- 30 نيسان 2026
- مقدسيات
القدس - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة
تمثل البلدة القديمة في القدس حيزا حيا ومثقلا في الوقت ذاته، حيث تتداخل الذاكرة الجماعية مع ايقاع الحياة اليومية، وتتقاطع التفاصيل البسيطة مع وطأة السياسات المفروضة والتحولات الديموغرافية الصعبة. في هذا المكان، لا يقتصر العيش على الوجود اليومي، بل يتخذ شكل صمود مستمر، يرافقه قلق خفي ممزوج بإصرار عميق. وفي هذا السياق الضاغط، تبدو الوقفية الهاشمية نافذة أمل تمنح دعما يتجاوز البعد المادي ليقترب من معاني الثبات والتشبث بالمكان والهوية.
انطلاقا من ذلك، تسعى هذه المقالة إلى الاقتراب من تصورات سكان البلدة القديمة حول أثر مبادرة الأمير الحسن بن طلال الوقفية الهاشمية، من خلال الإنصات إلى أصواتهم كما هي، بما تحمله من رجاء وتردد وتطلع وإرهاق، وفهم الطريقة التي يتلقون بها هذه المبادرة، وكيف يعيدون تأويل دور الوقف بوصفه ليس فقط مصدرا للدعم، بل آلية حماية اجتماعية وثقافية في مواجهة التهجير ومحاولات طمس الملامح العربية والإسلامية والمسيحية للمدينة.
وتعتمد هذه المقاربة على التقاط الحكايات اليومية والنبرات الخافتة في حديث الناس، وتحليل الروايات الشفوية التي تختزن مزيجا من الحنين والخوف والأمل، إضافة إلى متابعة الممارسات اليومية المرتبطة باستخدام خدمات المبادرة أو الترقب لها، دون افتراض نتائج مسبقة، بل عبر تتبع الكيفية التي يتفاوض بها السكان مع معانيها ضمن شبكة علاقاتهم المعقدة مع الأسرة والجوار والمؤسسات الدينية والأهلية. يمكن فهم أثر هذه المبادرة بوصفه ظاهرة اجتماعية متعددة الابعاد، تتقاطع فيها الجوانب الدينية والاقتصادية والرمزية، بشكل يمس حياة الناس ومشاعرهم معا.
اولا: على مستوى التصورات المحلية ينظر كثير من السكان الى الوقفية بشعور من الطمأنينة المختلطة بالحنين باعتبارها امتدادا لرعاية هاشمية تاريخية للمقدسات في القدس. هذا الاحساس يعزز لديهم فكرة الاستمرارية، ويمنحهم قدرا من السكينة في مواجهة واقع متقلب، حيث تتحول المبادرة في وعيهم الى ما يشبه مظلة حماية معنوية للهوية.
ثانيا: على الصعيد الاجتماعي تسهم المبادرة في تعزيز روابط التضامن بين السكان وتمنحهم شعورا بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الضغوط. فترميم منزل قديم أو دعم طالب أو تقديم خدمة دينية أو اجتماعية بسيطة يمكن أن يبعث في النفوس أملا ويعيد قدرا من الثقة بإمكانية البقاء رغم قسوة الظروف.
ثالثا: من الناحية الاقتصادية تتباين المشاعر بين تفاؤل حذر وخيبة امل كامنة، فبينما يرى بعضهم في الوقفية فرصة محدودة لتحسين سبل العيش، يشعر اخرون ان الفجوة ما تزال واسعة وان ما يقدم لا يكفي لمواجهة ثقل الواقع الاقتصادي في البلدة القديمة.
رابعا: على المستوى الثقافي، تحمل الوقفية بعدا وجدانيا عميقا. فهي لا تصون المباني فقط، بل تحفظ ما يرتبط بها من ذكريات وحكايات وروائح المكان، وهو ما يعزز الارتباط به، ويمنح السكان شعورا بان هويتهم ما تزال حاضرة رغم محاولات التغيير.
خامسا: لا تغيب نبرة النقد التي تختلط احيانا بشيء من المرارة. اذ يرى أحد السكان ان ما يجري هو استدعاء للماضي أكثر من كونه تغييرا فعليا، وكأن الوعود تبقى عالقة بين قسوة الواقع وصدق النوايا. بينما يشير اخرون الى ضرورة تعزيز الشفافية، وتوسيع دائرة المستفيدين لتشمل الشباب والنساء، ويعبر البعض عن قلقهم ازاء استمرارية هذه الجهود، وقدرتها على تحقيق أثر ملموس على المدى البعيد.
في الختام يظهر أن الوقفية الهاشمية في البلدة القديمة لا يمكن اختزالها في بعدها التنموي او الخدماتي فقط، بل تتجسد داخل حياة السكان كمعنى مركب يتداخل فيه الامل مع القلق، والدعم المادي مع الثقل الرمزي للمكان. فهي بالنسبة للبعض مساحة لاستعادة شيء من الطمأنينة وتعزيز القدرة على البقاء، وبالنسبة لأخرين تظل مبادرة محدودة الاثر امام تعقيدات الواقع اليومي وضغوطه المتواصلة.
ومع ذلك تبقى اهميتها الحقيقية في كونها جزءا من نسيج العلاقة بين الناس ومكانهم، حيث لا تقاس فقط بما تقدمه من خدمات، بل بما تتركه من شعور بالانتماء والاستمرارية والقدرة على التمسك بالمدينة رغم ما يحيط بها من تحديات. وهكذا يتشكل أثرها في مساحة بين الرمزي والواقعي، بين ما يتحقق فعلا وما يظل معلقا في انتظار اتساع امكانيات الصمود والبقاء.

