- 23 آب 2026
- مقدسيات
القدس من الداخل
بقلم :مالك زبلح *
يسعدنا في شبكة " أخبار البلد" المقدسية ان نعلن ان الكاتب المقدسي النشيط " مالك زبلح" قد بدأ بكتابة سلسلة من المقالات تحمل عنوان " القدس من الداخل" يتناول فيها القدس كما لم نعرفها في جميع أوقاتها واحوالها .
وسنقوم بنشر مقالاته أسبوعيا، على امل ان نكون قد ساهمنا بتعزيز الوجود المقدسي في الوعي والذاكرة العربية والإسلامية والمسيحية في كل أنحاء العالم ، وأن نبعث الأمل في المستقبل وفي الأجيال القادمة طالما ان هناك من يعشق القدس .
يستيقظ باب العامود قبل أن تستقر الشمس فوق أسوار القدس. يرفع تاجر باب متجره المعدني، ويرتب آخر أكياس الزعتر وصفوف الكعك قرب الطريق. يعبر طلبة يحملون حقائبهم، ويمضي عمال نحو أماكن عملهم، فيما تختلط رائحة الخبز والقهوة بأصوات الباعة وخطوات القادمين من شارع السلطان سليمان. خلال دقائق، تتحول الساحة إلى نقطة تلتقي فيها طرق المدينة ووجوهها. يدخل بعض العابرين البلدة القديمة ويخرج آخرون منها، ويحافظ المكان على إيقاع يعرفه المقدسيون من دون حاجة إلى وصفه. فأين نجد حقيقة القدس: في الصورة التي يشاهدها العالم من بعيد، أم في التفاصيل التي يصنع بها أهلها حياة المدينة كل يوم؟
مدينة أكبر من صورتها
تظهر القدس في الخطاب العام مدينة مقدسات وأسوار وقرارات سياسية وصراع متواصل على الأرض والهوية. تحمل هذه الأبعاد وزناً أساسياً في فهم واقعها، ويظل المشهد ناقصاً حين يتراجع الإنسان الذي يفتح المتجر، ويقود الحافلة، ويرافق طفله إلى المدرسة، ويبحث عن مكان يلتقي فيه بأصدقائه. وحين تُختصر القدس في قبة وحائط وبوابة، تبدو ثابتة خارج الزمن، مع أن معناها يتشكل كل يوم من حركة أهلها وعلاقاتهم والهوامش التي تتحرك فيها خياراتهم. لذلك تبدأ قراءتها من الاقتراب من الإنسان الذي يمنح الحجر رمزيته، والطريق ذاكرة، والمكان اسماً حياً.
الحياة اليومية مفتاحاً للمدينة
تكشف التفاصيل اليومية تحولات قد تتأخر البيانات الرسمية في تسجيلها. يروي الطريق إلى المدرسة شيئاً عن الأمان والحركة، ويكشف متجر أُغلق مبكراً أثر الركود والخوف، ويشير مقهى فقد رواده إلى تبدل العلاقات الاجتماعية. ويسجل الطالب الذي يبدأ يومه من كفر عقب أثر الحاجز في ساعة خروجه وموعد وصوله ومقدار القلق الذي يرافق الطريق. كما تحمل زيارة مسرح أو معرض أسئلة تتصل بالمواصلات والوقت والقدرة الاقتصادية وشعور الإنسان بأن المؤسسة جزء من حياته.
تتكون علاقة المقدسي بمدينته من هذه الممارسات المتكررة، ومن قدرته على الوصول واللقاء والعمل والتذكر. وتمنحنا مراقبة تغيّر العادات اليومية مؤشراً مبكراً إلى ما يطرأ على المجتمع، قبل أن تتراكم التحولات الصغيرة وتصبح واقعاً يصعب تجاهله. كما يمنحنا الانتباه إليها مدخلاً لفهم السياسات عبر آثارها المباشرة في حياة الناس؛ فالجدار يُقرأ في طول الطريق، والحاجز في موعد الوصول، والضغط الاقتصادي في مقعد فارغ ومتجر ينتظر زبائنه.
الثقافة بين الشارع والمؤسسة
تتسع الثقافة في القدس لتشمل ما تنتجه المؤسسات والمعارض والمراكز، وما تصنعه البيوت والأسواق والمقاهي والأحياء من حكايات وعادات وعلاقات. تحفظ المؤسسة عملاً فنياً، وتنظم لقاء، وتمنح الفنان والجمهور مساحة مشتركة. ويحفظ السوق أسماء المهن وطرائق النداء وأشكال التبادل، فيما يحفظ البيت الأغنية والصورة والوصفة والحكاية العائلية. وتتكامل هذه المساحات حين يجد الإنسان طريقاً بينها، فيتحول النشاط الثقافي إلى خبرة تمتد خارج موعد الفعالية وتدخل في نسيج الحياة اليومية.
يكتسب الجمهور هنا دوراً يتجاوز الحضور، إذ يشارك في تفسير العمل وربطه بتجربته ونقله إلى محيطه الاجتماعي. ويكشف الوصول إلى عرض ثقافي في وسط المدينة شبكة كاملة من الشروط المتصلة بالطريق والوقت والكلفة والشعور بالأمان. ويتيح فهم هذه الشروط للمؤسسة أن تنصت إلى محيطها، وأن تبني برامجها انطلاقاً من أسئلة الناس وتجاربهم وإيقاع حياتهم. وحين تنفصل المؤسسة عن هذا الإيقاع أو يعجز الجمهور عن الوصول إليها، قد ينجح البرنامج تنظيمياً ويبقى أثره محدوداً. من هنا يصبح السؤال عن الثقافة سؤالاً عن العلاقات التي تنشئها، والجمهور الذي تصل إليه، والمعنى الذي يبقى بعد إطفاء الضوء وإغلاق القاعة.
