• 30 حزيران 2026
  • مقدسيات

 

القدس - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة

لم تكن القدس بالنسبة لي مجرد مدينة تتناقل أخبارها وسائل الإعلام أو تذكر في الكتب، بل هي حضور ثابت في الوجدان والذاكرة، تحمل في تفاصيلها تاريخا عميقا ورسالة حضارية وإنسانية. ومن هذا الإحساس، أحرص على متابعة ما ينشر عنها في المصادر الموثوقة، إيمانا بأن المعرفة الدقيقة هي الطريق لفهم واقعها وحماية ذاكرتها من التشويه أو التبسيط. وانطلاقا من هذا الاهتمام، قادني شغفي بالقدس إلى زيارة الموقع الرسمي للجنة الملكية لشؤون القدس، في تجربة معرفية وتأملية أتاحت لي الاطلاع على محتوى موثق ودراسات وتقارير تعكس واقع المدينة بأبعاده المختلفة وحولت هذه التجربة الى مقالة في " أخبار البلد" .

ومن منظور المعايشة والاهتمام الشخصي بقضية القدس، خصصت جزءا من وقتي يوم أمس لتصفح الموقع، وهو تابع للجنة أردنية رسمية مقرها العاصمة عمان، تأسست عام 1971، وتعنى بمتابعة أوضاع مدينة القدس، ونشر الوعي بأهمية قضيتها، وإبراز مكانتها العربية والإسلامية والمسيحية، إضافة إلى توثيق ما تشهده من تطورات وانتهاكات بشكل مستمر. ولم يكن دخولي إليه مجرد تصفح عابر، بل كان تجربة فكرية ووجدانية أعادت إلى ذهني صور القدس وأسواقها العتيقة وأحيائها التاريخية، حتى شعرت أنني أعيش نبض المدينة رغم أنني أتابعها عبر شاشة الحاسوب.

ومنذ اللحظات الأولى، لمست أن كل صفحة تحمل رسالة، وأن كل خبر يوثق جانبا من حياة مدينة استثنائية. فتنقلت بين النشرات اليومية والإصدارات الشهرية والدراسات والأبحاث والتقارير المتخصصة، ووجدت نفسي أقرأ بتأن، وكأنني أتجول في حارات البلدة القديمة، أستمع إلى أصوات المآذن وأجراس الكنائس، وأتأمل تاريخا لا يزال حيا في معالم المدينة. ولم أشعر أنني أمام موقع إخباري فحسب، بل أمام أرشيف حي يحفظ روح القدس وتفاصيلها. وقد ازداد إعجابي بما لمسته من دقة في التوثيق، وموضوعية في العرض، وحرص على تقديم المعلومات بأسلوب علمي رصين يستند إلى الوثائق والمراجع. وكان واضحا أن كل مادة منشورة تقف خلفها جهود بحثية كبيرة، مما عزز ثقتي بالمحتوى، ودفعني إلى مواصلة القراءة والتنقل بين أقسام الموقع للاستفادة من ثرائه المعرفي.

ومع استمرار التصفح، ازداد يقيني بأن القدس ليست مجرد مدينة ذات تاريخ عريق، بل قضية إنسانية وحضارية متجددة. فالموقع يقدم صورة متكاملة عن المدينة، فيتناول مقدساتها الإسلامية والمسيحية، ويرصد أوضاع سكانها، ويتابع مؤسساتها التعليمية والثقافية، ويوثق التحولات العمرانية، ويعرض القرارات التي تمس حاضرها ومستقبلها، مما يمنح القارئ رؤية متوازنة تستند إلى المعرفة والحقائق. ومن أكثر ما أثر في نفسي أن المحتوى لا يقتصر على نقل الوقائع، بل يسهم في صون الذاكرة المقدسية وحماية الهوية التاريخية. فكل تقرير أو دراسة أو وثيقة يحمل قيمة توثيقية، ويعكس رسالة وطنية وثقافية تهدف إلى حفظ الحقيقة ونقلها بأمانة إلى الأجيال القادمة. كما شدني الأسلوب المنهجي في عرض الأحداث وربطها بسياقاتها التاريخية، وهو ما ساعدني على فهم أعمق لتطورات القضية، وربط الماضي بالحاضر، واستيعاب الخلفيات التي تقف وراء كثير من الوقائع. ولم تكن القراءة مجرد متابعة للأخبار، بل تجربة عززت وعيي، ورسخت لدي قناعة بأن فهم القدس يحتاج إلى الرجوع للمصادر الموثوقة.

ولفت انتباهي أيضا التنوع الكبير في الدراسات والإصدارات التي تعالج القدس من زوايا قانونية وتاريخية وحضارية وثقافية وإنسانية، مما يعكس وعيا بأهمية الجمع بين الخبر والتحليل والبحث العلمي. كما أن الموقع يخاطب الباحث والأكاديمي والسياسي والقارئ العادي بلغة علمية رصينة، ويوفر لكل منهم مادة تثري المعرفة وتوسع آفاق الفهم. ومن الجوانب المميزة كذلك الاهتمام بتوثيق الندوات والمؤتمرات والفعاليات العلمية والثقافية المتعلقة بالقدس، وهو ما يعكس استمرارية العمل المؤسسي، ويؤكد أن خدمة المدينة لا تتحقق بالشعارات وحدها، وإنما بالعلم، والبحث، والتوثيق، ونشر المعرفة، وترسيخ الوعي. وقد خرجت من هذه التجربة وأنا أشعر بالاعتزاز بما يبذل من جهود مخلصة في خدمة القدس، وبمسؤولية أكبر تجاه الاطلاع على المصادر الموثوقة، لأن الوعي السليم يبدأ بالمعلومة الدقيقة، ويبتعد عن الأحكام المتسرعة والروايات غير الموثقة. لقد كانت هذه المعايشة الرقمية تجربة إنسانية ومعرفية عميقة، جددت ارتباطي بالقدس، ورسخت لدي قناعة بأن الحفاظ على تاريخها وذاكرتها مسؤولية مشتركة، وأن المؤسسات العلمية الجادة تؤدي دورا محوريا في صون الهوية وحماية الحقيقة.

وفي نهاية هذه التجربة، أدركت أن زيارة المواقع الرسمية المتخصصة في شؤون القدس ليست مجرد وسيلة للحصول على المعلومات، بل نافذة لفهم أعمق للمدينة وتاريخها وتحدياتها. كما ازددت اقتناعا بأن المعرفة القائمة على البحث العلمي والمصادر الموثوقة هي الأساس في بناء وعي مسؤول، وأن توثيق تاريخ القدس ليس مسؤولية المؤسسات وحدها، بل واجب كل باحث ومثقف ومهتم بهذه المدينة. وستبقى القدس، مهما تعاقبت الأحداث، منارة للحضارة والإنسانية، ومصدرا للإلهام، وحاضرة في الضمير والوجدان. وفي الختام، أتوجه بخالص الشكر والتقدير لأمين اللجنة العام السيد عبد الله كنعان، ولجميع العاملين فيها، تقديرا لجهودهم المستمرة في خدمة القدس، وتوثيق تاريخها ومعاناة سكانها، والإسهام في إبقاء قضيتها حاضرة في الوعي العربي والإسلامي والمسيحي.