• 29 آب 2026
  • مقدسيات

المعرفة الحسية والتعليم التفاعلي في مواجهة الاستيعاب الثقافي في القدس

 

بقلم: مالك زبلح*

يفتتح العام الدراسي الجديد 2026/2027 بعد بضعة أيام، ويعود طلبة القدس إلى مدارسهم في واقع معقد لا يمكن فصل التعليم فيه عن الصراع على المدينة وهويتها ووعي أجيالها. يسير الطالب المقدسي إلى مدرسته في فضاء مثقل بتداعيات هذا الصراع، فتظهر في طريقه بوضوح آثار السياسات المفروضة على المدينة. فالحاجز الذي يؤخره، واللافتة التي تتغير أمامه، والاسم الذي يُحذف من خريطته، والرواية التي تُقصى من كتابه، كلها تفاصيل تشكل عملية تربوية موازية لا تقل أثراً عما يتلقاه داخل الصف، وتسعى إلى إعادة تعريف المدينة وتشكيل علاقة أبنائها بها.

لذلك لا يقتصر السؤال على المنهاج الذي سيتلقاه الطالب، بل يمتد إلى طبيعة الوعي الذي نريد للتعليم أن يسهم في بنائه. هل نريد طالباً يحفظ أسماء الأماكن والتواريخ ثم ينساها بعد الامتحان، أم طالباً يستطيع قراءة مدينته وفهم تحولات الحياة فيها وربط المعرفة المدرسية بما يراه ويسمعه ويختبره يومياً؟

ينطلق هذا المقال من النظر إلى الحواس بوصفها أدوات لقراءة المدينة وتحولاتها، تتجاوز دورها البيولوجي في استقبال المؤثرات من البيئة المحيطة. ويقوم على فكرة أن القدرة على قراءة المدينة عبر الحواس يمكن تنميتها تربوياً. فما تراه العين في القدس، وما تلتقطه الأذن من أصواتها، وما تختزنه الذاكرة من روائح أسواقها ومذاقاتها، وما يختبره الجسد أثناء المشي والانتظار والتفتيش، يُشكل مجتمعاً أرشيفاً حياً للمدينة. وحين تتحول هذه الخبرة الحسية إلى ملاحظة وتوثيق وتحليل، يصبح التعليم التفاعلي وسيلة لمواجهة سياسات الاستيعاب الثقافي وطريقاً لاستعادة الحق الفلسطيني في تعريف القدس ورواية حكايتها.

التعليم والصراع على الوعي

لا ينفصل التعليم في القدس عن الصراع على الأرض، فهو أحد ميادينه وأدواته، ومن خلاله يُعاد تعريف المكان وتشكيل علاقة الأجيال به. وإلى جانب الحواجز والمداهمات وقيود الحركة، تعمل السياسات الاستعمارية من خلال القانون والتخطيط والتمويل والمناهج واللغة وتغيير أسماء الأمكنة. فالقوة الاستعمارية تفرض واقعاً، ثم تأتي الأدوات والسياسات الأقل ظهوراً لتمنحه روايةً تجعله مع الوقت مألوفاً.

ويظهر ذلك في الخطة الخماسية الإسرائيلية للأعوام 2024–2028، التي أُقرت بقرار الحكومة رقم 880 في 20 آب 2023 تحت عنوان «تقليص الفجوات الاجتماعية والاقتصادية في القدس الشرقية». وقد خصصت الخطة 800 مليون شيكل للتعليم قبل اقتطاع 15% من موازنة القرار، وربطت هذا الاستثمار بتوسيع المنهاج الإسرائيلي وتعزيز تعليم اللغة العبرية وإعداد الطلبة المقدسيين للاندماج في مؤسسات التعليم العالي الإسرائيلية. كما استهدفت رفع نسبة دارسي هذا المنهاج في المدارس الرسمية والمدارس المعترف بها غير الرسمية التابعة لوزارة المعارف وبلدية الاحتلال، من 24% عام 2022/2023 إلى 45% على الأقل عام 2027/2028.(1) وفي 5 كانون الثاني 2026 أفاد ممثل الوزارة في الكنيست بأن النسبة بلغت 36%، غير أن طريقة حساب المدارس والطلبة في هذه النسبة تختلف عن الطريقة المعتمدة في الخطة. (2)

لا تكمن المشكلة في تعلم اللغة العبرية أو اكتساب المهارات، بل في استخدام الحاجة إلى اللغة والخدمات والبنية التحتية مدخلاً لإعادة تشكيل الوعي، وربط التمويل والاعتراف بالمؤسسات التعليمية بمسارات تحمل رواية سياسية محددة.

