• 23 تموز 2026
  • مقدسيات

 

 القدس - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة

مع حلول ذكرى تخريب الهيكل لدى اليهود، اقتحمت مسيرات يهودية الحرم القدسي الشريف بمشاركة أعداد وصلت إلى عدة آلاف، وعاشت البلدة القديمة في القدس يوما ثقيلا ومختلفا عن أيامها المعتادة، امتزج فيه القلق بالتوتر، وتراجعت أصوات الحياة اليومية أمام أصوات المسيرات والهتافات، وسط انتشار أمني مكثف وإجراءات مشددة غيرت ملامح المكان. فمنذ ساعات الصباح الأولى، بدا واضحا أن المدينة تستعد ليوم استثنائي، حيث تحولت الأزقة التي اعتادت أن تعج بحركة السكان والتجار والزوار إلى فضاءات يسودها الحذر والترقب.

ومن موقع المعايشة اليومية، يشعر سكان البلدة القديمة بأن هذه المناسبات لا تمر عليهم كأحداث عابرة، بل تترك آثارا مباشرة في تفاصيل حياتهم. ففي الوقت الذي ينظر إليها المشاركون فيها من زاوية دينية وتاريخية، يعيشها السكان العرب، مسلمين ومسيحيين، باعتبارها يوما مثقلا بالقلق والخوف، لما تفرضه من قيود على حركتهم، وتأثيرات على أعمالهم وأرزاقهم، ومخاوف على أمن عائلاتهم وطمأنينة أطفالهم داخل منازلهم.

منذ ساعات الفجر، بدأت آثار الإجراءات الأمنية تظهر في مختلف أنحاء البلدة القديمة، مع إغلاق بعض المداخل، ونشر الحواجز، وتشديد القيود على حركة السكان والزوار. بدت الأزقة الضيقة وكأنها محاصرة بين الانتظار والقلق، فيما أغلقت العديد من المحال التجارية أبوابها، إما استجابة للتعليمات الأمنية أو خشية اندلاع مواجهات، ليجد التجار أنفسهم أمام خسائر جديدة تضاف إلى ظروف اقتصادية صعبة يعيشونها أصلا.

ورغم الانتشار الأمني الواسع، لم يشعر كثير من السكان بالحماية، خاصة بعد وقوع اعتداءات من قبل مستوطنين على عدد من الأهالي، وهو ما ترك لديهم شعورا عميقا بالمرارة والإحباط، وعزز لديهم الإحساس بأنهم يواجهون هذه الأيام الصعبة بقدرة محدودة على حماية أنفسهم وممتلكاتهم.

وعلى المستوى الإنساني والنفسي، يعيش أبناء البلدة القديمة حالة مستمرة من التأهب والحذر، فمثل هذه الأيام تستحضر في ذاكرتهم مشاهد متكررة من التوتر حول المقدسات، ومحاولات تغيير طبيعة المدينة التي تمثل بالنسبة لهم أكثر من موقع جغرافي. فالبيت والدكان والزقاق والحجر تحمل معاني الانتماء والذاكرة، ولذلك فإن أي حالة توتر تنعكس مباشرة على شعورهم بالأمان وعلى علاقتهم اليومية بمكانهم.

كما تترك هذه الأحداث آثارا اقتصادية واجتماعية واضحة، إذ تتراجع حركة الأسواق، ويتردد الزوار في الوصول إلى البلدة القديمة، ويتكبد أصحاب المحال خسائر إضافية، في وقت يعتمد فيه كثير من السكان على النشاط التجاري والسياحي كمصدر أساسي للدخل. ومع تكرار هذه المشاهد، تتزايد الضغوط على العائلات المقدسية التي تحاول الحفاظ على استقرار حياتها وسط ظروف استثنائية.

ولا تبقى تداعيات ما يجري محصورة داخل أسوار البلدة القديمة، بل تمتد إلى خارجها، فتجدد الاهتمام الاقليمي والدولي بحساسية الوضع في القدس وضرورة الحفاظ على مكانتها الدينية والتاريخية واحترام الوضع القائم في الحرم القدسي الشريف. وبينما تقدم السلطات الإسرائيلية هذه الفعاليات باعتبارها ممارسة دينية، يرى كثير من المراقبين أنها تحمل أبعادا سياسية تتجاوز الشعارات المعلنة، وتسهم في زيادة التوتر في مدينة شديدة الحساسية.

وفي نهاية هذا اليوم، تبقى البلدة القديمة شاهدة على واقع معقد، حيث يدفع سكانها ثمن التوتر من راحتهم وأمنهم وأرزاقهم، لكنهم في الوقت نفسه يواصلون التمسك بحياتهم اليومية وبحقهم في البقاء في مدينتهم. فالقدس بالنسبة لهم ليست مجرد مكان، بل ذاكرة وهوية وبيت، والحفاظ عليها لا يكون بتحويلها إلى ساحة صراع دائم، بل بصون قدسيتها واحترام الإنسان الذي يعيش فيها.