه تحت وطأة ھذا المشھد الصعب، وھم یختارون تركیا، على الرغم من ادراكھم أیضا ان تركیا مھددة، وتحت سیناریوھات مختلفة، وقد تنتعش أوضاعھا، وقد تنھار، لكنھا مرحلیا بیئة اكثر لطفا من البیئة النفسیة والاقتصادیة، ھا ھنا.

الطبقة الخشنة الأكثر عصبیة في الأردن، والأكثر توترا، باتت ھي الغالبة، لأن اغلب الكفاءات خرجت من الأردن، وأصحاب المال من مستویات مختلفة، یخرجون، وكأن ھناك حالة اخلاء في البلد، لصالح غالبیة معدمة اقتصادیا، او بلا عمل، متوترة، غاضبة، لا تجد أملا في الحیاة، ونحن بھذا المعنى نزعنا كل الطبقات الاجتماعیة-الاقتصادیة الأقل توترا، والعازلة بین مكونات المجتمع، وسمحنا لھم بالھجرة الاضطراریة، برغم ما یعنیھ ذلك من أثر استراتیجي خطیر.

الحكومات لدینا، لا تقنع حتى الأردنیین الذین یودعون عشرات الملیارات في المصارف الأردنیة، لتسییل أموالھم، عبر فتح دكانة، او بناء شقة صغیرة، وھذا یعني ان ھناك حالة حذر شدیدة، تجبر كل ھؤلاء ان یجمدوا أموالھم، فتجتمع علینا الازمة من كل أطرافھا.

بالله علیكم قولوا لنا، ھل یصدق بعض الرسمیین انفسھم حین یقولون لنا ان المستقبل یعد واعدا، وھم اول من یبحث عن فرصة عمل في الخارج قبیل تقاعدھم، استعدادا لمرحلة ما بعد تقاعدھم؟