كامل البديري الصحفي والمقاوم

  • 6 أيلول 2017
  • وجوه مقدسية

 

 القدس- اخبار البلد- نشر الصحفي احمد البديري في صفحته على الفيسبوك نصا جميلا عن شخصية مقدسية لا يعرفها الكثيرون من اهل المدينة ، ونحن في شبكة“ اخبار البلد“ اخذنا على عاتقنا حفظ ما يمكن حفظه من تاريخ القدس وشخصيات المدينة  لاطلاع اكبر عدد ممكن من المهتمين بالشان المقدسي 

 ولهذا فاننا نشر ما نشره الصحفي البديري حرفيا : 

كامل البديري أحد رواد الصحافة والكفاح المسلح في فلسطين

اغتيل عام 1923 أثناء رحلة لجمع السلاح في الجزيرة العربية*

مرّت في العاشر من كانون الأول/ديسمبر 2016 الذكرى الثالثة والتسعون لاغتيال محمد كامل البديري، المعروف باسم كامل البديري، صاحب جريدة "الصباح" الفلسطينية التي كانت تصدر في القدس بعد الاحتلال البريطاني لفلسطين في الحرب العالمية الأولى. وتنبع أهمية كامل ليس فقط من كونه أحد رواد الصحافة الفلسطينية الذين ينبغي الحفاظ على تراثهم فحسب، بل من كونه أول فلسطيني عمل على تنظيم مقاومة مسلحة ضد احتلال بريطانيا لفلسطين ورفض مشروعها الكولونيالي لإنشاء وطن قومي لليهود فيها، وناضل من أجل حصول الفلسطينيين على استقلالهم. لم يُحالف الحظ كامل فاغتيل غدرًا وهو يستنهض الهمم ويجند المقاتلين ويجمع السلاح في الجزيرة العربية من أجل هذا الهدف النبيل، ويبدو أن شح الوثائق المتعلقة بكامل وبالدور الذي لعبه على الساحة الفلسطينية في حينه كان السبب في عدم اهتمام الباحثين ومراكز البحث الفلسطينية وغيرها في إبراز كامل ودوره.

تستند ورقة البحث هذه عن كامل البديري على مجموعة من وثائق ومخطوطات تم الحصول عليها من المكتبة التابعة لوقف عائلة البديري ومقرها في البلدة القديمة بالقدس المحتلة، (وينبغي  مراعاة أن الأخطاء التي وردت في النصوص الأصلية المقتبسة تُركت كما هي حفاظًا على مصداقية النص)، بالإضافة إلى الاستناد على ما ورد عن كامل في مذكرات ابن عمّه الدكتور خليل البديري التي تحمل اسم "تاريخ ما أغفله التاريخ – ستون عامًا مع الحركة الوطنية الفلسطينية وفيها" الذي صدر عن "منشورات صلاح الدين" في القدس المحتلة عام 1982.

في هذه الورقة جرى التدقيق في الظروف التي أحاطت بفلسطين والبيئة التي عاش فيها كامل البديري وذلك من أجل فهم الدوافع الحقيقية التي دفعت رائد الكفاح الفلسطيني المسلح هذا إلى رفع البندقية والقلم في آن معًا دفاعًا عن وطنه وقضيته قبل عام 1923. 

ما قام به كامل البديري دليل على أن الطبقة السياسية والمثقفة في فلسطين كانت مقتنعة، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وقبل حوالى 18 عامًا من ثورة عام 1936 الشعبية الفلسطينية، أنه لا حل لمشكلة فلسطين مع الاحتلال البريطاني ومشروعه لإقامة وطن قومي لليهود فيها سوى بالكفاح المسلح.

 

ولد كامل البديري في القدس عام 1882 وفي رواية أخرى عام 1886، واسمه "محمد كامل ابن وهبة الشافعي المقدسي البديري"،  فكامل البديري هو ابن خالة الحاج أمين الحسيني، مفتي القدس وزعيم فلسطين في عهد الانتداب البريطاني، وعمّه الشيخ موسى البديري كان قاضي القدس الشرعي خلال عقد العشرينات من القرن الماضي. 