ويمتد المسار نفسه إلى المؤسسات والمعلمين. ففي 8 أيار 2025 أغلقت السلطات الإسرائيلية ست مدارس للأونروا، ما حرم نحو 800 طفل من مدارسهم.(3) وفي كانون الثاني 2026 طالت قيود التصاريح 171 معلماً وموظفاً.(4) وفي 27 تموز 2026 اقتحمت القوات الإسرائيلية مركز قلنديا للتدريب. (5) لذلك نحتاج إلى تربية وطنية تربط المعرفة بالأرض والذاكرة والجسد والحياة اليومية، وتمكّن الطلبة من قراءة القدس بحواسهم وفهم تحولاتها وإنتاج معرفتهم بها.

العين التي لا تكتفي بالمشاهدة

لا تتشكل علاقة الإنسان بالمكان من المعلومات التي يعرفها عنه وحدها، بل من الخبرة التي تتراكم عبر الإقامة والحركة والإحساس والذاكرة. ويُميّز رائد الجغرافيا الإنسانية "يي فو توان" بين الحيز المجرد والمكان الذي تمنحه الخبرة معنىً وقيمةً. ومن هذا المنظور، لا تقتصر معرفة الطالب المقدسي بمدينته على ما يحفظه عنها، بل تتشكل أيضاً من حياته فيها وما يراه ويختبره يومياً. (6)

وحين يتحول المشي في المدينة إلى ممارسة تربوية منظمة، يصبح وسيلة للملاحظة والمقارنة وطرح الأسئلة وربط المعرفة بما يراه الطالب في حياته اليومية.(7) ويمكن بناء مسارات تراعي أعمار الطلبة وأهداف التعلم. يبدأ أحدها من باب الساهرة ويمر بطريق الآلام وكنيسة القيامة وسوق خان الزيت، ثم يتجه عبر باب العمود وشارع صلاح الدين إلى الشيخ جراح. وينطلق آخر من وادي الجوز نحو باب الأسباط وحارة السعدية وطريق الواد وسوق القطانين والمسجد الأقصى، ثم يمتد جنوباً إلى سلوان. وتكشف هذه المسارات طبقات من تاريخ المدينة وحياتها الدينية والتجارية والعمرانية والسياسية، وتربط البلدة القديمة بالأحياء المحيطة بها.

وخلال المسار، يرصد الطلبة الأسماء الحاضرة على اللافتات وتلك التي غابت عنها، واللغات المستخدمة وترتيبها، وانتشار الكاميرات والحواجز، وتغير واجهات المحال ووظائف المباني وحركة الناس في الأماكن العامة. ويمكنهم توثيق ملاحظاتهم بالصور والخرائط والمقابلات القصيرة، ثم مقارنتها بصور ووثائق أقدم لفهم ما تغير وأسباب تغيره.

بهذا تنتقل العين من مشاهدة المدينة إلى قراءتها. فالسيطرة على المكان لا تقتصر على الأرض، بل تمتد إلى ما يظهر فيه، والأسماء التي تُمنح له، والطريقة التي يُفسّر بها. وقد تصبح لافتة أو كاميرا أو واجهة جديدة جزءاً من محاولة فصل المكان عن ذاكرته وإدخاله في رواية أخرى. لذلك يصبح النظر الواعي فعلاً معرفياً يحمي علاقة الطالب بمدينته ويمنحه القدرة على فهم ما يجري فيها.

الإصغاء إلى ما تقوله المدينة

إذا كانت العين تنقل الطالب من مشاهدة المدينة إلى قراءتها، فإن الأذن تكشف جوانب لا تظهر في الصورة. فللقدس أصواتها الخاصة، تجتمع فيها نداءات الباعة ووقع الخطوات، وأصوات الأذان وأجراس الكنائس، وأصوات الأفران وأحاديث الأسواق. وقد تبدو بعض هذه الأصوات جزءاً عادياً من الحياة اليومية، بينما يمنح بعضها الآخر المكان طابعه الخاص. لكنها مجتمعة تحمل تاريخاً اجتماعياً ودينياً واقتصادياً، وتكشف عمق علاقة السكان بأمكنتهم. (8)

