- 4 نيسان 2026
- مقدسيات
القدس - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة:
في باب الخليل، يجلس القس مارك خلف ماكينة خياطة قديمة، يلامسها بحنان كما لو كانت جزءا من ذاكرته، في ورشة تزين جدرانها صور ملابس كهنوتية وعباءات سوداء، وتفوح منها رائحة القماش والايام القديمة، حيث يلتقي التراث بالقداسة، وتنسج خيوط الهوية المقدسية بصبر ومحبة من الحرير والقطن.
تعكس الخياطة التقليدية في القدس روحا نابضة بالتنوع الديني والثقافي، من أثواب الكهنة الى الجلابيب والاثواب الفلسطينية، ورغم جمالها وقيمتها، يثقلها خوف خفي من الاندثار مع زحف العولمة وتراجع الحرف اليدوية، لكنها ما تزال تسكن الذاكرة وتقاوم النسيان بعناد هادئ.
تبدو القدس وكأنها قلب لهذه الحرفة، خاصة في الأحياء المسيحية القريبة من كنيسة القيامة وباب الخليل، حيث تنسج اردية الكهنة والرهبان من أقمشة فاخرة، وتزين بتطريزات دقيقة تحمل رهبة الطقوس وعمق الإيمان. وفي الجهة الاخرى، تنبض الاحياء الاسلامية بحياة مختلفة، حيث تخاط العبايات والجلاليب والطواقي المطرزة يدويا، في مشهد يعكس وقار العبادة وصدق الانتماء.
ولا تقف الحرفة عند حدود اللباس الديني، بل تمتد لتحتضن الثياب النسائية الفلسطينية، التي تروي بخيوطها حكايات القرى والمدن، ويختزن في نقوشها ذاكرة الأرض والناس. ورغم التحديات التي تفرضها الملابس الجاهزة، لا تزال بعض الورش العائلية تقاوم بصمت، متمسكة بخيط الماضي، وتنقله بحب الى الاجيال القادمة.
يحمل الثوب الفلسطيني حضورا خاصا، اذ لا يرتدى فقط، بل يشعر به، كعلامة انتماء واعتزاز. زخارف ليست مجرد إشكال، بل رسائل صامتة تشير الى القدس والخليل وبيت لحم، وتنبض بتاريخ كل مكان. يطرز يدويا بعناية، بخيوط ملونة وتقنيات تقليدية كالتلي بخيوطه المعدنية اللامعة، والجراحي بغرزه الدقيقة، فيما تضيف الاقمشة الطبيعية دفئا واناقة، وتمنحه لمسات الترتر والخرز بريقا احتفاليا.
وفي هذه الورش، التي تديرها غالبا نساء، تنسج الحكايات كما تنسج الاثواب، حيث تنتقل المهارات من يد الى يد، ومن قلب الى قلب، في مشهد يفيض بالاصرار والحنين، ويمنح التراث حياة متجددة دون ان يفقد روحه.
تعتمد هذه الحرفة على أدوات بسيطة، لكن روحها عميقة، من ماكينات الخياطة القديمة كسنجر، الى الابر والخيوط التي تحفظ أسرار المهنة. وفي كل غرزة، يظهر اتقان لا تمنحه الآلات الحديثة، وتبرز تفاصيل تشهد على صبر الحرفي وصدق حرفته.
ورغم أن ضجيج الملابس الجاهزة يطغى على السوق، ويقلص عدد الحرفيين، لا تزال هناك محاولات دافئة للحفاظ على هذا الفن، عبر ربطه بالسياحة او مزجه بالموضة الحديثة، بدعم من مبادرات تسعى لابقاء هذه الحرفة حية في وجدان الأجيال الجديدة.
تظل الخياطة التقليدية مهنة عائلية تنبض في ازقة البلدة القديمة، حيث تختلط أصوات الباعة بوقع المقص والخيط، ويلتقي الحرفيون بالزوار في مشهد مليء بالحياة.
ورغم كل ما تغير، تبقى هذه الحرفة صورة صادقة لروح القدس، تعكس تنوعها الديني والثقافي، وتحمل في طياتها ذاكرة المدينة وكرامتها، وتستمر كجسر حميم يصل الماضي بالحاضر، ويهمس بان الهوية لا تخاط فقط، بل تعاش وتحفظ في القلوب.