نشأ كامل البديري في بيت اشتهر بالعلم والمتعلمين، وتخرج من مدارس القدس الإعدادية ثم توجه إلى مدرسة الأستانة السلطانية في استانبول، وعندما توفي والده عاد كامل إلى القدس فعينته الحكومة التركية مديرًا لبلدة عبوين قضاء رام الله، ونقلته لاحقًا إلى عوجا الحفير غرب مدينة بئر السبع قرب الحدود المصرية. وخلال الحرب العالمية الأولى جرى تعيينه مفوضًا للحكم التركي على مدينة الرملة، وبعد احتلال البريطانيين للمدينة في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1917 اعتقلته القوات البريطانية، وفي هذا الخصوص روى الدكتور خليل البديري في مذكراته ما يلي:

"وظل ابن عمي هذا كامل البديري، الذي كان قد رُقي إلى قائمقام في الإدارة العثمانية، وفيًا مخلصًا للدولة العثمانية حتى انتهاء الحرب سنة 1918، وقد كانت له اليد الطولى في إلقاء القبض على الجواسيس اليهود المعروفين بالاخوة "نيلي" وعلى رأسهم أهرون أهرونسون وإعدامهم، ولما احتل الإنكليز فلسطين، وقد كانوا يكنون له الحقد والضغينة، حاولوا استمالته إليهم واستخدامه والاستعانة به لتوطيد نفوذهم في البلاد، فعرضوا عليه التعاون معهم في سلك الإدارة ولما رفض اعتقلوه ونفوه إلى الزقازيق في مصر وبقي معتقلًا هناك مدة تزيد على تسعة أشهر" (1).

لم تتوقف عائلة البديري عن المطالبة بإطلاق سراح ابنها كامل إلى أن وُفِقت في مسعاها بعد أن قضى في السجن تسعة أشهر. من ضمن الوثائق التي تم الاستناد عليها في هذه الورقة مسودتا رسالتين الأولى من عائلة كامل والثانية من زوجته، الرسالة الأولى باللغة الإنجليزية ومؤرخة في 11 أيار/مايو 1918، والثانية باللغة العربية مؤرخة في 30 أيار/مايو 1918 وقد أرسلت نسختاهما الأصلية إلى الجنرال إدموند أللنبي، قائد القوات البريطانية التي احتلت فلسطين في الحرب العالمية الأولى، تطلب منه الإفراج عن كامل من السجن. يشار إلى أن كامل تزوج في الخامس من حزيران/يونيو 1917 من فطومة بنت أحمد بدوي الخالدي التي لم يُرزق منها بالبنين. ووفقًا لأخبار يتناقلها أفراد عائلة البديري، أن كامل تزوج مرة ثانية من فتاة تدعى حنة أبو الشر من القدس، لكنه لم يُرزق منها بالبنين أيضًا.

وروى الدكتور خليل البديري في مذكراته أن كامل كان على علاقة سرًا بالحركة الوطنية العربية، لكنه كان في نفس الوقت متشككًا في نوايا الحلفاء الغربيين ومتخوفًا منهم، خصوصًا بعد أن سمع بوعد وزير المستعمرات البريطاني أرثور بلفور عام 1917 بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وأضاف الدكتور خليل البديري في مذكراته عن كامل  "وما أن أطلقوا سراحه وعاد إلى البلاد حتى انخرط في الحركة الوطنية وبدأ بالاتصال مع الحركات والشخصيات العربية التي شرعت تستعد لمقاومة الاحتلالين البريطاني والفرنسي هنا في فلسطين وسوريا" (2). ولم يفُت السجن من عضد كامل البديري وأطلق سراحه من السجن في نهاية شهر حزيران/يونيو 1918.