وفي المقابل، تعيد أدوات السيطرة الاستعمارية تشكيل أصوات المدينة. فصفارات المركبات العسكرية وأوامر الجنود وضوضاء الحواجز وارتطام الأبواب المعدنية عند إغلاقها، والصمت الذي يحل بعد إخلاء السوق، تشير إلى تغير علاقة الإنسان بالمكان. ولا يعني الصمت هنا الهدوء دائماً، بل قد ينتج عن الخوف أو الإغلاق أو منع الحركة، ويصبح علامة على غياب فُرض على المكان ولا تستطيع العين وحدها رؤيته. (9)

ولتحويل الإصغاء إلى وسيلة للتعلم، يستطيع الطلبة تنفيذ مسار سمعي يسجلون خلاله أصوات المكان في أوقات مختلفة، ثم يقارنون بين صوت السوق في يوم عادي وصوته أثناء الإغلاق أو المواسم الدينية والتجارية.(10) ويمكنهم سؤال أصحاب المحال والسكان عن المهن والنداءات والأصوات التي اختفت أو تغيرت، وربط التسجيلات بمواقعها وتواريخها في خريطة صوتية توضح كيف تغيرت أصوات المدينة مع الزمن.

ولا تقتصر وظيفة هذه الخريطة على تسجيل الأصوات، بل تساعد على فهم من يستطيع إسماع صوته ومن يُدفع إلى الصمت. فقد يدل غياب نداء بائع على تراجع مهنة، وقد يكشف الهدوء غير المعتاد في السوق أثر الإغلاق وضعف الحركة التجارية. وهكذا يدرك الطالب أن التحول السياسي والاجتماعي قد يُسمع قبل أن يُكتب عنه، وأن حفظ ذاكرة المدينة يشمل توثيق الأصوات التي أُسكتت أو غابت.

الرائحة والمذاق والذاكرة الاجتماعية

وكما تحتفظ المدينة بأصواتها، تحتفظ ذاكرة سكانها بروائح ومذاقات قد تعجز الصورة عن حفظها. فرائحة الكعك المقدسي والزعتر والقهوة في خان الزيت وطريق الواد، ورائحة البخور قرب كنيسة القيامة، وروائح العطارة والصابون والخبز، ليست تفاصيل معزولة عن الواقع. فهي تدل على مهن وعلاقات اجتماعية وحركة تجارية وعادات انتقلت من جيل إلى آخر.

وحين يقف الطالب عند فرن قديم ويسأل صاحبه عن مصدر الطحين، وتغيُّر عدد الزبائن، وتأثير الحواجز وضعف الحركة التجارية في عمله، تتحول قطعة الخبز إلى مدخل لفهم الاقتصاد والسياسة والذاكرة. وحين يوثق أسماء الأطعمة ومكوناتها وطرق إعدادها، يكتشف كيف تنتقل المعرفة الثقافية بين العائلة والجيران والسوق.

ولا يجري محو الهوية الثقافية دائماً من خلال المنع المباشر، بل قد يحدث أيضاً من خلال فصل عناصرها عن سياقها الفلسطيني وتقديمها من دون ذكر أصحابها أو الذاكرة المرتبطة بها أو أسمائها الأصلية. لذلك يصبح توثيق وصفات الجدات وحكايات الأفران وأسماء النباتات والتوابل جزءاً من حماية المعرفة المحلية من الضياع أو نسبها إلى غير أصحابها.

ويتيح التعليم المرتبط بالمكان وصل ما يدرسه الطالب بحياة مجتمعه وبيئته وخبراته.(11) فالطالب الذي يدرس مراحل إنتاج الكعك، أو تاريخ العطارة، أو حركة البضائع في البلدة القديمة، يتعلم الاقتصاد والتاريخ والجغرافيا واللغة من داخل واقع مدينته. كما يدرك أن المعرفة التي يحملها الناس ليست أقل قيمة من المعرفة التي تقدمها الكتب، بل هي جزء من التراث الحي ومن قدرة المجتمع على حفظ تجربته ونقلها إلى الأجيال.

قياس المدينة عبر الانتظار

وكما تكشف العين والأذن جوانب من المدينة، يقيس الجسد المسافة بالوقت والانتظار. فالمدرسة القريبة على الخريطة قد تصبح بعيدة بسبب الحواجز والتفتيش والإغلاق المفاجئ. ويعرف الطالب المقدسي أن الطريق نفسه لا يستغرق وقتاً ثابتاً، وأن الوصول لا يتعلق بالمسافة وحدها، بل أيضاً بالسلطة التي تنظم المرور. فالطرق والساحات ليست أماكن محايدة تجري فيها الحياة، بل تتأثر بالتخطيط والمراقبة وطريقة استخدامها وبمن يملك حرية الحركة فيها.(12) ويظهر ذلك في توزيع الطرق والحواجز والكاميرات، وفي فتح المسارات أو إغلاقها، وفي اختلاف قدرة الناس على العبور أو تجنب الانتظار.

