الأرض والمسكن؛ رؤية، سياسات وأدوات لتوفير احتياجات المواطنين العرب

  • 26 كانون الثاني 2017
  • هموم

 

بقلم : د راسم خمايسي * 

إطار عام

تعتبر قضية الأرض والمسكن من أهم القضايا التي تواجه تطوير وتنمية المجتمع العربي الفلسطيني في البلاد. هذه القضية تربط بين المركبات القومية والوطنية وبين  مركبات المواطنة والمدنية. بالإضافة الى ان لقضية الارض والمسكن لها ابعاد واسقاطات رمزية، وطنية وظائفية وبنيوية فردية وجمعية. حيث أن توفير الأراضي المخصصة والمناسبة للتطوير في المدن، الأحياء والقرى العربية تشكل أساس استئناف وجود وتطور المجتمع العربي في الوطن. ونظرا لدور لجنة  المتابعة الريادي في صياغة خطاب، لغة وأدوات مطلبيه وقيميه في مسالة الأرض والمسكن، منطلقة من رؤية قومية وطنية ومدنية تسعى إلى توفير الاحتياجات من ناحية، وتأمين العدل والإنصاف، محترمة للتنوع ومُمَكِنة لة، فتقع عليها واجب وضع تصور واقعي وبرنامج عمل لكيفيه معالجة قضية الارض والمسكن في وضع ومكانة المواطنون العرب الفلسطينيون، آخذة بعين الاعتبار السياق الوجودي والتنموي  والمعوقات الخارجية والداخلية، رغم عدم التناظر فيما بينهم. مع وعينا الكامل لوجود اجماعي صهيوني متفق علية بين اطياف الحركة الصهيونية يسعي الى السيطرة الكاملة على ملكية الارض في بلادنا، فان هناك مساحه من امكانيات تُمَكنا التدخل واخذ حقوقنا المدنية، دون اغفال للحقوق الوطنية والقومية او التنازل عنها. هدف هذه الورقة القصيرة عرض موجز لوضع إطار موجه لوضع سياسات وأدوات تدخل لتأمين توفير حاجات المواطنين العرب الفلسطينيين في وطنهم، منطلقة من رؤية وطنية ومدنية لمكانة ودور الأرض والمسكن في توفير الحياة الكريمة للإنسان. هذه الرؤية، السياسات والأدوات تعتمد على تبنى واعتماد منهجية وسلوك منطلقة من مدرسة الواقعية المثالية، محققة لجزء من طموحات المجتمع وموفرة لاحتياجات السكان على المدى القصير والبعيد.

تقسم الورقة إلى جزئيين: الأول يتناول مسألة الأرض، والثاني يتناول مسألة المسكن، مع وعينا أن هناك تآزر، تكامل وجدلية بينهم في حالات معينة، وفي أخرى يوجد اختلاف، ربما تراتب بشكل عامودي، أو تفاوت بشكل أفقي،  لان مكانة  الأرض لها حالتها ووضعيتها المختلفة عن السكن كما نبين في الورقة، وان توفر الارض تشكل اساس لتوفير السكن كمُنتَج اجتماعي ذو ابعاد وطنية على أشكاله المتعددة والمتنوعة.

الصراع على الأرض

يشكل الصراع على السيطرة والسيادة على الأرض احد أسس الصراع بين الحركة الصهيونية الوافدة وبين المجتمع العربي الفلسطيني الاصلاني. أخذ هذا الصراع أشكالا متعددة قبل قيام دولة إسرائيل، وبعد إقامتها. خلال هذا الصراع كان اعتداء على الملكية الخاصة العربية الفلسطينية وكذلك على امتلاك وإدارة الحيز العام. كما ان الحركة الصهيونية، ولاحقا دولة اسرائيل طورت واستخدمت مصفوفة ضبط ورقابة ذات مركبات متنوعة بمستويات وبأشكال  متعددة، منها القاسي وآخر ناعم من اجل السيطرة على الارض. لا أريد أن أسهب في عرض هذا الصراع، أشكاله، حجمه وإسقاطاته، ولكن ما أريد أن أقول أن هذا الصراع لم ينته بعد، رغم ما حدث به من تحولات من حيث شكل وعمق الصراع وأدوات تناوله. وان ما نطرحه في هذه الورقة ينحصر في واقع رد الاعتداء والمطالبة بإنصاف المجتمع العربي في البلاد خاصة، وأصحاب الأراضي التي صودرت منهم أراضيهم الخاصة على وجه الخصوص، وبالموازاة توفير تقاسم وعدل توزيعي للحيز العام والأراضي العامة بين المواطنين. أي أن هناك حاجة إلى تأمين عدل انتقالي وعدل توزيعي فيما يتعلق بالأراضي العامة، بما في ذلك أراضي الأوقاف الإسلامية. 