كان كامل واعيًا لمخطط سلخ فلسطين عن سورية الكبرى وإنشاء وطن قومي لليهود فيها، فمثل غيره من الوطنيين الفلسطينيين رفض هذا المخطط وعارض مشروع الوطن القومي لليهود، ودعا إلى ضم فلسطين إلى المملكة العربية تحت قيادة الشريف حسين وابنه الأمير فيصل الذي ما لبث في 8 آذار/مارس 1920 أن أعلن في دمشق عن مملكته بتأييد من الحركة الوطنية العربية في سورية الكبرى. وروى الدكتور خليل البديري في مذكراته أن ابن عمّه كامل كان يصطحبه  "في معظم تنقلاته، فقد قمت معه بزيارة دمشق أكثر من مرة وحضرت معه المؤتمر السوري العام الذي انعقد في دمشق في منتصف سنة 1919 الذي طالب بالاعتراف باستقلال سوريا الطبيعية بجزئيها الشمالي والجنوبي (فلسطين)" (3).

وتؤكد الوثائق التي تم الاطلاع عليها لمقتضيات هذا البحث أن كامل البديري كان منذ عام 1918 أحد رموز الحركة الوطنية الفلسطينية التي شكلت جزءًا لا يتجزأ من الحركة الوطنية العربية، ما يعني أن كامل لم يحتل مكانته المرموقة في صفوف هذه الحركة فجأة ومن دون مقدمات، بل كان من بين الوطنيين العرب الكثيرين الذين خدموا في الجيش التركي وإدارة الحكم التركية، لكن قلوبهم وعقولهم كانت مع الثورة العربية ضد الأتراك. وعندما أكتشف رموز هذه الحركة خداع بريطانيا لهم وتآمرها مع فرنسا على استقلالهم ووحدة أراضيهم وقفوا ضد مشاريعهما واحتلالهما لبلادهم فطوردوا، من ضمنهم كامل البديري والحاج أمين الحسيني وعارف العارف الذين نجحوا في الفرار من قبضة السلطات البريطانية واختبأوا عند قبائل شرق الأردن إلى أن صدر العفو عنهم لاحقًا في عام 1921.

وساهم كامل البديري في عام 1919 مع الحاج أمين الحسيني وأخيه فخري الحسيني واسحق درويش وابراهيم درويش وجميل الحسيني وعارف العارف والشيخ حسن أبو السعود في تأسيس النادي العربي في القدس فرعًا للنادي العربي في دمشق الذي ما لبثت فروعه أن انتشرت في باقي المدن الفلسطينية مثل يافا وحيفا ونابلس وذلك استجابة لدعوة من الملك فيصل الأول. 

كان كامل البديري أحد مؤسسي المؤتمر العربي الفلسطيني الأول الذي تولى الدفاع عن الحقوق العربية في وجه الهجمة الإمبريالية البريطانية والفرنسية على منطقة الهلال الخصيب، ويلفت النظر لدى مراجعة الكتب والوثائق التي تتحدث عن تلك الفترة أن القيادة الوطنية الفلسطينية كانت تصر على انتماء فلسطين إلى الدولة العربية في سورية الكبرى تحت قيادة الملك فيصل الأول، ورفضت خطة تقسيم منطقة الهلال الخصيب، فيما عُرف بخطة سايكس بيكو السرية نسبة إلى وزيري خارجية بريطانيا وفرنسا في عام 1915 مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو، التي كشفها فلاديمير إليتش لينين، مؤسس الاتحاد السوفييتي، الذي عثر في عام 1917 عقب نجاح الثورة الاشتراكية في روسيا على نسخة من الوثائق المتعلقة باتفاق سايكس بيكو ضمن الملفات التي خلفتها حكومة روسيا القيصرية. 

