- 1 آب 2026
- مقدسيات
القدس - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة :
أكد سمو الأمير الحسن بن طلال، رئيس منتدى الفكر العربي ورئيس مجلس أمناء مركز الحسن بن طلال لدراسات القدس، في كلمته خلال افتتاح مؤتمر مؤرخو القدس (2)، أن القدس ستظل راسخة ومتجذرة في ضمير الأمة، وأن مسؤولية الجميع تتمثل في تعزيز صمود أهلها، وصون تاريخها، وحماية هويتها، ودعم المقدسيين الذين يشكلون نبضها وروحها الحية. وتعكس هذه الكلمات رؤية حضارية وإنسانية عميقة، تنظر إلى القدس بوصفها أكثر من مدينة، فهي ذاكرة أمة، ورمز للإيمان والانتماء، وملتقى للحضارات، وجسر يصل الماضي بالحاضر والمستقبل، حاملا رسالتها إلى الأجيال القادمة، لتظل منارة للكرامة والتعايش والأمل.
ولعل المدخل الأهم لفهم هذه الرؤية يتمثل في مفهوم المعايش، الذي شكل عبر القرون جوهر هوية القدس وروحها. فالقدس لم تكن في يوم من الأيام مجرد مساحة جغرافية تتجاور فيها المقدسات، وإنما كانت مدينة تنبض بالحياة، وتحتضن الإنسان قبل الحجر، وتفتح أبوابها للتنوع الديني والثقافي والحضاري، حتى أصبحت نموذجا فريدا للعيش المشترك، يقوم على الاحترام المتبادل والتكافل الاجتماعي والشعور العميق بوحدة المصير.
وفي القدس يقف الحرم القدسي الشريف وكنيسة القيامة على مسافة لا تتجاوز عشرات الأمتار، في مشهد يأسر الوجدان قبل أن يلفت البصر، ويجسد التلاقي الروحي بين الإسلام والمسيحية، ويؤكد أن المدينة قامت على الحوار لا على الإقصاء، وعلى التعارف لا على الصدام. ولم يكن هذا القرب المكاني وليد المصادفة، بل ثمرة تاريخ طويل من التفاعل الإنساني، عاش خلاله المسلمون والمسيحيون جيرانا وأصدقاء، يتقاسمون الأفراح والأحزان، ويتعاونون في مواجهة الشدائد، حتى غدت الشخصية المقدسية مرآة لهذا التآلف الإنساني النادر.
ورغم ما فرضه الاحتلال الإسرائيلي من سياسات استهدفت تفكيك النسيج الاجتماعي، وإضعاف الهوية الوطنية، وفرض واقع جديد على المدينة، فإنها لم تستطع أن تنتزع من المقدسيين محبتهم لمدينتهم، ولا أن تضعف روح الانتماء في قلوبهم. بل إن المعاناة اليومية زادتهم إيمانا بأن القدس ليست حجارة وأسوارا فحسب، وإنما هي الإنسان الذي يسكنها، ويحمل مفاتيح ذاكرتها، ويحفظ تراثها، ويروي لأبنائه حكاياتها جيلا بعد جيل.
إن المعايش في القدس ليس حلما رومانسيا ولا شعارا يرفع في المناسبات، وإنما حقيقة صنعتها حياة الناس، ورسختها التجارب، وصقلتها التضحيات. فقد بقيت العلاقات الإنسانية بين أبناء المدينة أقوى من كل محاولات التقسيم، واستمر الشعور بالانتماء المشترك حارسا لوحدة المجتمع المقدسي، يؤكد أن التنوع كان دائما مصدر غنى وإبداع، لا سببا للفرقة أو الانقسام.
ومن هنا تتجاوز رؤية الأمير الحسن الحديث عن المقدسات باعتبارها حجارة أو مباني تاريخية، لتؤكد أن قدسية المكان تكتمل بالإنسان الذي يعمره ويحميه ويمنحه الحياة. فالمسجد الأقصى والكنائس والمقامات ليست مجرد معالم أثرية، بل فضاءات تنبض بالإيمان، وتستمد حياتها من أصوات المصلين، وخطوات الزائرين، وصمود أهل القدس الذين يتمسكون بحقهم في البقاء فوق أرضهم، رغم ما يواجهونه من ضغوط سياسية واقتصادية واجتماعية. ولا يقتصر تعزيز صمود المقدسيين على توفير الدعم المالي أو الخدمات الأساسية، بل يمتد إلى حماية التعليم، وصون المؤسسات الثقافية، ودعم القطاع الصحي، وتمكين الشباب، ورعاية الأسرة المقدسية، لأن الإنسان الذي يشعر بالأمن والكرامة هو الأقدر على حماية مدينته والدفاع عن هويتها. فصمود القدس يبدأ من صمود أبنائها، واستمرار نبضها مرهون ببقاء أهلها متجذرين في أرضهم، مؤمنين بحقهم، ومتمسكين بأملهم.
