- 25 حزيران 2026
- مقدسيات
القدس - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة
من منظور تراث الحريدية ( المتدين المتشدد ) يعد رفض التجنيد في الجيش موقفا دينيا واجتماعيا عميق الجذور، يعكس طبيعة العلاقة بين الايمان ومتطلبات الدولة، ويجسد التزاما روحيا يتجاوز الحسابات السياسية. بالنسبة للحريديم، لا ينظر الى هذا الموقف كقرار ظرفي، بل كخيار نابع من عقيدة راسخة تعتبر دراسة التوراة اساسا لاستمرار الحياة الروحية وصون الهوية اليهودية.
ويرتبط هذا الفهم تاريخيا بما عرف بتسوية بن غوريون عام 1948، حين تم الاتفاق في بدايات قيام الدولة على اعفاء نحو 400 من طلاب المدارس التلمودية من الخدمة العسكرية، بهدف اتاحة المجال لهم للتفرغ لدراسة التوراة، في سياق السعي لاحتواء التوترات وتعزيز تماسك المجتمع الناشئ.
وفي هذا الإطار، تمثل دراسة التوراة في المجتمع الحريدي ( اليهودي المتدين المتشدد) نمطا حياتيا يوميا ومصدرا للسكينة والاطمئنان، وليست مجرد عملية تعليمية. ومن هذا الارتباط الروحي تنبع قناعة تجعل التفرغ للدراسة التزاما ثابتا، حتى عند تعارضه مع الخدمة العسكرية، مع شعور لدى كثيرين بان الاندماج في الجيش قد يقطع حالة الصفاء الروحي التي تمنحها الدراسة المستمرة.
كما يقوم هذا الموقف على تصور ديني لفكرة الحماية الالهية، يقوم على الاعتقاد بان استقرار المجتمع لا يستند الى القوة العسكرية وحدها، بل ايضا الى قوة الايمان والارتباط بالنصوص المقدسة، مما يجعل الدراسة الدينية شكلا من اشكال الحماية المعنوية والوجودية.
ومن الناحية الاجتماعية، يتميز المجتمع الحريدي بتماسك داخلي قوي، توفره المؤسسات الدينية والتعليمية التي تعزز الهوية المشتركة والانتماء العميق. ويخشى كثيرون من ان يؤدي الاحتكاك بالمؤسسة العسكرية الى تغييرات تمس القيم ونمط الحياة، بما قد ينعكس على استقرار البنية التقليدية للمجتمع.
وتعكس هذه الرؤية ايضا حرصا على قدر من الاستقلالية المجتمعية، يهدف الى حماية نمط الحياة الديني من الضغوط والتغيرات السريعة في البيئة العامة، وهو ما يفسر التمسك المستمر بالموقف التقليدي من التجنيد.
وفي المقابل، يظل هذا الموضوع محل نقاش واسع داخل المجتمع الاسرائيلي، حيث تتباين المواقف بين من يرى الخدمة العسكرية واجبا وطنيا شاملا، وبين من يدعو الى مراعاة الخصوصيات الدينية والثقافية، مما يعكس استمرار التوتر بين الانتماء الديني والانتماء الوطني.
وفي النهاية، يبرز هذا الملف عمق البعد الديني والاجتماعي في رؤية الحريديم، وكيف تشكل التقاليد والايمان مواقف حية ومؤثرة في الواقع المعاصر، تجمع بين القناعة الروحية والحرص على الهوية والاستمرارية.