الذاكرة التي تسكن الحواس والأشياء
تختزن القدس ذاكرتها في أماكن وأشياء يصعب إدراجها داخل الأرشيف الرسمي. تحمل صورة عائلية ملامح شارع تغيّر، ويفتح مفتاح قديم في الذاكرة باب بيت غاب أصحابه عنه، وتعيد رائحة الكعك أو القهوة صباحاً زمناً ارتبط بمرحلة كاملة من العمر. وتحفظ الأقدام انعطافات الطريق، وتحفظ الأذن أصوات الباعة والأجراس والأذان، فيما تحفظ اليد ملمس الحجر والخشب العتيق.
تمنح هذه العناصر المدينة امتداداً داخل الإنسان، فيحملها معه حين يبتعد عنها، ويقيس تغيرها بما بقي في ذاكرته. وتمنح الشهادات الشفوية الأشياء سياقها، فتصل بين الصورة وصاحبها، وبين المكان وما شهده من تحولات. كما تساعد قراءة هذه العلامات على كتابة تاريخ اجتماعي يرد الاعتبار إلى تجارب العائلات والأفراد وحياتهم غير المدونة. لذلك تمثل الحواس والأشياء مصادر حية لفهم القدس، لأنها تسجل ما عاشه الناس وما فقدوه وما واصلوا الاحتفاظ به عبر الزمن.
الفعل اليومي بين الاستمرار والضغط
يواجه الفعل اليومي ضغوطاً تعيد تشكيله بهدوء متراكم. قد يطول الطريق بسبب الحاجز، وقد تغلق متاجر أبوابها في وقت أبكر، وقد تخفت الحركة في بعض الأحياء بعد المساء، ويصبح الوصول إلى فعالية ثقافية قراراً يحتاج إلى حساب الوقت والكلفة والأمان. وقد يوحي استمرار الناس في أعمالهم بأن الحياة تسير على صورتها المعتادة، فيما يكشف التدقيق في إيقاعها مقدار الجهد المبذول لحمايتها. هكذا تنتقل السياسات من الخرائط والقرارات إلى وقت الإنسان ومزاجه وعلاقاته واختياراته، ويظهر ثقلها في الإرهاق النفسي، وفي التردد قبل الخروج أو اختيار طريق وموعد.
تظهر قيمة الاستمرار في فتح متجر داخل سوق خافت الحركة، وإبقاء مؤسسة ثقافية قادرة على العمل، وحفظ لقاء عائلي رغم صعوبة التنقل. تحمي هذه الممارسات الصلة بالمكان، وتحافظ على حضوره في حياة أهله. وينطوي الاستمرار هنا على معرفة عميقة بالمدينة وإصرار على حماية تفاصيلها من الغياب، لأن البقاء في المكان يتجسد كذلك في القدرة على مواصلة استخدامه ومنحه المعنى كل يوم.
مسار السلسلة
ترسم هذه السلسلة مساراً يبدأ من المدينة التي تسكن الحواس، ثم يتتبع حركة الناس في شوارعها وتحولات حياتها بعد المساء، وينتقل إلى أثر الجدار والحواجز في تكوين الجمهور الثقافي. كما يسأل عن الأحياء التي بقيت خارج خريطة الفعل الثقافي، ويقترب من المؤسسات والمشاريع والتمويل، ويبحث في المسافة بين الفعالية العابرة والسياسة الثقافية المستدامة.
تمتد القراءة في مراحلها اللاحقة إلى البيت المقدسي، حيث تحفظ الصور والرسائل والأشياء وذاكرة النساء أجزاء واسعة من سيرة المدينة. ويجمع هذا المسار بين قراءة المكان وتحليل السياسات والإنصات إلى الذاكرة، حتى تظهر القدس كما يعيشها أهلها ويعيدون تشكيل معناها في تفاصيل أيامهم.
من هنا تبدأ الرحلة
تعود القراءة إلى باب العامود، إلى البائع الذي أنهى ترتيب بضاعته، وإلى الطلبة الذين عبروا الساحة وتفرقوا في الطرق. تبدو هذه الحركة عادية لمن يراها سريعاً، لكنها تحمل في داخلها قدرة المدينة على مواصلة إنتاج الحياة والمعنى. لذلك تبدأ قراءة القدس من اللحظة التي نقترب فيها من أهلها؛ من خطواتهم، وذاكرة بيوتهم، ورائحة خبزهم، وعلاقتهم بالشارع والمؤسسة. عندئذ تصبح التفاصيل اليومية مدخلاً لفهم ما يتغير وما يقاوم التغير.
تحفظ القدس تاريخها في حجارتها، ويحفظ حضورها أيضاً الذين يمنحون المكان صوتاً وذاكرة ووظيفة، وفي العلاقة بين الإنسان والمكان تتكشف مدينة تتحرك تحت ثقل الضغوط، وتصون حضورها من خلال أفعال قد تبدو صغيرة، بينما تحمل في تكرارها معنى البقاء. تلك هي بوابتنا إلى القدس من الداخل.
* مالك زبلح، كاتب وباحث وفنان بصري مقدسي.

