- 30 آيار 2026
- مقدسيات
القدس - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة
هذا حوار ميداني تخيلي يجمع بيني انا المتحدث، أحد سكان البلدة القديمة في القدس، وشجرة الزيتون المباركة التي تقف على درجات باب العامود منذ عشرات السنين، ثابتة كأنها حارسة للمدينة وذاكرتها. اعتدت الجلوس تحت ظلها يوميا من الساعة 9:00 صباحا حتى 11:00 قبل الظهر، احمل فنجان قهوتي وأتأمل وجوه الناس المارة، اراقب التعب في العيون، والصمت الذي صار أثقل من الكلام. كنت كلما جلست تحتها اشعر ان شيئا دافئا يلامس قلبي ويهدئه. وكأن الشجرة تفهم ما لا أستطيع قوله لاحد. من خلال هذا الحوار، تحاول الشجرة ان تستعيد ذاكرة المكان كما كان في الماضي، بينما انا المتحدث اعكس واقع القدس اليوم بما يحمله من خوف ووحدة وحنين ووجع صامت. الحوار قائم على الملاحظة الميدانية والمعايشة اليومية، وصيغ بأسلوب حياتي يعكس روح المكان ويجسد نبضه الانساني ومشاعر اهله.
المتحدث: صباح الخير يا شجرة الزيتون المباركة، يا من يحفظ ظلك اسرار القدس وحكاياتها القديمة. جئت اليوم لأجلس بقربك واحدثك بما يثقل صدري. منذ سنوات وانا اعود اليك كل صباح، كأنني اعود الى ام حنون تسمعني دون ان اسألها شيئا. قولي لي، ماذا حدث لأهل القدس؟ لماذا صارت الوجوه متعبة وكأن الليل لا يغادرها؟ ولماذا اصبحت العيون تنظر حولها بخوف حتى وهي تبتسم؟
شجرة الزيتون: صباح النور يا عزيزي. تعال واجلس تحت ظلي كعادتك، فانا صرت احفظ وقع خطواتك كما تحفظ الام صوت ابنها. والله يا بني، انا هنا منذ زمن بعيد، قبل ان تولد انت، وقبل ان يعرف هذا المكان كل هذا الحزن. كنت ارى القدس مثل قلب كبير ينبض بالحياة. مع الفجر كانت الابواب الخشبية تفتح، وتخرج منها رائحة الخبز الساخن والقهوة والزعتر. كانت النساء يضحكن من الشرفات، والاطفال يركضون بين الازقة بملابس المدرسة، لا يخافون الا ان تتسخ احذيتهم من اللعب. حتى العصافير كانت تغني فوق اغصاني بلا خوف.
المتحدث: نعم يا شجرتي الحبيبة، ابي كان يحدثني عن تلك الايام، وكان صوته يتغير عندما يتذكرها، كأنه يشتاق لطفولته أكثر من اي شيء اخر. اما اليوم، فالناس تمشي بسرعة، ووجوههم مشغولة بالقلق. الحواجز صارت أكثر من الدكاكين، والجنود يقفون في كل زاوية كأنهم جزء من الحجارة. حتى الباعة الذين كانوا يملؤون السوق بالنداء والضحك صاروا يهمسون. احيانا اشعر ان القدس لم تعد تتنفس، وكأنها تخفي وجعها حتى لا تنهار.
شجرة الزيتون: نعم يا بني، انا ارى كل شيء، واسمع ما لا يقوله الناس. في الماضي، كان باب العامود يمتلئ بالحياة حتى منتصف الليل. كان الحكواتي يجلس قريبا مني، يروي القصص للأطفال، فتتعالى ضحكاتهم حتى تصل الى السماء. وكان الشباب يغنون في الليالي الصيفية، بينما تفوح رائحة الكعك الساخن من السوق. اما اليوم، فالصوت الاعلى هو صوت الخطوات المسرعة للجنود. حتى الحجارة التي تحت قدمي تغيرت، كانت تحفظ ضحكات العابرين، واليوم تحفظ صدى الخوف والبكاء المكتوم.
المتحدث: باللامس رأيت طفلا صغيرا يمسك بيد امه بقوة وهو يمر قرب نقطة التفتيش. كانت عيناه واسعتين من الخوف، وكأنه يحمل عمرا أكبر من عمره. شعرت يومها بشيء ينكسر داخلي. تذكرت نفسي عندما كنت صغيرا، كنا نركض في الحارات حتى يتعبنا اللعب، وكان الحارس يضرب بعصاه على الحيطان ويصرخ، اذهبوا الى بيوتكم. كنا نضحك ونهرب ثم نعود للعب بعد دقائق، بلا خوف ولا حساب للوقت. اما اليوم، فقد صار الاطفال يميزون بين الشرطة وحرس الحدود قبل ان يتعلموا اسماء العابهم.
