- 2 آذار 2026
- مقدسيات
القدس - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة
تعيش البلدة القديمة في القدس أياما ثقيلة لم تعرف لها مثيلا، حيث يمتزج الركود بالترقب ويغلف التوتر تفاصيل الحياة خلال شهر رمضان المبارك المتزامن هذا العام مع عيد الفصح المجيد، في ظل الحرب الأمريكية الاسرائيلية على إيران. تبدل وجه المدينة التي كانت تضج بالحياة والتنوع الديني والحركة التجارية والسياحية، لتتحول الى مشهد صامت يلفه القلق وتثقل اجواءه مشاعر الحزن والخوف. الازقة التي اعتادت استقبال الزوار والحجاج صارت خاوية، والجدران العتيقة تبدو كأنها تنصت لنبض مدينة تحبس انفاسها.
يصف الأهالي البلدة القديمة بأنها هادئة على نحو يبعث على الريبة وموجعة بسكونها. وفرضت الشرطة قيودا صارمة منعت دخول غير السكان، وأغلقت الأماكن المقدسة ومنعت المصلين من الوصول إليها، وعلى رأسها المسجد الأقصى وكنيسة القيامة. هذا الاغلاق لم يكن مجرد اجراء أمنى، بل خلف فراغا روحيا عميقا، وكأن ابواب السماء اوصدت في وجوه المنتظرين.
كما أغلقت المدارس ومعظم المحال التجارية بداعي الظروف الامنية، باستثناء الأفران والصيدليات والعيادات ومحال البقالة واللحوم لتأمين الضروريات. اندفع السكان لتخزين المواد الغذائية، يراقبون الاخبار بترقب مشوب بالخوف من أيام أكثر قسوة، وتعلو الادعية في البيوت رجاء أن تمر العاصفة بأقل الخسائر.
القطاعان التجاري والسياحي، وهما شريان الحياة في البلدة القديمة، اصيبا بشلل شبه كامل. الأسواق التي كانت تعج بالمساومات وروائح التوابل والقهوة تحولت الى مساحات باردة يغمرها الصمت. اختفت أصوات الباعة والحجاج، وحل محلها حضور أمنى مكثف يزيد الإحساس بالاختناق، حتى بدا الحجر العتيق شريكا في هذا الحزن.
كان يفترض أن يشكل تزامن رمضان مع عيد الفصح لحظة روحية جامعة تعكس فرادة المدينة وتعددها، غير أن الحرب فرضت واقعا مغايرا. وجد السكان أنفسهم بين قدسية الزمن الديني وثقل السياسة، في حالة انتظار ثقيل لما قد تحمله الأيام. هذا التناقض عمق الشعور بالمرارة، وكأن الفرح المؤجل يبتعد كلما اقترب موعده.
صفارات الانذار صارت جزءا من الإيقاع اليومي، تقطع الصلاة والعمل والراحة وتزرع في القلوب رجفة مفاجئة. الأطفال يعيشون ارتباكا يلتصقون خلاله بأهلهم طلبا للأمان، بينما يحاول الآباء والأمهات خلق لحظات دفء داخل البيوت لتعويض غياب الحياة في الخارج. تراجعت موائد الإفطار الجماعية والزيارات العائلية، وخفت مظاهر التكافل التي كانت تمنح الشهر روحه الخاصة.
في المحصلة، تعكس البلدة القديمة في القدس صورة مؤلمة لكيف يمكن للفضاءات المقدسة والاحياء السكنية ان تتحول الى ظلال لصراع جيوسياسي واسع. يعاد تشكيل الزمن الديني والاجتماعي تحت وطأة الحرب، لكن تمسك السكان ببيوتهم وطقوسهم اليومية يبقى شكلا من أشكال الصمود والإصرار على الحياة.

