• 21 تموز 2026
  • مقدسيات

 

القدس - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة :

 

حين تتجه الذاكرة إلى الحارات المقدسية القديمة، فإنها تستحضر الأبنية الحجرية والأزقة المتعرجة، إلى جانب البنية الاجتماعية التي تميز هذه الأحياء. كما تستحضر آثار الاحتلال التي تنعكس على الحياة اليومية، من خلال القيود المفروضة على السكان، والحواجز، والمداهمات، وسياسات التضييق التي تؤثر في الإنسان والمكان. ومع ذلك، تظل الحارة وحدة اجتماعية متماسكة، تقوم على علاقات الجوار والتواصل المباشر، حيث يعرف السكان بعضهم بعضا، ويتابعون شؤونهم اليومية. وقد أسهمت هذه العلاقات في تكوين ذاكرة اجتماعية مشتركة، حافظت على حضورها رغم محاولات الاحتلال التأثير في الهوية المجتمعية والنسيج الاجتماعي.

في هذه الحارات، يمثل التعاون أحد السمات الأساسية للحياة اليومية. فعند مرض أحد السكان، يبادر الجيران إلى زيارته وتقديم المساعدة، كما تتولى الأسر المجاورة توفير احتياجاته عند الضرورة. وإذا غابت إحدى الأسر عن منزلها، يتابع الجيران شؤون البيت إلى حين عودتها. وفي ظل الاحتلال، تزداد أهمية هذه الممارسات، إذ تؤدي دورا في تعزيز التماسك الاجتماعي ومساندة السكان في مواجهة التحديات اليومية.

وتؤدي النساء دورا محوريا في الحفاظ على العلاقات الاجتماعية داخل الحارة. فلا تقتصر لقاءاتهن على تبادل احتياجات المنزل، بل تشمل التعاون في إعداد الطعام، وتنظيم المناسبات، وتبادل الخبرات المتعلقة بالحياة اليومية وتربية الأبناء. وتسهم هذه اللقاءات في دعم العلاقات بين الأسر وتعزيز الترابط الاجتماعي، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يفرضها الاحتلال.

أما الأطفال، فيشكلون حضورا دائما في فضاء الحارة، حيث تمثل الأزقة أماكن للعب والتفاعل الاجتماعي، بينما تؤدي البيوت المتجاورة دورا في متابعة الأطفال ورعايتهم بصورة جماعية. إلا أن الاحتلال يؤثر في هذه البيئة أيضا، نتيجة المداهمات والإجراءات الأمنية التي تحد من حركة الأطفال وتؤثر في أنشطتهم اليومية.

ومع اقتراب المساء، تشهد الحارة تجمعات يومية يجلس خلالها الرجال أمام البيوت لتبادل الأخبار، بينما يروي كبار السن حكايات المدينة وتجاربها للأجيال الجديدة. وتسهم هذه اللقاءات في نقل المعرفة الاجتماعية والتاريخية، والحفاظ على الرواية الشفوية باعتبارها أحد عناصر الذاكرة الجماعية في القدس.

ولا تخلو الحياة اليومية من المواقف الطريفة التي تتحول مع مرور الوقت إلى حكايات متداولة بين السكان. كما تشكل المناسبات الاجتماعية، مثل الأعراس والأعياد، مناسبات لتعزيز العلاقات بين الأسر، في حين تظهر مظاهر التكافل بصورة واضحة خلال حالات المرض أو الوفاة، من خلال تقديم المساعدة وتنظيم شؤون العائلات المتضررة.

ورغم التحولات التي تشهدها المدينة، وتسارع وتيرة الحياة، واستمرار الاحتلال في سياساته التي تستهدف المكان والإنسان، بما يشمل مصادرة الأراضي، وهدم المنازل، والتضييق على السكان، ومحاولات تغيير الطابع التاريخي للقدس، فإن الحارات المقدسية تواصل الحفاظ على كثير من خصائصها الاجتماعية. وما تزال علاقات الجوار، والتعاون، والتكافل، ونقل الرواية الشفوية، تمثل عناصر أساسية في الحفاظ على الهوية الاجتماعية والثقافية للمدينة، بما يعزز استمرارية المجتمع المقدسي في مواجهة التحولات التي يشهدها.