إن الرؤية لمسألة الأرض تشمل مركبات قيمة وجودية، جيوسياسية وظائفية وعقارية. قيمة الأرض أنها المكان الذي نحيى فيها، والوطن الذي ننتمي إلية والعقار الذي نسكن عليه، والأرض التي نعيش من خيراتها. لذا فان المحافظة عليها واعمارها واجب وطني ومدني. وفي حالات الصراع الجيوسياسي والوظائفي، والمنطلق من مفاهيم عقائدية لكلا الطرفين المتصارعين على الأرض يتطلب وعي عند وضع رؤية، سياسات وأدوات للتعامل مع قضية الأرض.

لا شك أن ما حدث من انقلاب في مكانة ووضع العرب الفلسطينيين بعد نكبة حرب عام 1948، كان له اثر مباشر على صياغة سياسات الأراضي الإسرائيلية، والمنطلقة من نظام أراضي يسعى إلى تهويد الأرض وعبرنتها باستخدام قوة الدولة التي تمثلت في تطبيق أدوات الحكم العسكري كذراع للمؤسسة الإسرائيلية الحاكمة من  اجل نزع الملكية من باقي الأقلية العربية في الوطن، وحصر حيزها ومدى حياتها وإقصائها من الحيز العام. لأجل نزع الملكية ومصادرة الأراضي، تم سن قوانين متعددة خاصة لتهويد الأرض وعبرنتها. وبالموازاة استخدام نظام الأراضي العثماني  والانتدابي من اجل مصادرة الأراضي من المواطنين العرب ونقلها للدولة، ومن خلال ذلك للمواطنين اليهود بطرق وأساليب مختلفة. هذه القوانين قلصت الأراضي التي يمتلكها مالكون عرب حتى اصبحت لا تتجاوز3.5% من مساحة دولة إسرائيل، بالمقابل أعلنت عن أراضي اللاجئين الفلسطينيين الذين هُجروا- طردوا واخرجوا من ديارهم، بلداتهم وأراضيهم كأراضي دولة، خضعت لاحقا تحت سيطرة إدارة دائرة أراضي إسرائيل التي تشكلت بموجب قانون أساس لإدارة الأراضي العامة على أنواعها. كما أن كل أراضي الحيز العام المُعلن عنها كأراضي دولة، وأُقصي المواطنين العرب عن ومن استغلالها على الغالب. كما أن الدولة أعلنت عن بعض الأراضي خاصة في النقب والتي يمتلكونها مواطنون عرب على أنها أراضي متنازع عليها، ولاحقا سيطرت عليها، صادرتها وامتلكتها بموجب قوانين وسياسات مُعتَدِية ومُجحِفة. هذه التعقيدات في عملية استملاك الأراضي باستخدام أساليب المصادرة، السيطرة والإحلال المعتمدة والمؤسسة  على منظومة قوانين بينها تكامل وتجانس زادت من الصراع على الأرض.