إلى جانب المؤتمر العربي الفلسطيني والنادي العربي برز النشاط الوطني لكامل البديري من خلال الصحف الوطنية التي تأسست في القدس بعد الاحتلال البريطاني لفلسطين وبالذات في جريدتي "سورية الجنوبية" و"الصباح" التي أصبحت ليس فقط منبرًا للأقلام والشخصيات الفلسطينية، بل للشخصيات الوطنية في العالم العربي مثل الزعيم المصري سعد زغلول والسوري يوسف ياسين واللبنانيين شكيب أرسلان وهاني أبو مصلح. ولم يطالب الوطنيون الفلسطينيون ومن ضمنهم الحاج أمين الحسيني في حينه بالاستقلال عن سورية الكبرى، بل على العكس أصرّوا على انتمائهم السوري، بدليل أن الحركة الوطنية في فلسطين أصدرت في 8 أيلول/سبتمبر 1919 جريدة أطلقت عليها اسم "سورية الجنوبية" أي فلسطين، ودعت فيها إلى إنشاء دولة عربية مستقلة في كل أنحاء سورية الكبرى. صدرت هذه الجريدة في القدس باسم المحامي محمد حسن البديري، قريب كامل، وكان رئيس تحريرها عارف العارف وساهم في تحريرها الحاج أمين الحسيني وكامل البديري وآخرون. وهذا يفسر سبب مطاردة السلطات البريطانية لرموز الحركة الوطنية في فلسطين من ضمنهم كامل البديري.

 

إلى جانب أخبار فلسطين المحلية غص عدد من جريدة "سورية الجنوبية" صدر في عام 1920 بالتقارير الإخبارية التي تلهب المشاعر الوطنية وتشير إلى تفاعل الفلسطينيين مع إخوانهم في سورية، منها خبرٌ مصدره بلدة صافيتا في قضاء طرطوس شمال غرب سورية تحدث عن مواصلة الحركة الوطنية السورية مقاومة الاحتلال الفرنسي جاء فيه: 

"صافيتا - امتشق الشيخ صالح المشهور حسامه مرة أخرى وشن الغارة على الفرنسويين في ضواحي صافيتا. وقد أسفرت المعركة عن اندحار الفرنسويين وتركهم وراءهم أربعمائة شخص بين قتيل وجريح". 

بالإضافة إلى تقرير آخر من مدينة الاسكندرون شمال غرب سورية (قبل أن تمنح حكومة الاحتلال الفرنسي مقاطعة الاسكندرون لتركيا) جاء فيه  "إسكندرون - شبت الثورة في جهات (اسكندرونة). فأغارت عصابة من الثائرين مؤلفة من أربعمائة مقاتل على قوة فرنساوية، فاندحر الفرنسويون تاركين وراءهم ثمانية قتلى وجريحين". 

وفي هذا الخصوص برز في نفس العدد من "سورية الجنوبية" تقرير إخباري من مصر تضمن نداءً إلى العرب في سورية الكبرى من الزعيم الوطني المصري سعد زغلول الذي نفاه البريطانيون لاحقًا في عام 1921 إلى جزر سيشل، هذا نصه: 

"يحاول الأقوياء بجميع الوسائل أن يأخذوا منكم رضاء بحمايتهم ليزدادوا قوة ويزيدوكم ضعفًا فلا تنخدعوا إذا خدعوكم ولا تخافوا إذا هددوكم واثبتوا على التمسك بحقكم في الاستقلال التام فهو أمضى سلاح في أيديكم وأقوى حجة لكم. فإن لم تفعلوا - وليس في قوة إيمانكم الوطني ما يجعل احتمالًا لذلك - خذلتم نصراءكم وأهنتم شهداءكم وحقرتم ماضيكم وأنكرتم حاضركم ومددتم للرق أعناقكم وأحنيتم للذل ظهوركم وأنزلتم مأمنكم ذلًا لا يرفع منه عز. وإن تفعلوا - كما هو أكبر ظني في عظيم إخلاصكم ومتين اتحادكم وقوة وطنيتكم - فقد استبقيتم لأنفسكم عزة الحق وأعددتم لنصرتكم قوة العدل فلا تذلوا ولو قهرتم ولا تخسروا ولو ظلمتم ولا بد من يوم يعلو فيه حقكم على باطل غيركم وينشر فيه عدل الله على ظلم خصومكم وتتحقق بإذن الإله القدير آمالي وآمالكم في الاستقلال".

