• 27 تموز 2026
  • مقدسيات

القدس  - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة

 

قبل عرض السيناريوهات المحتملة، تجدر الإشارة إلى أن الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس، تشهد تصعيدا غير مسبوق في العنف الاستيطاني، الذي تحول من اعتداءات فردية إلى سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، وتوسيع الاستيطان، وإضعاف الوجود الفلسطيني ودفع السكان نحو النزوح التدريجي.

ومنذ السابع من أكتوبر 2023، تجاوزت اعتداءات المستوطنين في بعض الفترات ثماني هجمات يوميا، وشملت القتل، وإحراق المنازل والمحاصيل، والاعتداء على المزارعين، وإغلاق الطرق، ومنع الوصول إلى الأراضي، بما ألحق أضرارا جسيمة بمصادر الرزق. ويأتي ذلك ضمن مشروع يهدف إلى ترسيخ السيطرة الإسرائيلية وتقويض فرص قيام دولة فلسطينية، في ظل محدودية الردع واستمرار الإفلات من العقاب. وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الضفة الغربية، يتوقف تحققها على تطورات الأوضاع المحلية والإقليمية والدولية، ومدى فاعلية المجتمع الدولي في وقف التصعيد.

يمثل السيناريو الاول التهجير الخفي والضم التدريجي المسار الأكثر ترجيحا في ظل استمرار السياسات الحالية. فهو لا يقوم على عمليات تهجير جماعي مفاجئة، وإنما يعتمد على استنزاف الفلسطينيين تدريجيا من خلال منظومة متكاملة من الضغوط الأمنية والاقتصادية والإدارية. ويهدف المستوطنون، بدعم مباشر أو غير مباشر من جيش الاحتلال، إلى خلق بيئة قسرية تجعل البقاء في العديد من المناطق عبئا يفوق قدرة السكان على الاحتمال. وتتجسد هذه السياسة في إحراق المحاصيل الزراعية، وتدمير المنازل والمركبات، والاعتداء على السكان، وسرقة المواشي، وإغلاق المراعي والطرق الزراعية، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، بما يقوض مصادر الدخل التقليدية، ولا سيما في المناطق الفلسطينية المصنفة ج. ولم تقتصر الخسائر على الممتلكات، بل امتدت إلى الأرواح، إذ قتل منذ أكتوبر 2023 وحتى نوفمبر 2025 أكثر من ألف فلسطيني في الضفة الغربية، بينهم مئات الأطفال. وتتزامن هذه الاعتداءات مع حملة واسعة لهدم المنازل، ورفض تراخيص البناء، وتشديد القيود على الحركة عبر أكثر من ألف ومئة حاجز عسكري، الأمر الذي أدى إلى نزوح آلاف الفلسطينيين من مناطقهم، خاصة التجمعات البدوية والرعوية. وفي الوقت نفسه، يشهد المشروع الاستيطاني توسعا غير مسبوق من خلال إنشاء مستوطنات جديدة وشرعنة البؤر الاستيطانية وربطها بشبكات الطرق والخدمات، بما يؤدي إلى تفتيت الجغرافيا الفلسطينية وتحويل المدن والقرى الفلسطينية إلى جيوب معزولة داخل فضاء تهيمن عليه المستوطنات. ويؤدي استمرار هذا السيناريو إلى تقويض حل الدولتين عمليا، وتحويل الاحتلال المؤقت إلى واقع دائم، مع ترسيخ نظام يقوم على السيطرة المكانية والديمغرافية طويلة الأمد.

اما السيناريو الثاني، فيتمثل في تصاعد المقاومة الشعبية واتساع دائرة المواجهة. فإذا استمرت اعتداءات المستوطنين بالمعدلات الحالية، أو انهارت السلطة الفلسطينية وفقدت قدرتها على القيام بوظائفها الامنية والادارية، فقد تشهد الضفة الغربية موجة جديدة من الاحتجاجات والمقاومة الشعبية، قد تتطور إلى انتفاضة واسعة النطاق. وتشير مؤشرات عديدة إلى تنامي المبادرات المحلية لحماية القرى والتجمعات الفلسطينية من خلال تشكيل لجان الحراسة وتعزيز العمل التطوعي، في ظل شعور متزايد بان الجيش الاسرائيلي لا يوفر الحماية للفلسطينيين، بل يؤمن الغطاء لتحركات المستوطنين. كما يرجح ان يؤدي استمرار الاعتداءات واتساع نطاقها إلى زيادة الاحتكاك اليومي بين الفلسطينيين والمستوطنين، بما يرفع احتمالات اندلاع مواجهات اوسع.

ومع ذلك، ينطوي هذا السيناريو على مخاطر كبيرة، في ظل التفوق العسكري الاسرائيلي، واستمرار الانقسام السياسي الفلسطيني، وتراجع الاهتمام الدولي نتيجة انشغال العالم بأزمات وصراعات اخرى. كما ان غياب قيادة فلسطينية موحدة وقادرة على توجيه المقاومة قد يؤدي إلى تشتت اشكالها، ويوفر لإسرائيل مبررات لتوسيع عملياتها العسكرية وتشديد اجراءاتها الامنية، الامر الذي يفاقم معاناة السكان المدنيين ويزيد من حالة عدم الاستقرار في الضفة الغربية.

يمثل السيناريو الثالث، والمتمثل في الضم الرسمي وإعادة تشكيل النظام السياسي، المرحلة الأكثر خطورة، إذ تنتقل إسرائيل من سياسة الضم بحكم الأمر الواقع إلى الضم الرسمي عبر تشريعات يقرها الكنيست، بما يحول السيطرة العسكرية المؤقتة إلى سيادة قانونية إسرائيلية على أجزاء واسعة من الضفة الغربية. وفي حال تحقق هذا السيناريو، ستواجه السلطة الفلسطينية أزمة وجودية قد تدفعها إلى إعادة تعريف دورها، أو حتى حل نفسها، مما سيؤدي إلى فراغ إداري وأمني واسع النطاق. كما سيزيد الضم من الضغوط المفروضة على الفلسطينيين، ولا سيما في المناطق المصنفة ج، مع تزايد احتمالات النزوح الداخلي أو الهجرة الخارجية نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية والأمنية. ولن تقتصر تداعيات هذا السيناريو على الفلسطينيين وإسرائيل، بل ستمتد إلى الإقليم بأسره، إذ قد تؤثر في مستقبل العلاقات الإقليمية، وترفع من احتمالات التوتر مع الدول المجاورة، كما ستضع المجتمع الدولي أمام تحديات قانونية وسياسية تتعلق بمستقبل الأراضي المحتلة، وبمبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات على الاستقرار الإقليمي وفرص التوصل إلى تسوية سياسية مستدامة.

من منظور فلسطيني، لم تعد هذه السيناريوهات مجرد افتراضات، بل مسارات تتجسد على أرض الواقع مع كل اعتداء استيطاني وكل توسع جديد. ويعكس استمرار العنف، في ظل الدعم الرسمي وضعف الردع الدولي، اتجاها نحو ترسيخ السيطرة الإسرائيلية وتقويض فرص حل الدولتين. وفي حال غياب تدخل دولي فاعل يضمن حماية المدنيين وتطبيق القانون الدولي، فإن الضفة الغربية تتجه نحو مزيد من عدم الاستقرار، بما يهدد فرص التوصل إلى سلام عادل ودائم.