- 26 تموز 2026
- مقدسيات
القدس - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة:
تشهد مدينة القدس خلال السنوات الأخيرة ارتفاعا ملحوظا في معدلات الطلاق، في ظاهرة لم تعد تمثل شأنا عائليا يقتصر أثره على الزوجين، بل أصبحت قضية اجتماعية تمس استقرار الأسرة وتماسك المجتمع ومستقبل الأجيال. ورغم أن الاحتلال ليس السبب الوحيد وراء تزايد حالات الطلاق، فإنه يشكل عاملا ضاغطا يفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي تعاني منها الأسرة المقدسية. فالأسرة هي النواة الأساسية للمجتمع، وكل تصدع يصيبها ينعكس على الأبناء، ويضعف الروابط الاجتماعية، ويؤثر في قدرة المجتمع على الحفاظ على تماسكه، خاصة في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي تعيشها المدينة.
وتشير البيانات إلى تصاعد مقلق في معدلات الطلاق، ولا سيما بين الأزواج في السنوات الأولى من الزواج، وهي المرحلة التي يفترض أن تشهد بناء الثقة والاستقرار وتأسيس أسرة قادرة على مواجهة متطلبات الحياة. فقد بلغ عدد حالات الزواج في عام 2025 نحو 1748 حالة بنسبة 62.6%، مقابل 1045 حالة طلاق بنسبة 37.4% من إجمالي الحالتين. ولا تعكس هذه الأرقام مجرد إحصاءات، بل تكشف عن واقع اجتماعي يستدعي دراسة أسبابه بعمق، ووضع سياسات وبرامج تحد من تفاقمه وتحافظ على استقرار الأسرة.
وترتبط حالات الطلاق بمجموعة من العوامل المتداخلة التي يتفاعل بعضها مع بعض، من أبرزها ارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة توفير السكن، وتراجع فرص العمل، والضغوط الاقتصادية التي تثقل كاهل الأزواج، إلى جانب ضعف الحوار والتواصل بين الزوجين، وعدم تفهم كل طرف لمشاعر الآخر واحتياجاته، وتدخل الأهل في الحياة الزوجية، وضعف التأهيل والإرشاد قبل الزواج، والزواج المبكر، وسوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وما قد ينجم عن ذلك من خلافات متكررة، وتصاعد مظاهر العنف اللفظي والجسدي، وتآكل الثقة بين الزوجين. كما تسهم الضغوط النفسية، وتغير منظومة القيم الاجتماعية، وتراجع ثقافة الصبر والتسامح، وضعف مهارات إدارة الخلافات بالحوار، وغياب ثقافة التنازل والتفاهم، في زيادة احتمالات الانفصال وتفكك الأسرة.
وتتفاقم هذه العوامل في القدس بفعل السياسات والإجراءات التي يفرضها الاحتلال، والتي تؤثر بصورة مباشرة وغير مباشرة في الحياة اليومية للأسر. فارتفاع تكاليف السكن، والقيود على البناء، وصعوبة الحصول على التراخيص، وتراجع الفرص الاقتصادية، والحواجز التي تعيق حرية الحركة، وما تسببه من استنزاف للوقت والجهد، إلى جانب الشعور المستمر بعدم اليقين والقلق على المستقبل، كلها عوامل تضاعف الضغوط الواقعة على الأزواج، وتحد من قدرتهم على احتواء الخلافات، كما تؤخر زواج كثير من الشباب أو تدفعهم إلى بدء حياتهم الزوجية في ظروف معيشية صعبة، مما يؤثر في استقرار الأسرة.
ولا تقف آثار الطلاق عند حدود الزوجين، بل تمتد بصورة مباشرة إلى الأبناء الذين يعدون الأكثر تضررا. فالطفل الذي ينشأ في بيئة يسودها الخلاف أو الانفصال قد يفقد شعوره بالأمان والاستقرار، ويصبح أكثر عرضة للمشكلات النفسية والسلوكية، وتراجع التحصيل الدراسي، وضعف الثقة بالنفس، وصعوبة بناء علاقات اجتماعية سليمة في المستقبل. كما يؤدي الطلاق إلى إضعاف الروابط العائلية، وزيادة الأعباء المادية والنفسية، وارتفاع احتمالات الفقر والهشاشة الاجتماعية، خاصة في الأسر التي تعيلها امرأة أو تضم عددا من الأطفال.
ولا تقتصر تداعيات الطلاق على الأسرة، بل تمتد إلى المجتمع المقدسي بأسره، حيث تسهم في إضعاف التماسك الاجتماعي، وارتفاع معدلات التفكك الأسري، وزيادة الحاجة إلى خدمات الإرشاد الأسري والدعم النفسي والرعاية الاجتماعية، فضلا عن تأثيرها في تنشئة الأطفال والشباب. كما أن تفكك الأسرة يضعف قدرتها على أداء دورها التربوي والتنموي، ويؤثر في استقرار المجتمع وقدرته على مواجهة التحديات.
وتتطلب مواجهة هذه الظاهرة تبني رؤية وقائية شاملة تقوم على تعزيز ثقافة الحوار والاحترام المتبادل داخل الأسرة، وتطوير برامج التأهيل والإرشاد للمقبلين على الزواج، وتوفير خدمات الاستشارة الأسرية في المراحل الأولى من الخلافات، وتقديم الدعم الاقتصادي والنفسي للأسر الشابة، إلى جانب إطلاق مبادرات مجتمعية تعزز قيم التماسك الأسري. كما يبرز دور المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني في نشر الوعي بأهمية الأسرة، وترسيخ قيم المسؤولية والتسامح، وتنمية مهارات إدارة الخلافات، والعمل على توفير سياسات اجتماعية واقتصادية تخفف الأعباء عن الأسرة المقدسية وتعزز قدرتها على الصمود.
في المحصلة، لا يعد الحفاظ على استقرار الأسرة في القدس قضية اجتماعية فحسب، بل هو ركيزة أساسية لصمود المجتمع وحماية هويته. فالأسرة المتماسكة هي الحاضنة الأولى للقيم والانتماء، والاستثمار في استقرارها هو استثمار في مستقبل القدس. ورغم أن الطلاق قد يكون حلا ضروريا في بعض الحالات، فإنه ينبغي أن يبقى الخيار الأخير بعد استنفاد جميع وسائل الإصلاح والحوار، حفاظا على مصلحة الأبناء، وتعزيزا لتماسك الأسرة واستقرار المجتمع.

