- 20 آيار 2026
- مقدسيات
القدس - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة
تشكل البلدة القديمة في القدس واحدة من أكثر الاماكن حساسية وتعقيدا في الوجدان الفلسطيني والعربي، فهي ليست مجرد مساحة تاريخية او ازقة عتيقة، بل قلب نابض يحمل ذاكرة الناس وصلواتهم وحكاياتهم الممتدة عبر القرون. وفي قلب هذا المشهد يقف باب السلسلة كواحد من اهم الممرات المؤدية الى الحرم الشريف، حيث تختلط خطوات المصلين بهمسات الزائرين، في صورة يومية تختزن روح القدس ومعناها العميق. لذلك فان الحديث المتصاعد حول نية الحكومة الاسرائيلية الاستيلاء على عقارات في هذه المنطقة لا يبدو للسكان مجرد اجراء قانوني او عقاري، بل جرحا جديدا يمس الهوية والانتماء ويحاول اعادة تشكيل روح المكان وملامحه.
ومن زاوية الحياة اليومية، تكشف هذه التحولات عن صراع يمس الذاكرة الجماعية للمقدسيين، حيث تتحول العقارات والاسواق والازقة القديمة الى رموز للصمود والبقاء. فالحجارة هنا ليست صامتة، بل تحمل آثار المارة ودفء العائلات وروائح الخبز والقهوة واصوات الدعاء التي تعانق المكان منذ مئات السنين. لذلك يشعر كثير من السكان ان اي تغيير في هذه المنطقة هو محاولة لاقتلاع جزء من ذاكرتهم ووجودهم المتجذر في المدينة.
وتظهر البلدة القديمة كيف ان الحارات والعقارات الوقفية، سواء السكنية او التجارية، تشكل شبكة حياة مترابطة تحفظ العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والدينية. ويعد باب السلسلة من أكثر الممرات حيوية باتجاه الحرم الشريف، لذلك ينظر الى اي تغيير عمراني او ديموغرافي فيه كأنه محاولة لإعادة صياغة هوية القدس وانتزاع ملامحها العربية والاسلامية بهدوء مؤلم ومتدرج.
وبحسب الأحاديث المتداولة مؤخرا، يدور الحديث حول مخطط يشمل ما بين 10 و20 عقارا تاريخيا، مع منح شركة تطوير الحي اليهودي صلاحيات تتعلق بإجراءات استملاك او مصادرة. لكن قيمة هذه العقارات لا تكمن فقط في ثمنها او موقعها، بل فيما تختزنه من ذاكرة انسانية وحياة يومية وارتباط روحي عميق بالمكان. فكل باب قديم هناك يحمل حكاية عائلة، وكل متجر صغير يشهد على سنوات طويلة من الكفاح والصبر والبقاء.
ومن خلال هذه القراءة يمكن فهم تصاعد القلق المقدسي عبر عدة مستويات مترابطة. فالمكان في القدس ليس مجرد جغرافيا، بل عنوان للسيادة والوجود. والسيطرة على الممرات المؤدية الى الحرم تمنح حضورا امنيا ودينيا وسياحيا أكبر، وتجعل من العقارات ادوات لإعادة تنظيم المجال العام والتحكم بمن يملك حق الحركة والبقاء والشعور بالأمان داخل المدينة.
كما ان البلدة القديمة ليست مجرد موقع ديني او أثرى، بل بيت حي لعائلات مقدسية عاشت فيه جيلا بعد جيل. ولهذا يشعر السكان ان اي استيلاء محتمل لا يهدد الابنية فقط، بل يهدد استمرارية النسيج الاجتماعي الفلسطيني، ويفتح الباب امام ضغوط اقتصادية وقانونية تدفع الناس نحو التهميش او الرحيل الصامت، بكل ما يحمله ذلك من وجع وخوف على المستقبل.
ومن الزاوية الثقافية، يرى كثير من الفلسطينيين ان مشاريع التهويد العمراني تحاول اعادة انتاج الرواية البصرية والتاريخية للمدينة، من خلال توسيع ما يسمى بالحي اليهودي وربطه بالمواقع الدينية والسياحية، بما يؤدي تدريجيا الى تقليص الحضور العربي والاسلامي والمسيحي في المشهد العام للقدس القديمة، وكأن المدينة تعاد كتابتها ببطء على حساب ذاكرتها الاصلية وسكانها.
ويبرز ايضا البعد اليومي والانساني للمكان، فباب السلسلة ليس ممرا عاديا، بل فضاء تنبض فيه الحياة مع كل صباح. هناك تمر جموع المصلين والتجار والطلاب، وتصنع حركتهم المستمرة روح المكان ومعناه الحقيقي. ولذلك فان اي تغيير في الملكية او الحضور الامني ينعكس مباشرة على شعور الناس بحقهم في الحركة والانتماء والظهور داخل مدينتهم، ويزرع في النفوس احساسا دائما بالقلق والترقب.
ومن الجوانب المطروحة كذلك ان السيطرة على العقارات التاريخية قد تسهم في اعادة تشكيل الاقتصاد المحلي للبلدة القديمة. فالأسواق الصغيرة والمحال التقليدية تعتمد على بقاء السكان والحركة الفلسطينية اليومية، بينما قد يؤدي تحويل العقارات الى مشاريع سياحية او استيطانية الى تبدل ملامح الحياة الاقتصادية، وتحويلها من اقتصاد اجتماعي بسيط يحفظ روح المكان الى اقتصاد يخدم رواية سياسية وسياحية مختلفة.
ويضاف الى ذلك البعد النفسي والرمزي، اذ يشعر كثير من المقدسيين ان التغييرات المتواصلة في الملكية والحيز العام تخلق حالة مستمرة من القلق وعدم الاستقرار، وكأن المدينة تخوض معركة صامتة على هويتها وذاكرتها وسكانها العرب. ولهذا يصبح الحديث عن العقارات أكبر من مجرد نقاش قانوني، بل سؤالا موجعا حول من يملك حق رواية تاريخ القدس وتمثيلها في المستقبل.
كما يظهر توتر واضح بين القانون والاحساس المحلي بالعدالة والشرعية. فالسلطات الاسرائيلية تقدم هذه الاجراءات ضمن اطر قانونية تتعلق بالاستملاك او المنفعة العامة او ما يعرف بعقارات الغائبين، بينما يرى الفلسطينيون والمؤسسات المقدسية ان هذه القوانين تشكل جزءا من واقع فرض بعد احتلال القدس الشرقية، وتستخدم لإعادة هندسة التوازن الديموغرافي والسياسي للمدينة بطريقة تمس وجودهم وهويتهم بشكل مباشر.
وفي النهاية، يظهر الجدل حول عقارات باب السلسلة باعتباره انعكاسا لصراع يتجاوز حدود الملكية والعقار ليصل الى معاني الهوية والسيادة والوجود اليومي في القدس القديمة. فالمكان هنا ليس مجرد مساحة جغرافية، بل روح حية تحمل ذاكرة جماعية وتاريخا دينيا واجتماعيا متراكما. ولهذا يبقى باب السلسلة رمزا لحالة التوتر المستمرة بين محاولات فرض واقع جديد وبين تمسك المقدسيين بحقهم في البقاء، والدفاع عن مدينتهم، والحفاظ على هوية المكان التي تسكن قلوبهم قبل ان تسكن حجارة القدس العتيقة.

