- 21 آيار 2026
- مقدسيات
القدس - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة
كنت يوم أمس جالسا تحت الزيتونة المباركة على درج باب العامود، اتأمل وجوه المارة وضجيج المدينة الذي يشبه قلبا متعبا لا يتوقف عن النبض. كان الهواء محملا برائحة القدس القديمة، خليطا من القهوة والحجارة العتيقة وقلق الناس. دار بيني وبين عدد من الجالسين بقربي نقاش طويل حول اساليب التعامل بين البشر، وكيف تغيرت النفوس تحت ثقل الايام، فلفت نظري رجل بسيط الملامح كان يردد بهدوء عبارة، كل الناس خير وبركة. قالها أكثر من مرة، وكأنه يحاول اقناع نفسه قبل ان يقنعنا. وحين عدت الى البيت تلك الليلة، بقيت العبارة تدور في رأسي بلا توقف. شعرت ان خلف بساطة تلك العبارة حزنا عميقا وتعبا انسانيا ثقيلا يختبئ خلف الكلمات المهذبة والابتسامات العابرة. بقي صداها يرافقني طوال الطريق، وكأنها لم تكن مجرد جملة قيلت على هامش الحديث، بل اعتراف صامت يخرج من قلب مدينة متعبة. جلست أفكر طويلا، واستعدت وجوه الناس ونبرات اصواتهم ونظراتهم الحذرة، فأدركت ان هذه العبارة ليست كلمات عابرة، بل نافذة واسعة تطل على واقع اجتماعي شديد التعقيد.
في تفاصيل الحياة اليومية بمدينة القدس، حيث تتقاطع الديانات والاعراق والجنسيات وسط واقع مثقل بالتوتر والاحتلال والصراع المستمر، لا تبقى اللغة مجرد وسيلة للتواصل، بل تتحول الى وسيلة نجاة خفية، ومساحة حساسة يحاول الانسان من خلالها حماية نفسه والتفاوض على هويته وامانه وحقه في البقاء. هنا، حتى الكلمات البسيطة تحمل فوقها احيانا خوفا دفينا ووجعا لا يرى، وكأن الناس تعلموا ان يخفوا تعبهم خلف عبارات قصيرة تبدو عادية، بينما تخفي في داخلها سنوات طويلة من القلق والصمت والانكسارات المؤجلة. تتردد في الاسواق والمواصلات والمؤسسات المشتركة عبارات ظاهرها التسامح والود، مثل مقولة كل الناس خير وبركة، لكن من عاش تفاصيل المدينة وانصت لما تخفيه العيون قبل الالسنة، يدرك ان بعض الكلمات تولد احيانا من الخوف أكثر مما تولد من القناعة.
في مجتمع القدس المفصول والموصول قسرا، تؤدي هذه العبارة وظيفة تتجاوز معناها المباشر. تبدو العلاقات وكأنها قائمة على المحبة والخير، بينما يختبئ خلف هذا الهدوء الظاهري شعور دائم بالحذر والانهاك النفسي، وأحيانا الرفض الصامت الذي لا يجرؤ أحد على التصريح به. هناك بشر تعلموا ان يبتسموا كي يحموا أنفسهم من الانكسار، وان يخفوا غضبهم كي يمر يومهم بسلام. ومن هنا يمكن فهم العبارة باعتبارها شكلا من اشكال التكيف الاجتماعي الذي فرضته قسوة الواقع، أكثر من كونها مجرد تعبير اخلاقي بريء. المعايشة الحقيقية تهتم بما يفعله الناس لا بما يقولونه فقط. ففي القدس يعيش العرب واليهود ضمن حدود مكانية واجتماعية وقانونية واضحة، ومع ذلك توجد مساحات مشتركة مفروضة عليهم، كالأسواق والمواصلات العامة والمؤسسات الاسرائيلية كالبلدية والبنوك والمستشفيات. داخل هذه المساحات يشعر الانسان احيانا انه مضطر لارتداء قناع الهدوء حتى لو كان قلبه مثقلا بالخوف او الغضب. لذلك لا تبدو عبارة كل الناس خير وبركة توصيفا حقيقيا للمشاعر بقدر ما تبدو محاولة لحماية الروح من الاصطدام اليومي.
وفي السياقات الفلسطينية الداخلية، قد تعبر العبارة احيانا عن رغبة صادقة في الهروب من التوترات التي مزقت العلاقات الاجتماعية واثقلت النفوس تحت ضغط الاحتلال والحياة الصعبة. لكنها تستخدم احيانا اخرى لتجنب الخوض في القضايا الحساسة والخلافات الاجتماعية والاقتصادية، وكأن الناس تعبت من الجدال ومن الخسارات المتكررة، فاختارت الصمت المغلف بالكلمات اللطيفة. اما في العلاقة مع اليهود، وخصوصا في السياقات الخدمية، فتتسع المسافة بين ما يقال وما يشعر به الانسان في داخله. فعندما يردد عامل فلسطيني او موظف استقبال هذه العبارة امام زبون يهودي متطرف، يكون الهدف غالبا حماية نفسه وتجنب المشكلات، بينما تبقى في داخله مشاعر متشابكة من الخوف او القهر او حتى الغضب المكتوم. هنا تتحول الكلمات الى درع نفسي هش، يمنح صاحبه فرصة للمرور بسلام في يوم مليء بالتوتر. النفاق الاجتماعي، بمعناه العام، هو ان يظهر الانسان غير ما يبطن. ومن هذا المنظور قد تبدو العبارة في بعض سياقات القدس نوعا من النفاق، لأنها تفترض انسجاما انسانيا لا تؤمن به النفوس المنهكة بفعل تجارب القهر والظلم. لكن هذا النفاق ليس دائما سقوطا اخلاقيا، بل قد يكون شكلا من اشكال النجاة النفسية. فالإنسان المرهق بالخوف لا يقول دائما ما يشعر به، بل ما يحميه من الاذى.
في النهاية، تكشف عبارة كل الناس خير وبركة عن العلاقة المعقدة بين اللغة والانسان والواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في القدس. فهي ليست مجرد كلمات تقال على الهامش، بل مرآة لمشاعر متناقضة يعيشها الناس كل يوم بين الخوف والامل، بين الرغبة في السلام والاحساس بالقهر، وبين الحاجة الى الصدق والحاجة الى البقاء. وما قد يبدو تناقضا اخلاقيا هو في كثير من الاحيان محاولة انسانية بسيطة لحماية النفس من مدينة تحمل في شوارعها كثيرا من التعب، وكثيرا من الحكايات الصامتة.

