- 23 آيار 2026
- مقدسيات
القدس - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة
تمثل القدس حيزا سياسيا واجتماعيا استثنائيا تتداخل فيه التحولات الدولية مع تفاصيل الحياة اليومية للسكان، حتى باتت الاحداث البعيدة تعاش داخل المدينة بقلق وترقب وخوف مكتوم. ومن القضايا التي تحظى باهتمام دائم لدى المقدسيين التوتر القائم بين الولايات المتحدة وإيران، باعتباره انعكاسا لتحولات موازين القوة في الشرق الاوسط ومصدرا دائما للشعور بعدم الاستقرار. فالتهديدات المتكررة التي يطلقها الرئيس الامريكي ضد إيران، وما يتبعها احيانا من تراجع او تهدئة، لا ينظر اليها في القدس كمواقف دبلوماسية عابرة، بل تفهم من خلال ذاكرة مثقلة بالحروب والخيبات والتجارب السياسية القاسية التي صنعت لدى السكان شعورا عميقا بالحذر وعدم الثقة تجاه الخطاب السياسي الدولي. ومن هذا المنطلق تبرز اهمية دراسة نظرة سكان القدس الى هذه التهديدات الكبيرة والقوية والتراجعات الهزيلة والضعيفة، لما تكشفه من مشاعر القلق والسخرية والارهاق السياسي، ومن كيفية اعادة تفسير الناس لمعاني القوة والهيبة والهزيمة عبر اللغة اليومية والذاكرة الجماعية والتفاعل الشعبي مع الاحداث الكبرى.
في ازقة البلدة القديمة، تتراكم ذاكرة سياسية طويلة جعلت السكان أكثر تشككا في خطابات الحسم الامريكي. فالرئيس الذي يطلق اليوم تهديدات كبرى ضد إيران قد يعود لاحقا الى لغة التفاوض او التهدئة او التراجع، الامر الذي يعزز لدى المقدسيين شعورا بان المنطقة تعيش على وقع التصعيد الكلامي أكثر من الحسم الحقيقي. وقد أنتج هذا التناقض داخل المخيال الشعبي صورة للرئيس الامريكي باعتباره قائدا يميل الى الاستعراض السياسي أكثر من امتلاكه رؤية ثابتة وواضحة. لذلك تتكرر في الأحاديث اليومية عبارات تحمل مزيجا من السخرية والمرارة، مثل ان امريكا ترفع سقف التهديد ثم تبحث عن مخرج، او ان هذه التصريحات ليست سوى مادة للاستهلاك الاعلامي.
وفي الاسواق القديمة، حيث تتداخل السياسة مع تفاصيل التجارة والحياة اليومية، يركز الناس على النتائج المباشرة للتوترات السياسية والعسكرية، مثل ارتفاع الاسعار واغلاق البلدة القديمة والحرم الشريف وكنيسة القيامة، الى جانب اغلاق الطرق وتصاعد احتمالات اتساع دائرة الحرب. ويظهر القلق واضحا على وجوه التجار والباعة الذين يخشون ركود الاسواق وفقدان مصادر رزقهم، بينما يعيش السكان حالة دائمة من التوتر والترقب خوفا من ان تتحول الاخبار السياسية الى واقع يثقل حياتهم اليومية أكثر مما هي مثقلة اصلا.
ومع هذا القلق المستمر، يظهر ايضا نوع من السخرية السياسية تجاه تراجع الخطاب الامريكي بعد التهديدات الكبيرة. فعندما تتحدث وسائل الاعلام عن تراجع واشنطن عن مواجهة مباشرة، يفهم ذلك شعبيا بوصفه مؤشرا على حدود القوة الامريكية أكثر من كونه خيارا دبلوماسيا محسوبا. وتتحول هذه اللحظات احيانا الى مادة للتندر الشعبي، ليس بدافع الارتياح الكامل، بل كوسيلة نفسية للتخفيف من شعور الناس بالعجز امام الصراعات الكبرى.
في المقابل، يبدو المشهد مختلفا نسبيا في القدس الغربية وبعض الاوساط اليمينية الاسرائيلية، حيث ينظر الى التشدد الامريكي تجاه إيران باعتباره ضرورة امنية واستراتيجية. ومع ذلك، يبرز داخل هذه الاوساط ايضا خوف حقيقي من ان يؤدي التصعيد المستمر الى حرب مفتوحة تستنزف المنطقة بأكملها. كما تظهر مواقف عديدة وجود انقسام سياسي وعاطفي داخل المدينة نفسها تجاه السياسات الامريكية الكبرى، في ظل مخاوف من انعكاسات الاستعراض السياسي على الحياة اليومية للسكان وعلى شعورهم بالأمن والاستقرار.
وبشكل عام، ينظر سكان القدس الى السياسة الامريكية من خلال التجربة التاريخية المتراكمة أكثر من اعتمادهم على الخطاب الرسمي. فالمدينة التي عاشت الانتفاضات والحروب وقرارات امريكية مصيرية تتعلق بالقدس، اكتسبت قدرة على التمييز بين اللغة السياسية وبين ما يتحقق فعليا على الارض. لذلك برزت لدى كثير من المقدسيين حالة مستمرة من انعدام الثقة تجاه واشنطن ودورها في المنطقة، يرافقها شعور بان القوى الكبرى تتعامل مع المنطقة باعتبارها ساحة صراع مفتوحة لا مكان فيها لاستقرار الناس العاديين.
ومن هذا المنظور، لا ينظر الى التراجع الامريكي امام إيران باعتباره مجرد حدث سياسي عابر، بل بوصفه لحظة رمزية تكشف حدود صورة القوة المطلقة التي سعت الولايات المتحدة الى ترسيخها لعقود طويلة. وفي مدينة اعتادت التعايش مع الازمات والضغوط، تتحول السخرية السياسية الى وسيلة دفاع اجتماعي ونفسي، بينما يصبح التشكيك في تهديدات القوى الكبرى جزءا من الثقافة اليومية لسكان تعلموا، وسط الخوف والارهاق والانتظار الطويل، ان المنطقة اعقد بكثير من خطابات الرؤساء.