هكذا فان مُكَون الصراع على الأرض يحمل الجانب القيمي والوظائفي، وهو موزع بين مركبات ذات إطار جيوسياسي، عقائدي، قانوني وعقاري. هذا الإطار مكون من مكونين رئيسيين: الأول مركز على الأبعاد السردية، العقائدية وتتركز في النواحي الجيوسياسية وتسوية الصراع بين دولة إسرائيل وبين دولة فلسطين ورؤية إحقاق حق اللاجئين بالعودة أو اخذ التعويض المناسب حسب رأيهم وموقفهم المبني على مبدأ حرية الاختيار والقوانين والاعراف الدولية، واعادة الاراضي التي صودرت من اصحابها المواطنين العرب. والثاني مركز على أبعاد المواطنة، أي توفير أراضي بكمية، بموقع وبسعر مناسب للمواطنين العرب على أسس وظائفية، وخلق تسويات مع الدولة بشأن أراضي صودرت على مبدأ إحقاق الحق وتطبيق الإنصاف حسب مبدأ العدل ألتوزيعي, العدل الانتقالي وحق الشعوب الاصلانية بأراضي كانت تمتلكها أو إعادتها بعد أن صودرت منها.

إن المنطلق في صياغة سياسة الأراضي التي نُرَشح انتهاجها في الواقع الذي نعيشه هو تأمين إحقاق الحقوق، والمبنية على حق المالك باستعادة أملاكه وعقاراته, بالموازاة تأمين توفير تطبيق العدل الانتقالي والعدل ألتوزيعي، ولتأمين توفير حقوق العرب الفلسطينيون في الأراضي التي كانوا يملكونها، أو صودرت منهم بذرائع مختلفة بعد إقامة دولة اسرائيل. أي أن دائرة المواطنة هي ذات اولويه في الواقع الحالي، وهي دائرة العمل التي تؤمن الاحتياجات اليومية، دون إغفال أو تفريط بدائرة الرواية والسردية ودون منح شرعية أو إقرار بظلم تاريخي حدث خلال وبعد حروب. ولأجل تجاوز معالجة هذا الظلم التاريخي يجب تقويمه بواسطة فرض عدل انتقالي وتوزيعي ليشكل أساس تسوية وربما مصالحة تاريخية تعتمد على العدل والإنصاف تؤمن الحياة الكريمة للمجتمع العربي الفلسطيني في الوطن.

مما تقدم بإيجاز نُؤكد أن الأرض هي ملك لأصحابها المواطنين المسجلين عليها قبل مصادرتها، والمتصرفين بها حاليا، وعلى الدولة الاعتراف بهذا الحق. بالنسبة لما صُودر من الأراضي، فمن غير المعقول استمرار حالة المواطنة المشروطة والمجزئة والمُفاصِلة بين الإنسان- المواطن وأرضه، خاصة في حالة أراضي المُهَجرين الداخليين وأراضي الأوقاف الإسلامية. بل يجب إعادة الأراضي إلى أصحابها الشرعيين حسب الأعراف والقوانين، بالموازاة إدارة هذه الأراضي حسب قوانين غير مجحفة أو ظالمة بشأن المواطنين على أسس انتماء ديني أو قومي.

نعي أن مسألة حل الصراع على الأرض أو تسوية هذا الصراع ليس بالأمر السهل خاصة في حالة استمرار الصراع الجيوسياسي والقومي، مع ذلك هناك متطلبات لحياة السكان العرب اليومية الذين يعيشون في وطنهم. لذلك فان منطلق وضع رؤية إدارة الصراع على الأرض هو توفير حاجات السكان من الأراضي على أسس وظائفية وتطبيق مبدأ العدل ألتوزيعي، بالمُوازاة التفتيش عن تسويات وحلول تحقق العدل والإنصاف للمواطنين العرب الفلسطينيون.

مركبات وضع السياسات بشأن الأراضي

تطبيقا لتحقيق متطلبات المواطنين العرب الفلسطينيون الوظائفية وتحقيق العدل التوزيعي في واقع استمرار الصراع والاختلاف الذي يأخذ بعين الاعتبار  السردية المتناقضة، وتأمين الأحقية على البلاد|الوطن بين العرب واليهود، هناك حاجة للعمل بثلاثة دوائر متكاملة وبينها يكون تآزر وجدلية:

