• 26 آيار 2020
  • أقلام مقدسية

 

بقلم :  فواز ابراهيم نزار عطية

 

 كان يوم الاحد الماضي يوما مشهودا بامتياز، على حلبة القضاء الاسرائيلي في القدس العربية التي تقع فيها محكمة بداية القدس في نهاية شارع صلاح الدين، تلك المحكمة التي شيدتها حكومة المملكة الاردنية الهاشمية، كقصر عدل في ستينيات القرن الماضي، حيث وضعت حكومة الاحتلال يدها على ذلك الصرح والمَعلم القضائي العربي بعد احتلال القدس عام 1967، واصبحت السلطة القضائية في اسرائيل تمارس إدارة مرفق العدالة من خلال مبنى عربي، الذي سيكون ذلك المبنى من ضمن الشواهد على التطور العمراني العربي والاسلامي في القدس على مر العصور.

اخترت بعناية موضوع المقال بصفتي متتبعا لمجريات ما يدور في مدينتي المقدسة "القدس الشريف" كمراقب غير رسمي لكل ما يدور ويحاك في ظلمات الليل، لأضع القارئ الكريم في صورة المشهد، لعل رسالتي  تصل كل مسؤول في وطني لأخذ الدروس والعِبر.

 حيث توجه بيبي نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل يوم امس لمقر قصر العدل الاردني في شارع صلاح الدين، الذي اصبح يطلق عليه اليوم المحكمة المركزية في القدس، التي توازي محكمة البداية في النظام القضائي العربي، ومَثَلَ امام هيئة قضائية جزائية مؤلفة من ثلاثة قضاة، وتم توجيه الاتهام له ولمتهمين آخرين فيما نسبته لهم النيابة العامة الاسرائيلية من جرائم فساد على حد وصفها.

ما تجدر الاشارة إليه في هذا المقام، هو نقل الواقع كما هو وتسليط الضوء على مسألتين: الأولى محاكمة شخص مسؤول وهو على رأس عمله، والثانية: كيف سيؤثر جاه السلطان على سير اجراءات المحاكمة وأثر الاعلام السلبي أو الايجابي على الهيئة الحاكمة.

 ردود الأفعال كانت متباينة بين مؤيدة ومعارضة للمحاكمة، سواء اكانت تلك الردود من داخل الحكومة الاسرائيلية أو خارجها، إذ كان للإعلام الاسرائيلي دور بارز في تأجيج التباين، حيث تجلى ذلك الدور، فيما تعرض له المستشار القانوني للحكومة الاسرائيلية من ادعاءات تتهمه بالانحياز.

 المستشار القانوني ابدى موقفا من تلك التصريحات والاتهامات، حيث أكد أنها باطلة، معربا عن مواصلته عمله بلا رعب أو انحياز، رافضا تصريحات نتنياهو التي اتهم فيها النيابة العامة باعتبارات غير موضوعية، ومؤكداً أن النيابة ستواصل المرافعة أمام المحكمة بلا خوف، وبالتالي التصريح الصادر عن المستشار القانوني، بحد ذاته قرينة لا تقبل الشك بأن للإعلام دور في التأثير على مجريات المحاكمة.

وعليه من الطبيعي أن تنتهي أولى جلسات المحاكمة ، بعد قراءة لوائح الاتهام لرئيس الوزراء بما نُسب إليه ليقدم جوابا ولتحضير الدفاع.

دون الدخول في حيثيات واجراءات المحاكمة وما يتبعه من طلبات التوقيف التي تقدم من النيابة العامة وطلبات اخلاء السبيل بالكفالة التي تقدم من وكلاء الدفاع، والاستئناف على قرارات اخلاء السبيل أو الاستئناف على قرارات تمديد التوقيف، لضمان حضور المحاكمة إما بمنع السفر أو بتقديم كفالة مالية أو باحضار كفيل شخصي أو إلخ ... بقي المتهم حرا طليقا بضمان وظيفته.