لكن مصيرًا أسود كان ينتظر المملكة العربية التي أقامها فيصل الأول في سورية، إذ هاجمها الفرنسيون من لبنان بعد مرور حوالى أربعة أشهر على تأسيسها وأسقطوا حكم فيصل واحتلوا سورية في تموز/يوليو 1920، الأمر الذي أغضب الحركة الوطنية الفلسطينية ودفعها إلى الاحتجاج. 

ضمن الوثائق المتوافرة في مكتبة وقف عائلة البديري عريضة مكتوبة بخط اليد تحمل ثلاثة تواقيع ومن دون تاريخ تحتج على ما فعله الفرنسيون في سورية، نورد فيما يلي نصها بالكامل:

"إن الأمة العربية التي لا تزال مصممة على ولاء الحلفاء متمسكة بصداقتهم والتي أزهقت أرواح أبطالها في حقهم هي اليوم تلبس أثواب الحداد وتقيم مأتمًا كبيرًا صوّرت شبحه ونصبت تمثاله لهم أيدي حلفائهم. إن هذا اليوم الذي بمثله داست دولة فرنسا الحليفة بأقدامها تلك العهود ومزقت صحف تلك المواثيق فطعنت الأمة العربية بكبدها وأدمت جوانحها حيث قوضت أركان استقلالها بسوريا (كلمة غير مقروءة، أ.ن.) عرين حريتها فدخلت دمشق بخيلها ورجالها غير محترمة عهدًا ولا راعية زمامًا لهو اليوم الذي تعده الأمة بأسرها يوم شؤم وبؤس سوف تحفظ شؤمه في ثنيات فؤادها فلا يبرحها ما عاشت في هذا الوجود. وأنها ما نسيت ولا تنسى أبطالها الذين قضوا شهداء الواجب في ذلك اليوم.

وعلى ذلك فقد اجتمعت الجمعية الإسلامية والنادي العربي اللذان يمثلان الشعب العربي في القدس حدادًا لذكرى هذا اليوم المشئوم أسوة بالأمة العربية بأسرها وها نحن نرفع احتجاجنا هذا باسم الانسانية وتلك العهود لجميع الحلفاء على هذا العمل الذي كنا نجل فرنسا تلك الحكومة الانسانية عن أن تأتي بمثله ونذكر أنها أساءت لحليفة قوية لها في الشرق آملين إعادة النظر في أمر إعادة الحرية والاستقلال لتلك القطعة العربية وبالختام تفضلوا بقبول فائق احترامنا.

(ثلاثة تواقيع)"(4).

بعد معركة ميسلون في عام 1920 وإجهاض الفرنسيين لحلم الدولة العربية في سورية وإسقاطهم حكم الملك فيصل الأول وطرده مهزومًا منها، طرأ تطور واضح على المواقف السياسية للحركة الوطنية الفلسطينية ورموزها. فقيادة هذه الحركة المتمثلة بالمؤتمر العربي الفلسطيني بدأت تتقبل فكرة سلخ فلسطين عن سورية الكبرى وبدأت تطالب بدولة عربية مستقلة في فلسطين. وكان كامل البديري من بين قادة هذه الحركة ورموزها الذين بدأوا يلتَفّون تدريجيًا حول الحاج أمين الحسيني الذي عفا المندوب السامي البريطاني عنه وعن باقي الفلسطينيين المطاردين، من ضمنهم عارف العارف وكامل البديري، فعادوا إلى القدس من شرق الأردن. وعُيّن الحاج أمين في عام 1921 مفتيًا للقدس وعموم فلسطين. في ذلك العام قدّم كامل البديري إلى السلطات البريطانية طلبًا لإصدار جريدة اسمها "الحق" وفقًا لما ورد في الطلب المكتوب بخط اليد الذي قُدِّم إلى حاكم لواء القدس وتوجد نسخة عنه في الوثائق المتوافرة في مكتبة وقف عائلة البديري في القدس. الطلب قُدِّم باللغتين الإنجليزية والعربية وفيما يلي النص العربي للطلب:

"معالي حاكم لواء القدس،

لي الشرف أن أبلغكم بما أن في نيتي إصدار جريدة يومية عربية تصدر مرتين في الأسبوع في الوقت الحاضر ونشرة إنجليزية ملخصة تصدر مرة في الأسبوع كلتيهما تحت إسم الحق وبما أني مستعد لأقدم ما يلزم من التعهدات فأسترحم إعطاءكم رخصة لإصدار هذه الجريدة في القدس.