الأولى: دائرة تأمين الملكية على الأراضي، ولها بعدين: الأول، يعالج العلاقة بين الدولة المواطنين المالكين العرب. والثاني، يعالج علاقة بين المالكين العرب أنفسهم وتفتت الملكية وانتقالها بين الأجيال. لا شك أن هناك عدم تناظر بين البُعدَين، ولكن يجب العمل من خلالهم لأجل تأمين الحق بالملكية. بالنسبة للعلاقة مع الدولة يجب تسوية الخلافات بين الدولة والمواطنين العرب, خاصة في منطقة النقب، على أساس اعتراف الدولة بأملاك العرب وإعادة الأراضي التي صودرت من أصحابها ولم تُستَغل لأي غاية او مشروع آخر. وذلك يشمل سن قانون يضع إطار من اجل إدارة أملاك الأوقاف الإسلامية بواسطة هيئة إسلامية منتخبة. كما أن على الدولة إعادة الأملاك التي صودرت من المُهَجرين الداخليين، خاصة أنهم مواطنون في الدولة وأملاكهم تقع في حدود الدولة وخاضعين لقوانينها.

بالنسبة للعلاقة بين المواطنين العرب، فان تفتت الملكية وعدم تنظيمها وتسويتها، تخلق خلافات, خاصة في حالة التأرجح بين القوانين والأعراف, والانتقائية في التعامل مع نظام التوريث والتقسيم حسب القوانين لفض خلافات تؤدي إلى انتشار العنف بين أفراد الأسرة الواحدة  وبين الجيران, كما أنها تُعيق عملية استخدام الأرض والانتفاع منها. في هذا السياق يجب تطوير برنامج توعوي لتهيئة الجمهور لدرء الخلافات على الملكية. كما أن هناك حاجة إلى تطوير صندوق أدوات خارج المألوف يتم استخدامه مقابل مؤسسات الدولة والمحاكم، من اجل حفظ الحقوق وتسريع فض الخلافات وتجسيرها. كما أن مسألة منح البنات حقهم في الميراث هي مسألة اجتماعية مهمة يجب وضعها على جدول النقاش العام من اجل تطبيق الشرع الإسلامي وإنصاف المرأة.

في كلا البعدين الداخلي والخارجي، يجب تطوير برنامج عمل وأدوات تشمل المركب الإرشادي, التوعوي القانوني والمؤسساتي من أجل تأمين حفظ ملكيات الأراضي للمواطنين العرب وتأمين المنفعة منها.

الثانية: دائرة إدارة الأرض والتي تشمل توسيع مناطق نفوذ البلدات العربية وخلق مشاركات إقليمية بين بلدان عربية وعربية، أو يهودية وعربية من اجل تأمين تقاسم موارد الأرض، الخير العام والمنفعة منها. كذلك العمل في سبيل تسهيل عملية تسجيل الأراضي تسويتها، وتقليص حجم الضرائب التي تدفع من قبل المالكين على الأراضي، بما في ذلك في حالة إجراء عملية بيع وشراء للأرضي في السوق الحر او المشروط. عملية إدارة الأرض تشمل تحسين أداء السلطات المحلية العربية في تسجيل العقارات العامة، إقامة لجان تنظيم محلية لإدارة عملية الأرض والتخطيط بها معتمدين على مبدأ واجبنا وحق اهلنا علينا أخذ المسؤولية لإدارة حيزنا. وفي هذا السياق يجب تجاوز الخطاب والسلوك الإقصائي المُمَنهج الذي تقوم به مؤسسات الدولة نحونا، من خلال المشاركة الواعية، الراشدة، الواعدة، المُقاوِمة والمُحَقة حتى في مسألة الأراضي التي لا تقع داخل مناطق نفوذ سلطاتنا المحلية العربية. لان هذا الحيز العام هو مُلكِنا ونحن متأثرين منه, ومستخدمين له وظائفيا، وهو حيز حركتنا وحياتنا ومؤثرين عليه من حيث الاستخدام الوظائفي. هذه المشاركة الواعية هي جزء من مسألة أخذ دور المواطنة الفاعلة العاملة والتي نسعى إلى مواجهة ومقاومة حالة المواطنة المشروط علينا. لابد من الاشارة الى ان مسألة المشاركة الواعية والمحققة للمواطنة لا تعني بالضرورة شرعنه او اعتراف بظلم تاريخي حَلَ علينا او تَمييز تعسفي يُمارس ضددننا، بل تُشِكل احدي السبل لإظهاره، معالجته وحتى القضاء علية.