 وعودا على بدء، التنوع المهول في وسائل الاعلام نتيجة التطور التكنولوجي، بحيث أصبح للإعلام بمختلف وسائله المرئية والمسموعة والإلكترونية كشبكات التواصل الاجتماعي مثل "الفيسبوك" و"التويتر" وغيرهما، سلطته وآلياته الذاتية في تناول القضايا المجتمعية، بما في ذلك أخبار وتغطيات المحاكمات، والاعلام الاسرائيلي شغله الشاغل اليوم في كيفية ادارة التغطية الخبرية لقضية حساسة تنظر في المحكمة، وذات شأن عام تخص رئيس وزراء ما زال على راس عمله، لا سيما أن من ضمن الجرائم المنسوبة له تتعلق بمحاباة رئيس الوزراء لصحيفة ضد صحيفة اخرى، وفي النتيجة عناصر الإثارة الإعلامية بين التأييد والمعارضة في المحاكمة، ستكون ذات أثر كبير على نفسية القضاة، بوجود نصوص قانونية في كل النظم القانونية في العالم تنص على مبدأ علنية المحاكمة بالنسبة إلى القضاء وحرية التعبير بالنسبة إلى الإعلام.

لكن تكمن المشكلة عندما تتجاذب وتتنافر اقلام الصحافة، بما يؤثرعلى الحيدة والتجرد والمهنية للسلطة الرابعة في كل بلد، حيث سيصور الاعلام المناهض لرئيس الوزراء الاسرائيلي بأنه مجرم، في الوقت الذي سيصور الاعلام المؤيد له بأنه مظلوم وسيعرض اهم انجازته، كما وسيستغل حقد السياسين الذين لم يستطيعوا أن يعملون 5% مما فعله نتنياهو، وسيعرضوا انجازاته التي لم يحققها بن غورين بنفسه، من نقل سفارات دول عديدة للقدس واعتراف عدد من الدول بأن القدس عاصمة اسرائيل الابدية، وضم الجولان السورية لدولة الاحتلال، ناهيك على حجم الاستيطان الذي توسع في عهده بصورة تمنع اقامة دولة فلسطينية، وضخ ملايين الشواقل لتهويد القدس، الامر الذي سيشكل ذلك صراع داخلي في نفسية القضاة وسيؤثرعلى القناعة والحيدة مما سيساهم في زعزعة مواقفهم.

صحيح أن القضاة ملزمون بالحيدة والاستقلال، وأن تكون خطواتهم حثيثة نحو تحقيق العدالة والامتناع عن تغليب أي طرف على الآخر، كما يتركز اعتمادهم على ما يتوافر لديهم من أدلة وأسانيد في القضية الجزائية، ليشكلوا عقيدة راسخة عند اصدار الحكم، لكن حرص رئيس الوزراء نتنياهو قبل تشكيل الحكومة الحالية، على أن تكون وزارة القضاء ضمن حقيبة أو ضمن حصة حزب الليكود، هدفه واضح لا يختلف عليه اثنان، وهو التأثير على القضاء، وهذا بحد ذاته يشكل تهمة خامسة من ضمن جمل التهم المسندة له.

وبما أن القضاة بشر، وهو واقع – أوكده ليس من باب التبرير –  لهم مشاعر وعواطف، وبالتالي فإن وسائل الإعلام بمختلف مشاربها واتجاهاتها، فضلا عن استمرارية المتهم في ممارسة اعماله كرئيس للسلطة التنفيذية، حكما سيؤثرعلى قرينة البراءة أو الحكم بالادانة، مما سيسيئ إلى القضاء.

ولضمان المحاكمة العادلة، وفيما إذا كان النظام يسمح بأن يمارس المسؤول اعماله وأن يبقى على رأس عمله اثناء مجريات المحاكمة، رغم قناعاتي أن رهبة المحاكمة والمثول اما هيئة قضائية لا سيما أن يكون الشخص يحمل صفة المتهم، ستؤثر على أدائه الوظيفي وستكون الوظيفية مسخرة لتصفية الحسابات ولشحن الطاقات في سبيل استغلال النفوذ، وقد تكون محل ترهيب وترغيب، الامر الذي سيعكس ذلك على مجريات المحاكمة.