شجرة الزيتون: هذا أكثر ما يوجعني يا حبيبي. الاطفال كانوا يقطفون اوراقي ويلهون بها، وكانت الامهات يجلسن تحت ظلي يتبادلن الحكايات والخبز الساخن. اما اليوم، فالأطفال يركضون نحوي بحثا عن الامان لا عن اللعب. لكن رغم كل شيء، ما زلت ارى نورا صغيرا يقاوم هذا الحزن. انظر الى صاحب الكعك بالسمسم الذي يأتي مع الفجر رغم التعب، والى الكهل الذي يفتح دكانه بابتسامة متعبة، والى المؤذن الذي يرفع الاذان بصوت يرتجف من الحب. هؤلاء يحافظون على روح القدس حية.
المتحدث: صحيح. وما زال هناك من يقاوم بالصبر والحياة. كل صباح ارى التجار يرتبون بضائعهم امام الابواب الحجرية وكأنهم يقولون للمدينة، نحن هنا مهما طال الليل. حتى رائحة الزعتر والخبز الساخن تشعرني احيانا ان القدس تحاول ان تخفف عن نفسها هذا الحزن الطويل.
شجرة الزيتون: يا بني، القدس مثل الزيتونة، قد تتعب أغصانها من الريح، لكنها لا تنكسر. رأيت حروبا كثيرة، ورأيت غرباء مروا من هنا ثم اختفوا، لكن اهل هذه الارض بقوا دائما. كانوا يعودون مهما ابتعدوا، يحملون مفاتيح بيوتهم وحنينهم وصلواتهم في قلوبهم.
المتحدث: يا عزيزتي، كم اشتاق الى الايام التي كانت فيها امي تسقي النباتات مع الصباح وتقول لنا، ازرعوا الخير ولو في أصعب الايام. كانت الحارة تمتلئ بالناس في الاعياد، والابواب تبقى مفتوحة للجيران، والقلوب ابسط واخف. اليوم صار الناس يخافون حتى من الطرق على الباب، وكأن الخوف دخل البيوت واستقر فيها.
شجرة الزيتون: لكن لا تنس يا بني، ان الخوف لا يستطيع اقتلاع الجذور. أنتم ما زلتم هنا، تصلون وتحبون وتزرعون وتحكون الحكايات. وكل من يجلس تحت ظلي ويسمع هذه القصص يصبح جزءا من ذاكرة المكان. الحكاية نفسها مقاومة، والذاكرة شكل من اشكال البقاء.
المتحدث: انا احيانا اشعر ان حديثي معك يخفف عني أكثر من حديث البشر. انت لا تقاطعين، ولا تخافين، ولا تنسين. عندما اجلس تحت ظلك اشعر ان قلبي يهدأ قليلا، وكأنني استعيد نفسي القديمة التي اضاعها التعب. لذلك قررت ان احضر احفادي ليجلسوا معنا. اريدهم ان يسمعوا منك كيف كانت القوافل تمر من باب العامود، وكيف كان الناس يتقاسمون الخبز والزيت والزيتون بعد الصلاة، وكيف كانت المدينة تضحك رغم كل شيء.
شجرة الزيتون: احضرهم يا ابن القدس. علمهم ان الحجر هنا ليس مجرد حجر، بل ذاكرة عمرها مئات السنين. علمهم ان الزيتونة إذا قطعت اغصانها تنبت من جديد، وان الانسان الذي يحمل الحكاية لا يموت. كل طفل يسمع هذه القصص ويحفظها يصبح غصنا جديدا في شجرة القدس.
المتحدث: بارك الله فيك. غدا سأجلس هنا من جديد، وسأحضر حفيدي معي ليعرف ان للقدس روحا لا تموت مهما تعبت، والسلام عليكم.
شجرة الزيتون: وعليك السلام يا صديقي. عد دائما، فانا اعرفك ويعرفك ظلي، وهذه الارض تحفظ خطاك كما تحفظ الام ملامح ابنها الغائب. وقل للناس ان القدس، مهما تراكم عليها الحزن، تبقى مدينة نابضة بالحياة، وان زيتونها يؤكل ولا يموت.
وهكذا تنتهي جلسة تحت ظل شجرة الزيتون المباركة عند درجات باب العامود، حيث يختلط الحنين بالوجع، ويمتزج صوت الماضي بأنفاس الحاضر الثقيلة. ينهض المتحدث عند الظهيرة ببطء، يحمل فنجانه الفارغ وقلبه الممتلئ بالكلمات، لكنه يترك خلفه شيئا من صوته مع الشجرة، ويأخذ معه شيئا من صبرها ودفئها. لم يكن الحوار مجرد حديث عابر، بل كان محاولة للنجاة من النسيان، وتمسكا بذاكرة مدينة تخاف ان تضيع. فالقدس، بكل حجارتها وازقتها وروائحها واصواتها، ما زالت تتنفس رغم التعب، وما زال هناك من يجلس تحت الظل، يصغي للحكاية بعين دامعة وقلب متعلق بالمكان، ثم يحملها لمن يأتي بعده، حتى تبقى القدس حية في الذاكرة والروح.