18 تموز 1921

كامل البديري"(5).

لكن حاكم لواء القدس رفض الطلب، فقدم مصطفى البديري شقيق كامل طلبًا آخر إلى حاكم لواء القدس لإصدار جريدة أخرى باسم "الأمل" فرُفض طلب مصطفى أيضًا. كما رَفض حاكم اللواء طلبًا آخر تقدم به مصطفى لفتح مطبعة تجارية ليس فقط لطباعة الجريدة المزمع إصدارها، بل لأغراض تجارية. فرَفْضُ هذين الطلبين لإصدار الجريدتين يعني أن السلطات البريطانية كانت منتبهة منذ ذلك الوقت المبكر إلى كامل البديري وقلقة من نشاطه وتحركاته في الساحة.

في 24 أيلول/سبتمبر 1921 قدّم كامل البديري إلى حاكم اللواء طلبًا جديدًا أعرب فيه عن استغرابه رفض حاكم اللواء طلباته هو وأخيه، خصوصًا وأن المطبعة مشروع "تجاري وللترزق"، وقال إن رفض الطلبات الثلاثة جاء بناء على "وشايات كاذبة" بحقه وحق أخيه. مع ذلك أوضح كامل في الطلب بما لا يقبل الشك مواقفه السياسية فيما يتعلق "بوحدة بلادنا واستقلالها" وتَمَسُّك الوطنيين الفلسطينيين برفضهم لوعد بلفور وايمانهم  "بشديد مضرته لصالح بلادهم وصالح الحكومة البريطانية نفسها كما سيتحقق ذلك للحكومة يومًا ما".

وأكد كامل في طلبه على ما يلي:

"إن الجريدة التي طلبت امتيازها لاسمي فهي (ولا بد أن يكون وصل سمعكم) للمؤتمر العربي الفلسطيني الذي يمثل جميع مسلمي ومسيحيي فلسطين وليست لشخصي خاصة، والمؤتمر العربي الفلسطيني الذي هو من خيرة رجال فلسطين ومن قادة الرأي العام فيها هو الذي قرر إصدار هذه الجريدة العربية ومثلها في الإنكليزية لتكونا خير واسطة للتفاهم بين الحكومة والشعب من جهة ولدفع أضرار البروباغندا التي تجريها بعض صحف فلسطين لصالح الحكومات الأمر المخالف لمبدأ الأمة ومؤتمراتها وجمعياتها والذي يجعل الحكومة البريطانية مترددة في حقيقة مطالب ومرامي الأمة العربية في هذه البلاد من جهة أخرى. وقد فوّض إدارة سياسة هاتين الجريدتين للداعي لوقوفي على مجرى قضية البلاد ودرجة تماس مصالح الأمة العربية بالمصالح البريطانية ولعدم التطرف بالأمور أكثر من غيري ممن يمكن إئتمانه على حق التكلم بلسان المؤتمر الوطني والجمعيات الوطنية"(6).

ووردت في ذيل الطلب الجملة التالية  "قُدِّم بواسطة روحي بك عبدالهادي إلى ستورس بصورة خصوصية". وكان روحي عبدالهادي أحد كبار الموظفين الفلسطينيين في إدارة حكم الانتداب البريطاني على فلسطين أو كبيرهم الذي سلم الطلب إلى رونالد ستورس، الحاكم البريطاني للواء القدس.