الثالثة: دائرة تخطيط الأراضي, وفي هذا السياق يجب أن نعي ان التخطيط هو ثقافة مجتمعية مُذَوَته في سلوكنا، تسعى الى تأمين مستقبل أولادنا في وطننا. عملية التخطيط وإقرار المخططات هي ليست فقط عملية ميكانيكية إجرائية, بل هي ماهية تشمل توزيع موارد وفتح فرص تنموية, تمكين التطوير وتوسيع المناطق المخصصة لاستخدامات الأراضي للسكن، للفعاليات الاقتصادية، المؤسسات العامة، شبكة الطرق والساحات العامة المفتوحة، واهمها اخذ المسؤولية الواعية على انفسنا ومشاركتنا المُحِقة والمُحَقِقة لامتلاك وانتاج حيزنا الذي نعيش فيه. لذلك فان تطوير مخططات هيكلية وتفصيلية بمشاركة واعية للجمهور يشمل أساس العمل. وان تطوير مخططات هيكلية محلية، إقليمية وقطرية تُلبي حاجات المواطنين العرب, بما في ذلك وضع حلول تخطيطية للقرى والأحياء غير المعترف بها وتطوير أدوات للتعامل مع البناء غير الرسمي وغير المرخص، يَأخذ بعين الاعتبار الظرفية الحياتية للسكان، ليتجنبوا دفع الغرامات على مخالفات البناء،  وتجنب هدم المباني هو أساسي الإستراتيجية التي يجب أن نعمل فيها. في سياق التخطيط لا يمكن ترك العنان لمؤسسات التخطيط الحكومية والمركزية لإعداد مخططات هيكلية وتفصيلية للبلدان والأحياء العربية، بل تقع مسؤولية وواجب المبادرة لإعداد هذه المخططات على السلطات المحلية وعلى المجتمع. إن صِراعُنا مع المؤسسة الرسمية الحاكمة يجب أن لا يُحيدنا عن التفريق بين تطوير وإدارة مؤسساتنا وعلى رأسها السلطات المحلية ومؤسسات المجتمع المدني وبين مواجهة سياسات مؤسساتية حكومية وصهيونية  نعاني منها وتُمَيز ضدنا بشكل مُمَنهج. وفي سياق تبني استراتيجية التعامل مع التخطيط الحيزي على وجه الخصوص، يجب أن نتحول من ثقافة رد الفعل والاحتجاج إلى ثقافة المبادرة، الفعل والمشاركة الواعية الراشدة. وعملنا في هذا السياق يكون بمواجهة مؤسسات الدولة|الحكومة وانتزاع حقوقنا، وبالموازاة بناء مجتمعنا في وطننا.

إن العمل المنظم الموجه والمبادر من خلال الدوائر الثلاثة المذكورة، سوف يجنبنا كثير من الأضرار ويفتح لنا فرص تنموية، وتساهم في إزالة معيقات داخلية وخارجية. كما أنه يجنبنا حالة بها نستمر فقط بالدفاع عن حقوقنا أمام المحاكم على أسس إجرائية، بل نتجاوزها للعمل على المستويات الماهية، القيمية، والأخلاقية منطلقين من مفاهيم أخلاقية تساهم في بناء مجتمع يمر بمرحلة تمدن سريعة في عهد العولمة، وخلق توازن بين حفظ الموروث والاصلانية وبين التجديد والعصرنة.

