- 30 تموز 2026
- مقدسيات
القدس - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة:
تعيش مناطق واسعة من الضفة الغربية واقعا يوميا تتداخل فيه الحياة الزراعية مع تحديات تمس الإنسان والأرض، حيث تتواصل اعتداءات المستوطنين على أشجار الزيتون والمحاصيل والمواشي والمنازل الفلسطينية بحماية جيش الاحتلال. ولا تقتصر آثار هذه الاعتداءات على الخسائر الاقتصادية، بل تمتد إلى تقويض شعور المزارعين بالأمان والاستقرار وإضعاف تماسك المجتمعات الريفية. فالزراعة ليست مجرد مصدر للرزق، بل تمثل هوية وذاكرة وانتماء متجذرا بالأرض، فيما يؤدي استهدافها إلى تهديد مصادر العيش وتعميق مشاعر القلق تجاه المستقبل.
وكما قال احد المزارعين ل " أخبار البلد" عندما يستيقظ المزارع ليجد أشجار الزيتون التي ورثها عن والده أو جده وقد اقتلعت أو أحرقت، فإنه لا يشعر بأنه فقد أشجارا فحسب، بل يشعر وكأن جزءا من تاريخ عائلته وذاكرته قد انتزع من جذوره. فهذه الأشجار ليست مجرد محصول زراعي، وإنما سجل حي لذاكرة المكان ارتبط بمواسم القطاف وقصص الأجداد وسنوات طويلة من التعب والصبر، لذلك تتحول خسارتها إلى جرح إنساني يتجاوز قيمتها المادية.
ولا تتوقف المعاناة عند الأشجار، إذ تتعرض المحاصيل الزراعية للإتلاف أو الحرق، فتضيع أشهر طويلة من العمل في وقت قصير. ويجد المزارع نفسه مجبرا على البدء من الصفر في ظل ظروف اقتصادية قاسية، وارتفاع مستمر في تكاليف الإنتاج، وغياب فرص التعويض عن الخسائر، مما ينعكس على دخل الأسرة وقدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية. كما تمثل سرقة ثمار الزيتون ضربة موجعة، خاصة أن موسم القطاف يشكل مناسبة اقتصادية واجتماعية تجمع أفراد العائلة في الحقول. غير أن الخوف من الاعتداءات وسرقة الثمار يحول هذا الموسم إلى فترة يسودها القلق والترقب، ويفقده كثيرا من أجواء الفرح.
وتزداد قسوة التجربة عندما تمتد الاعتداءات إلى المواشي، سواء بسرقتها أو قتلها أو إصابتها، إذ تعتمد عليها عشرات الأسر كمصدر رئيسي للدخل. ولا تؤدي خسارتها إلى فقدان مورد اقتصادي فحسب، بل تهدد استقرار الأسرة وتزيد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
أما مهاجمة المنازل والممتلكات وإحراقها فتترك آثارا تتجاوز حدود البناء، فالمنزل يمثل مساحة للأمان والذكريات. وعندما يتعرض للاعتداء، يعيش أفراده، وخاصة الأطفال، حالة من الخوف المستمر تؤثر في حياتهم اليومية وشعورهم بالاستقرار.
وتبين معايشة هذه الأحداث أن الخسائر النفسية والاجتماعية تبقى أكثر عمقا من الخسائر المادية. فالإحساس الدائم بالتهديد والخوف على الأرض ومصدر الرزق يثقل حياة الناس، ويؤثر في صحتهم النفسية، ويجعل كثيرا من الأنشطة الزراعية مرتبطة بالحذر أكثر من الطمأنينة.
وفي المقابل، تدفع هذه الظروف الأهالي إلى تعزيز التضامن فيما بينهم، وإعادة زراعة الأشجار المتضررة، وإصلاح ما يمكن إصلاحه من الممتلكات. ورغم تكرار الاعتداءات، يواصل كثير من المزارعين العودة إلى حقولهم وغرس الأشجار والعناية بأرضهم، انطلاقا من علاقة عميقة بالأرض تتجاوز المنفعة الاقتصادية، وتجعل من الزراعة عنوانا للصمود والانتماء.
وفي النهاية، يتضح أن استهداف الأشجار والمحاصيل والمواشي والمنازل لا يقتصر على إلحاق الضرر بالممتلكات، بل يمتد أثره إلى مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والنفسية. ومن منظور معايش، تمس هذه الاعتداءات علاقة الإنسان بأرضه وذاكرته ومصدر رزقه، لكنها في الوقت نفسه تعكس عمق ارتباط المزارعين بأرضهم وإصرارهم على مواصلة الحياة والتمسك بها رغم قسوة الظروف.