من الواضح أن حاكم لواء القدس وافق على الطلب الأخير الذي تقدم به كامل البديري، بعد أن تأكد من أن الجريدة هي لسان حال المؤتمر العربي الفلسطيني، المؤلف من ممثلين عن جميع فئات المجتمع الفلسطيني شمالًا وجنوبًا التي كانت سلطات الانتداب البريطاني تحاول استرضاءها من أجل تهدئة الوضع في فلسطين. ورأت جريدة "الصباح" النور في القدس بعد حوالى شهر من الطلب وصدر العدد الأول منها في 21 تشرين الأول/أكتوبر 1921، وتضمن البيان التالي:

"نصدر اليوم العدد الأول من جريدتنا (الصباح) الذي قرر المؤتمر العربي الفلسطيني والوفد إصدارها في عاصمة فلسطين لتقوية الدفاع عن قضية البلاد الحقة وكنا قد بذلنا الجهد لإصدار هذه الصحيفة قبل هذا اليوم فلم نظفر بما كنا نريده لبعض موانع رسمية وما كان ليعزينا شيء عن تأخرنا في دخول هذا المعترك الصحافي لولا ما كنا نشاهده من الهمة والنشاط من رجال صحافتنا الفلسطينية العربية وإنا نقدم لهم جميعًا في (صباح) العمل خالص الشكر والثناء على ما بذلوه ويبذلونه من الجد والكد فيما يفيد قضيتنا ويرفع شأننا في هذا الوجود. فحياكم الله يا أبناء الوطن العاملين الذين هجروا راحة أنفسهم لإعلاء شأن وطنهم وأمتهم. وما نحن في مطلع (الصبح) من الجهاد الوطني إلا مقتبسون من نوركم فقد بكرتم لخدمة أمتكم والناس نيام ومتى ظفرت الأمة بأمانيها ستعرف مقامكم منها. نصدر هذه الجريدة اليوم وعما قليل تكمل لدينا الأسباب لإصدار جريدة باللغة الإنكليزية باسم (بريد الصباح) تكون واسطة للتفاهم بين الشعبين العربي والبريطاني والله من وراء القصد".

وما يؤكد على علاقة كامل البديري بجريدة "سورية الجنوبية" أنها صدرت من نفس المقر الذي صدرت منه جريدة الصباح والكائن في وقف عائلة البديري القريب من باب الحرم في البلدة القديمة من القدس.

توسط اسم جريدة "الصباح" ترويسة الصفحة الأولى وكُتب إلى جانب الاسم أنها لسان حال المؤتمر العربي الفلسطيني ووفده، أي الوفد الذي قام في عام 1921 بجولة في بلدان أوروبا الغربية لشرح القضية الفلسطينية، وورد من اليمين اسم صاحب الامتياز والمدير المسؤول محمد كامل البديري، ومدير التحرير يوسف ياسين، السوري الأصل الذي فرّ من سورية نتيجة مطاردة الفرنسيين له فلجأ إلى فلسطين التي كانت تحت الاحتلال البريطاني، وانتهى به المطاف عام 1924 لاجئًا سياسيًا في نجد بالجزيرة العربية ولاحقًا أصبح مقربًا من الملك عبدالعزيز آل سعود ومستشارًا له برتبة وزير. 

ضمن الترويسة في رأس الصفحة الأولى ورد أن جريدة "الصباح" تصدر ثلاث مرات في الأسبوع مؤقتًا، وثمنها 125 غرشًا مصريًا في فلسطين، و150 غرشًا مصريًا في سائر البلاد العربية، و175 قرشًا مصريًا في البلاد الأجنبية.

أما الوفد الذي قرر المؤتمر العربي الفلسطيني الرابع في عام 1921 إرساله إلى بريطانيا وعدد من الدول الأوروبية لشرح القضية الفلسطينية فكان برئاسة موسى كاظم الحسيني، الرئيس السابق لبلدية القدس، وشبلي الجمل، سكرتير الوفد، وعضوية كل من توفيق حمّاد، وأمين التميمي، وإبراهيم شمّاس، ومعين الماضي، والدكتور فؤاد صمد، مساعد سكرتير الوفد. وزار الوفد إيطاليا وقابل البابا بنديكت الخامس عشر في الفاتيكان وتوقف في جنيف لمقابلة مندوبي الدول الأعضاء في عصبة الأمم المتحدة وأجرى اتصالات مع المسؤولين الفرنسيين في باريس، وقابل وزير المستعمرات البريطاني وينستون تشيرشل في لندن.