مركبات المسكن

توفر المسكن اللائق حق أساسي لكل إنسان. وان جميع القوانين، الشرائع والاعراف الدولية، المدنية والدينية تقر بحق كل انسان بسكن ومأوى كريم. لذا فان واجب الدولة، المجتمع والسلطة المحلية والاسرة توفير السكن اللائق والبيئة السكنية المريحة لكل إنسان، خاصة المواطنون العرب الفلسطينيون في وطنهم. نحن نعي الضائقة السكنية التي يعاني منها ما يزيد عن ثلث الأسر العربية. خاصة أولئك الذين يسكنون في القرى والأحياء غير معترف بها، وأولئك الذين يسكنون في بيوت مهددة بالهدم بحجة أنها بنيت بغير ترخيص. لذلك فان الرؤية هي تأمين السَكينة لهؤلاء المهددون في البيوت وتوفير حاجات السكان والأسر في الأمكنة المتنوعة وتشمل حلول سكنية متنوعة. ولأجل تحقيق هذه الرؤية لا بد من نهج سياسات تلبي الاحتياجات آخذة بعين الاعتبار التحولات التي تجري في المجتمع العربي الفلسطيني أسوة بكل المجتمعات التي تمر حالات مشابهة، مع اخذ خصوصية هذا المجتمع في ظرفيته الحالية. في سبيل ذلك يجب تطوير مخططات هيكلية، ودعم إقامة أحياء عربية جديدة في البلدات العربية والى جانبها. كذلك يجب العمل على حل مشاكل البناء غير المرخص بواسطة إقامة هيئة- لجنة حكومية بمشاركة عربية لدراسة حالات هذا البناء، ووضع حلول متنوعة لواقع متنوع ومُرَكب. يجب أن نعمل على دراسة سياسات الإسكان الحكومية والتعامل معها بشكل انتقائي، عاملين على توفير حلول بديلة لتلبية احتياجات السكن المتنوعة للأزواج الشابة بأسعار تتناسب مع احتياجات السكان.

الاستعداد لتلبية الاحتياجات المستقبلية وجسر الاحتياجات الحالية بما في ذلك حل ضائقة الإسكان الحالية وتوفير حلول سكنية كريمة وميسرة للأزواج الشابة تشكل مهام مجتمعية يجب العمل على انجازها. خاصة وان الدراسات تشير إلى أن المجتمع العربي بحاجة إلى 300 ألف وحدة سكن حتى العام 2040. أي أن هناك حاجة إلى تحويل الخطاب والسلوك واللغة من صراع البقاء الفردي إلى التطوير والتنمية المجتمعية. وفي هذا السياق يجب أن لا ننسى تطوير حيز عام آمن وراقٍ داخل بلداتنا العربية ولمُجمَل المواطنين العرب، بما ذلك المدن المختلطة. سكان هذه المدن العرب يعانون من ازدواجية التميز القومي- القطري والبلدي المحلي. وفى هذا السياق اضع توصيات عينية اقترح ان نسعى الى تحقيقها، وهي نتاج دراسة موسعة لقطاع الاسكان لدى المواطنون العرب.

  1. وقف عمليات هدم مباني بدون ترخيص, إنشاء هيئة عامة بمشاركة ممثلين عن السكان العرب لإعداد خارطة طريق لتنظيم، شرعنة وقوننة ما يعرق "بالبناء الغير مرخص"، بما في ذلك القرى والأحياء غير المعترف بها في النقب وفي المدن المختلطة, والاحياء المجاورة للبلدات العربية، والعمل لتجميد اقتراح القانون الذي يعرف "بقانون كيمنس".
  2. التعامل مع السكان العرب كمجموعة داخلها  يوجد تنوع، لذا هناك حاجة ملحة لتطوير نماذج اسكانية  متنوعة تشمل بناء منظم، بناء كثيف متعدد الطوابق، اسكانات ميسرة وكريمة بالإضافة الى البناء الذاتي الذي يغلب حاليا على انتاج السكن في المجتمع العربي، كل ذلك يكون  بأسعار معقولة. 
  3. دفع عمليات اعداد مخططات هيكلية ومفصلة  وتصديقها، لتشمل توسيع المخططات الهيكلية ومناطق النفوذ  لزيادة عرض الاراضي المخططة التي تمّكن تنمية المجتمعات  والبلدات العربية وتساهم في خفض أسعار الأراضي والمساكن. وتشجيع اقامة وتفعيل لجان تنظيم محلية الى جانب السلطات المحلية لإدارة عمليات التخطيط.
  4. يتوجب على الحكومة اقامة فريق وزاري بمشاركة ممثلين عن السلطات المحلية العربية, للعمل على اعداد وتحضير برنامج ممول بميزانية عامة  من اجل تنفيذ توصيات  طاقم 120 يوم  بعد اصلاحها وتعديلها لما يتناسب مع احتياجات المواطنون العرب على المدى  القريب والبعيد.
  5. تخطيط وتطوير أحياء سكنية كبيرة الى جانب البلدات العربية الكبيرة، واحياء سكنية جديدة مخصصة للسكان العرب في المدن المختلطة, بما في ذلك التخطيط لتعزيز التمدن والمَديَنة التي تتجانس مع ظرفية العرب الفلسطينيون وتطويريهم بشكل مستدام.  
  6. المبادرة لسن قانون  خاص لاستعادة اراضي الوقف وادارتها من قبل هيئة ممثلة للمجتمع العربي الاسلامي، بالإضافة الى تشكيل لجان امناء وقف محلية لإدارة شؤون الوقف في البلدات العربية.