وفي هذا السياق تبرز مبادرة سمو الأمير الحسن بتأسيس الوقفية الهاشمية للقدس، باعتبارها خطوة عملية تجسد هذه الرؤية، وتجدد العهد التاريخي في حماية الإنسان والهوية والمقدسات. فالوقفية الهاشمية ليست مجرد إطار قانوني أو إداري، بل رسالة وفاء ومسؤولية أخلاقية، تستند إلى الوصاية الهاشمية ذات الشرعية الدينية والتاريخية والقانونية، وتسعى إلى دعم المقدسيين، والمساهمة في ترميم منازلهم، والحفاظ على الطابع العمراني للمدينة، وصون هويتها الثقافية والدينية في مواجهة محاولات التغيير والطمس.
وتؤكد هذه المبادرة أن حماية القدس ليست مسؤولية المؤسسات الرسمية وحدها، وإنما مسؤولية جماعية تتطلب مشاركة العلماء والمثقفين والجامعات ووسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني، إلى جانب أبناء الأمة كافة، لأن القدس لا يحميها خطاب عابر، وإنما يحميها عمل متواصل، وإرادة صادقة، وإيمان راسخ بعدالة قضيتها.
وكما أكد سمو الأمير الحسن، فإن جوهر مشروع القدس في الضمير يتمثل في الإنسان العربي الفلسطيني المقدسي، الذي يواجه تحديات الحياة اليومية داخل المدينة، ويتمسك بهويتها، ويدافع عنها رغم الضغوط والسياسات التي تستهدف وجوده وانتماءه. فالإنسان المقدسي هو الحارس الحقيقي للمقدسات، وهو الذي يمنح القدس معناها، ويصون هويتها الحضارية، ويحفظ رسالتها التاريخية والإنسانية، لتبقى حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي والإنساني جيلا بعد جيل. وكل بيت يصمد، وكل طفل يذهب إلى مدرسته، وكل تاجر يفتح متجره، وكل مصل يرفع الدعاء في أروقة المدينة، هو شهادة حية على أن القدس لا تزال تنبض بالحياة رغم كل ما يحيط بها.
وفي كلمته دعا الأمير الحسن إلى بناء الجسور وهدم الحواجز بين الثقافات والشعوب، محذرا من مخاطر الطائفية والتجزئة، وداعيا إلى الانتقال من ثقافة القطيعة إلى ثقافة الوصل، ومن ردود الأفعال إلى المبادرة والعمل المشترك. وهذه الدعوة تنسجم تماما مع مفهوم المعايش، الذي يقوم على توسيع مساحات الاتفاق، واحترام الاختلاف، والإيمان بأن التنوع مصدر للإبداع والتكامل، لا مدخل للصراع والانقسام.
فالقدس تعلم الإنسانية أن الاختلاف لا يمنع اللقاء، وأن تنوع العقائد والثقافات لا يلغي وحدة المشاعر الإنسانية. وهي تذكر العالم بأن الكرامة لا تتجزأ، وأن العدالة لا تعرف دينا أو عرقا، وأن الإنسان يبقى القيمة العليا التي تلتقي عندها الرسالات السماوية جميعا.
وفي هذا الإطار، فإن الحفاظ على الذاكرة المقدسية لا يقل أهمية عن حماية الحجر، لأن الرواية التاريخية تشكل أحد أهم عناصر الهوية. ولذلك فإن توثيق تاريخ القدس، وصيانة تراثها الثقافي، وتشجيع البحث العلمي، ودعم الدراسات المتخصصة، ليست مجرد أعمال أكاديمية، بل هي واجب أخلاقي تجاه مدينة قدمت للعالم دروسا في الإيمان والصبر والتعايش.
في الختام، تؤكد رؤية سمو الأمير الحسن بن طلال أن القدس ليست مجرد قضية سياسية، بل مدينة تختزن تاريخ الأمة وضميرها ووجدانها. فالحفاظ عليها لا يتحقق بالشعارات وحدها، وإنما بدعم الإنسان المقدسي، وصون هويته، وترسيخ ثقافة التعايش التي شكلت جوهر رسالتها عبر العصور. وستبقى القدس رمزا للحياة والكرامة، وملتقى للحضارات، وشاهدا على أن العدالة والإنسانية والعيش المشترك هي السبيل إلى مستقبل أكثر أمنا وسلاما.

