• 15 تموز 2019
  • أقلام مقدسية

 

بقلم القاضي: فواز ابراهيم نزار عطية

 

 

 تشكل المقابر الموجودة في القدس الشريف سواء التي كانت في الجهة الغربية من سور القدس بالقرب من حارة بني حارث والتي كانت تعرف بتربة أو مقبرة مأمن الله "ماميلا"، أو المقبرة الاسلامية في الجهة الشرقية من سور القدس بجانب باب الاسباط باتجاه باب الرحمة "الباب الذهبي" وصولا إلى الجهة الشرقية الشمالية باتجاه واد الجوز والتي تعرف بالتربة اليوسفية إلى مقبرة باب الساهرة في شارع صلاد الدين، أهمية انسانية وحضارية كبرى لأهل القدس باعتبار تلك المقابر شاهد عيان على قبور الصحابة والمجاهدين ومن سكن وجاور بيت المقدس ودفن فيها من الاجداد المهاجرين الأولين من مختلف بقاع الارض، الذين جادوا بأنفسهم واموالهم في تحرير القدس من الفرنجة، وجعلوا سكنهم فيها عنوانا للرباط والثبات جيلا بعد جيل وما زالوا.

هذه المقابر تتبوأ مكانة خاصة عند اهل القدس، لانها تشكل محور الكرامة لكل انسان انتقل لرحمة الله تعالى في القدس ودفن بجوار مسرى الرسول الاعظم محمد صلى الله عليه وسلم، وبالنظر للحالة الخاصة التي تحيط بهالة القدس من الناحيتين الروحية والدينية، فيعتبر اهل القدس أن المقابر جزء لا يتجزأ من المشهد العام للحضارة الانسانية في القدس على مدار 14 قرن مضت إلى أن يرث الله الارض وما عليها، حيث انها المؤشر على مدى التحضر والتجذر للقيم الانسانية التي ورثناها على مرّ قرون قد مضت باختلاف الحكومات والدول التي سادة في القدس، إذ رحلت تلك الحكومات والدول وبقي اهلها على ثغورها جزء من التراث والحضارة العربية والاسلامية التي لا يمكن أن تتبدل أو تتغيير مهما كانت شدة المحن.

 

وبالتالي لا يعتبر اهل القدس المقابر مكانا لميت يدفن فيها فحسب، وانما المقابر جزءا حيا من المشهد العام لحضارة القدس، وهو مفهوم يدخل ضمن اطار الحضارة الخالدة لعروبة القدس، بحيث يجب على أولي الامر في دائرة الاوقاف الاسلامية اتخاذ التدابير الرسمية ضمن استراتيجية مُحكمة وخُطط متكاملة، تقوم على فلسفة دينية تحت عنوان اكرام الميت دفنه بمكان لائق وبما خطّته مواثيق حقوق الانسان في هذا المجال.

لذلك الشعار الجديد لحماية القبور التي تمثل جزءا من الحضارة، يكمن ضمن خطة استراتيجية تسمى "النهوض بتدابير المقابر الاسلامية في القدس الشريف وحمايتها من العبث والتخريب المقصودين واعمال التجارة " الامر الذي يستدعي ادخال روح جديدة في مقابر المسلمين، يؤخذ بعين الاعتبار الرؤية المتكاملة للجانب الديني الروحي  والجمالي.

وعليه ما ورد اعلاه، يجب أن يكون تأسيسا لبعض الاعمال التي قامت بها لجنة المقابر في القدس خلال العقدين الماضيين وبالتعاون مع الدول الاسلامية المانحة وعلى رأسها تركيا، وهو أمر ايجابي وتشكر عليه اللجنة، لكن هذه الخطوة غير كافية في ظل بعض التجاوزات من بعض العاملين هنا وهناك في المقابر الاسلامية المذكورة أعلاه، فلا يجوز أن تكون القبور محل تجارة وبأرقام خيالية، ولايجوز التعدي على قبور الصحابة أو قبور قائمة بحجج مختلفة، فإذا اتفقنا جميعا أن القبور جزء من الحضارة العربية والاسلامية في القدس، فلا مجال للعبث أو التعدي أو خلق واقع جديد لدثر معالم الحضارة بصورة تشوه الجمال الديني والروحي وبصورة تمس حُرمات الموتى من سلفنا الصالح، وبصورة تؤذي مشاعر الاحياء.

في الختام، وبما أن جمعية "وقفنا" للحفاظ على الوقف والتراث المقدسي ممثلة برئيس الهيئة الادارية، بادرت مشكورة قبل اسبوع وأخذت على عاتقها زمام المبادرة، للحد من بعض تلك التجاوزات، حيث جلست مع مسؤول لجنة المقابر وبحضور عدد من ممثلي بعض العائلات وبعض الصحفيّن الذين ووقفوا على اطلال المقبرة في باب الرحمة، واطّلعوا على واقع ما آلت اليه الحالة لبعض القبور في المقبرة الاسلامية في باب الرحمة، إذ تم الاتفاق وفق ما أُعلمت به على بعض المسائل، التي اعتقد جازما أنها تندرج ضمن عنوان هذه المقالة، بأن لا يتم المس بأي قبر قائم دون الرجوع للأحياء من أهل المتوفى، وبأن يحدد سعر القبر لمن يرغب في شراء آخرته بسعر معقول وضمن أسس مهنية سليمة وتنشر في الصحف المحلية، وأن يتم العمل بنظام المقابر الشرعية وفق العمل السائد في مختلف الدول الاسلامية وفق احكام الشرع الجنيف، وبأن يتم تنظيم المقابر بصورة جمالية تسمح لذوي اصحاب القبور الوصول لسلفهم ولقراءة سورة الفاتحة بصورة ميسرة، والعمل على ايجاد ممرات منظمة بين القبور والتنظيف المستمر، ومنع اتخاذ الممرات الرئيسية مكانا لعرض البضائع في موسم شهر رمضان، بالاضافة إلى القيام بمسح المقابر وتسجيل اسماء اصحاب القبور وفق اسس هندسية بنظام خاص وبمنهجية العمل المسحي وانزال الاحداثيات على الخرائط والشبكة العنكبوتية الدولية، وعلى أن تكون جمعية "وقفنا" المذكورة المرجعية في حل اي خلاف قد يطرأ لا قدر الله بين لجنة المقابر وذوي اصحاب القبور.

بهذا العمل الجليل الوصفي والتحليلي المبني على الفهم السليم والقويم للعلاقة الانسانية، بين الانسان العربي المسلم الحيّ في القدس وبين اسلافه المتوفين من المجاهدين والمحررين، لتتجلى ابهى الحضارة بجزءها الاصيل من مقابر المسلمين المذكورة اعلاه، والتي تحتاج للحفاظ عليها إرادة صادقة من أولي المسؤولين في لجنة المقابر، بحيث سيتم اعادة الاعتبار للتاريخ والحضارة العربية والاسلامية في القدس من خلال احدى الزوايا التي تخص هذا الموضوع، من منطلق الحفاظ على المشهد الحضاري والنهوض في حماية قبور الاجداد التي هي جزء من تراثنا وتراث أجدادنا باعتبارها شاهدة على الوجود والحضور والاقامة في القدس منذ قرون عديدة.