وحين يمشي الطالب من وادي الجوز إلى البلدة القديمة، أو من سلوان نحو أسوارها، يختبر نقاط المراقبة والطرق المغلقة وضيق الأرصفة واختلاف القدرة على الحركة من مكان إلى آخر. عندها يشهد بجسده كيف يتحول التحكم بالمكان إلى تحكم بالوقت وفرص التعلم والعمل والحياة اليومية.

ومع ذلك، لا يكون المشي انتقالاً صامتاً بين نقطتين، بل ممارسة يعيد الناس من خلالها اكتشاف المدينة وتشكيل علاقتهم بها داخل مكان يخضع للمراقبة.(13) فاختيار طريق بديل، والمرور من ساحة، والتوقف أمام متجر قديم، كلها أفعال تبقي المكان حاضراً في حياة الناس، في مواجهة محاولات إفراغه وتغيير هويته.

ويمكن للطلبة توثيق الوقت الذي يستغرقه وصولهم إلى المدرسة، ورسم الطرق البديلة، وتسجيل نقاط التوقف والانتظار وأسبابها. وبدلاً من اعتبار التأخير تقصيراً شخصياً، تتحول هذه الملاحظات إلى خريطة زمنية توضح الظروف التي تسببه. فمعرفة المكان تتولد من الحركة والانتباه إلى ما يتغير فيه، لا من مراقبته عن بُعد.(14) وبذلك تصبح خبرة الطالب الجسدية مصدراً للمعرفة، تكشف ما قد لا تظهره الخرائط الرسمية والأرقام وحدها.

معرفة المدينة وتعزيز السيادة الرمزية

تعني السيادة الرمزية قدرة المجتمع على تسمية مكانه، ورواية تاريخه، وتحديد معناه، والحفاظ على حضوره في الوعي العام.(15) وهي لا تعوّض غياب السيادة السياسية في مدينة تحت الاحتلال، لكنها تمنع طرفاً واحداً من احتكار تعريف المدينة وتقديم السيطرة عليها كأنها تطور طبيعي. وقد لا يستطيع الطالب إزالة حاجز أو تغيير قانون، لكنه يستطيع فهم كيف يعملان، وتوثيق أثرهما، وكشف اللغة المستخدمة لتبريرهما.

لهذا لا تعني التربية الوطنية ترديد شعارات جاهزة، بل تنمية قدرة الطالب على التمييز بين تعلّم اللغة وتبنّي الرواية السياسية، وبين اكتساب المعرفة والاندماج في نظام يعيد تشكيل الذاكرة، وبين تطوير المدرسة وربط هذا التطوير بشروط تمس هويتها.(16) وعندها ينتقل الطالب من تلقّي صورة جاهزة عن القدس إلى مقارنة المدينة كما تعرضها الخطط والخرائط بالمدينة كما يعيشها أهلها.

ويحوّل التعليم التفاعلي هذا الفهم إلى مسار مستمر، يبدأ بالملاحظة عبر الحواس، ثم التوثيق بالكتابة والرسم والتصوير والتسجيل والخرائط، ثم مقارنة الحاضر بالصور القديمة وحكايات العائلات، وتفسير التغيرات في ضوء القانون والتخطيط والاقتصاد. وينتهي بإعداد معرض أو خريطة حسية أو تسجيل صوتي أو فيلم قصير. (17) ويمكن لكل مادة دراسية أن تسهم في ذلك. فيكتب الطلبة في العربية سيرة شارع أو سوق، ويقارنون في التاريخ الخرائط بشهادات السكان، ويدرسون في العلوم النباتات والمياه وأثر العمران، ويبنون في الفنون أرشيفاً بصرياً للأبواب واللافتات، ويحللون في الرياضيات أوقات الانتظار والمسافات الفعلية. هكذا تصبح القدس مجالاً تتكامل فيه المواد، لا موضوعاً في حصة واحدة.