أليات للإنجاز 

لإنجاز ما تقدم لا بد من تطوير برنامج عمل مُمَنهَج يشمل : المستوي الدولي، القطري والمحلي. هذه المستويات الثلاثة تشمل اربع مركبات: السياسي، المهني| التخطيطي، القانوني والجماهيري والشعبي.  برنامج العمل يُعد بواسطة طاقم يَبني على ما هو موجود من دراسات، قرارات حكومية، مخططات بلدية واجتهادات اعدت من قبل احزاب، حركات سياسة ومؤسسات مجتمع مدني فاعلة. هذا  البرنامج يعد على اساس وبعد عقد مؤتمر قطري يتناول مسألة الارض والمسكن كمركب اساسي في صياغة مشروعنا الوطني في وطننا. ولأجل التقدم  نقترح اقامة| تشكيل لجنة تحضيرية للمؤتمر القطري مكونة من 5-7 اشخاص. بالموازاة تشكيل نقترح تشكيل ستة لجان عمل مكونة من 3-5  كل لجنة: لجنة علاقات دولية، لجنة اعلام وتوعية مجتمعية وحراك شعبي جمعي منظم، لجنة بلدية، لجنة مجتمع مدني، لجنة قانونية، ولجنة تخطيط وتنمية. تشكيلة هذه اللجان تدمج بين السياسي والمهني وتعمل بشكل متكامل ومتجانس.  

خاتمة

فيما تقدم تناولنا بايجاز مسألة التعامل مع مسألة الأرض والمسكن في الواقع الذي نعيشه اخذين بعين الاعتبار الظرفية التي يعيشها المواطنون العرب. لا شك أن هذه الورقة الموجزة بحاجة إلى تطوير وتوسيع ولكنها تشكل أساس لحوار نسعى إلى المشاركة به لأجل تطوير رؤية مشتركة  في قضية الأرض والمسكن، موجهة خطابنا، سلوكنا وسياستنا التي نسعى الى تحقيقها من خلال  ترجمتها إلى برنامج عمل انجازي حراكي مطور ومتطور. يشمل برنامج العمل مركبات سن وتعديل قوانين، تطوير ائتلافات مع ذوي علاقة لها مصالح مشتركة، تمكين السلطات المحلية العربية لأخذ المبادرة لإعداد وانجاز مخططات توفر اراضي مخصصة للتطوير. اما مؤسسات المجتمع المدني  فعليها تقع مسؤوليات توعويه لخلق مناخ محلي ودولي لإعادة توزيع موارد الارض. اما المواطنين العرب الفلسطينيون في اسرائيل يسعون، كأفراد وجماعات مصلحيه، لتنظيم انفسهم لاستعادة حقوقهم، وتوفير احتياجاتهم، متجاوزين المعيقات مستمرين في الرباط والتنمية نحو بناء مشروع وطني ومدني شامل.   

                           

* بروفيسور راسم خمايسي محاضر في جامعة حيفا ومخطط مدن