لذلك استعرض بعض الدراسات والابحاث والتقارير الصادرة من مختلف دول العالم، التي تؤكد على أن الاعلام وتقاريره ذات أثر على الادعاء العام وعلى القضاة، فمثلا في المانيا فقد أجريت دراسة علمية على يد الخبير في علوم الاتصال هايتاس كيبلينغر، حول تأثير وسائل الإعلام على إجراءات المحاكمة في ألمانيا، وقد أجرى استطلاع شمل 447 قاضياً و271 وكيل نيابة، أثبت أن 50 في المئة من القضاة وممثلي الادعاء العام تأثرت إجراءاتهم بالتقارير الإعلامية، وأن 42 في المئة من ممثلي الادعاء العام يفكّرون في صدى الرأي العام، واعترف ثلث القضاة بأن التقارير الإعلامية تؤثر في حجم العقوبة وتشديدها.

وتأسيسا لما سيق اعلاه، اعتقد أنه كان من المفترض أن يتم محاكمة نتنياهو وهو خارج وظيفته، بمعنى أن يتم كف يده عن العمل وتسير اجراءات محاكمته وهو خال من أية صفة وظيفية، كما وأن الاعلام يجب أن يكون حاضرا كسلطة رابعة في البلد لمراقبة سير اجراءات المحاكمة دون ابداء أي رأي في القضية، لضمان الحيادية والنزاهة ولمنع الانحياز، لأن تأجيج الرأي العام، سيحمل ذلك الأمر قدراً كبيرا من الإكراه المعنوي في نفس القاضي وفي تصرفاته، بل وفي قراراته، ومن ثم حكمه في القضية المطروحة، وبالتالي سيمتد أثر ذلك على استقلا لية القضاء ومن ثم العدالة بكاملها.

ولنا في اقوام الارض عظة وعبرة لمن اراد أن يتصف بأولي الالباب، ففي الانظمة العربية لم نشاهد محاكمة مسؤول عربي وهو على رأس عمله، لكننا شاهدنا محاكمات نتيجة انقلابات عسكرية، أو نتيجة تدخل قوة احتلالية، وهذا الامر بحد ذاته محاكمة غير عادلة ، لا يحتاج الامر التعقيب عليه أو الوقوف عنده، وبالتالي استمرار المسؤول في عمله اثناء مجريات المحاكمة، سيكون نواة استغلال لنفوذه وسلطانه وسيعمل جاهدا لتسخير الاعلام السلبي، ليحصل على البراءة مقدما، وهو ما تم في العديد من الاقطار العربية والغربية والشواهد كثيرة، مما أثر على القضاء قبل أن يتأثر المجتمع.

خلاصة القول، أرى أن التفرقة باتت ضرورية بين الإعلام المتوازن الذي يخدم القضاء ويحقق غاياته في صون حريات وحقوق الأفراد بما يخدم المجتمع والعدالة، وبين الإعلام المنحاز الذي لا يخدم إلا الفئة المنحاز إليها.

من هنا ارى، أنه على المشرع الفلسطيني من باب النزاهة والشفافية وعدم التأثير على القضاء الفلسطيني، إجراء تعديلات تشريعية ينص بصراحة وبنصوص قانونية لا تقبل التأويل أو التفسير، بوضع الضوابط القانونية للإعلام كسلطة رابعة في فلسطين، وبما لايؤثرعلى مجريات العدالة، ولكل من شملهم حق رفع السرية عند إجراء المحاكمة لتكون المحاكمة علنية بعد أن كانت سرية بالنظر لطبيعة اعمالهم، كف ايديهم عن العمل لكي لا يتم استغلال المنصب في التأثيرعلى مجريات المحاكمة، وحماية للقضاة من التضليل الإعلامي والمواقف المنحازة، للحيلولة دون الإخلال بشرط البراءة المفترضة في كل متهم حتى تثبت إدانته، ذلك أنه من المفترض أن يكون القضاة مستقلين ولا سلطان عليهم في قضائهم إلا القانون، وأن يعملوا في جو هادئ يضمن حرية التحري والتدقيق بعيدا عن التجاذبات الاعلامية.

*قاضي المحكمة العليا الفلسطينية