وتبقى سلامة الطلبة شرطاً أساسياً. فإذا تعذّر الوصول إلى مكان ما، يمكن التعرف عليه من خلال شهادات الأهالي وخرائط الذاكرة والصور والأشياء المحفوظة في البيوت. فالمفتاح والثوب والوثيقة والصورة العائلية وصوت الجد أو الجدة أجزاء من أرشيف المدينة الاجتماعي، وليست بدائل ناقصة عنها. ويتطلب ذلك شراكة بين المدرسة والعائلة والمكتبة والمتحف والمركز الثقافي والحرفيين وأصحاب المتاجر والباحثين والفنانين.(18)

مدرسة ترى ما وراء الحصة اليومية والكتاب

تحتاج مدارس القدس مع بداية العام الدراسي الجديد إلى حماية دورها التربوي بوصفها أماكن لإنتاج المعرفة وبناء التفكير النقدي، لا مؤسسات تكتفي بمنح الشهادات. ولا يتحقق ذلك بإضافة معلومات وطنية إلى كتاب مزدحم، بل بإعادة ربط التعليم بحياة الطالب ومكانه وأسئلته، وإشراكه في إنتاج المعرفة بدل الاكتفاء بتلقيها. (19) فالطالب الذي يقرأ القدس بحواسه لا يكتفي بمعرفة أن باب العمود معلم تاريخي، بل يتابع تغير دور ساحته وكيف تعيد الرقابة تنظيم حركة الناس فيها. والذي يوثق رائحة فرن قديم لا يستعيد الماضي فقط، بل يفهم علاقة الطعام بالاقتصاد والذاكرة. أما تسجيل وقت الوصول إلى المدرسة فيجعل تجربة الجسد دليلاً على أثر السيطرة في الحياة اليومية.

ولا تفصل هذه التربية جمال القدس عن القهر الذي تعيشه، ولا تختزلها في صورة حزينة أو بطاقة سياحية. فهي تعلم الأجيال قراءة مدينة جميلة ومثقلة بالضغط، حية ومقيدة، تواجه محاولات لإعادة تعريفها، لكنها تواصل صنع معناها من خلال أهلها. فالسيطرة الثقافية لا تكتفي بتغيير اسم شارع، بل تحاول إقناع الجيل بأن الاسم الجديد كان موجوداً دائماً، وأن الحاجز جزء طبيعي من الطريق، وأن غياب الرواية الفلسطينية أمر عادي.

هنا تظهر قيمة التعليم التفاعلي، لأنه يدفع الطالب إلى السؤال عن الأمور التي يُراد تقديمها كأنها طبيعية، ويكشف التاريخ خلف المشهد المألوف. والمعرفة عبر الحواس ليست بديلاً عن الكتاب والوثيقة والبحث التاريخي، بل وسيلة تربط ما تقدمه هذه المصادر بالتجربة الحية. فالعين تلاحظ، والأذن تصغي، والجسد يختبر، ثم يأتي العقل ليوثق ويقارن ويفسر. (20)

وعندما يتحول الطالب من متلقٍ لرواية المدينة إلى راوٍ لها، ومن عابر في شوارعها إلى قارئ لتحولاتها،

تستعيد المدرسة دورها. عندها تصبح الحواس أدوات للمعرفة، ويصبح التعليم ممارسة يومية لحفظ الذاكرة وتعزيز الانتماء ومواجهة محاولات محو الهوية. وبهذا تسهم المدرسة في بناء السيادة الرمزية على معنى القدس، من خلال أجيال تعرف مدينتها وتستطيع فهمها ورواية تاريخها والدفاع عن حقها فيها.

كاتب وباحث وفنان بصري

 

قائمة الهوامش

  1. (1)رئاسة رئاسة الحكومة الإسرائيلية، «صودق عليها من قبل الحكومة: الخطة الخماسية لتطوير أورشليم الشرقية بمبلغ حوالي 3.2 مليار شيكل»، 20 آب 2023، متاح للاطلاع على الرابط التالي: https://www.gov.il/ar/pages/event-joint-jeru200823
  2. (2)الكنيست، الكنيست، اللجنة الفرعية للمناهج التعليمية في القدس الشرقية والرقابة عليها، محضر جلسة متابعة تنفيذ قرار الحكومة رقم 880 المتعلق بتقليص الفجوات الاجتماعية والاقتصادية وتنمية القدس الشرقية، بالعبرية، 5 كانون الثاني 2026. متاح للاطلاع على الرابط التالي:

https://fs.knesset.gov.il/25/Committees/25_ptv_11521467.doc

  1. (3)وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى (الأونروا)، «بيان صادر عن الأونروا بشأن العودة للمدارس في الضفة الغربية المحتلة»، 1 أيلول 2025، متاح للاطلاع على الرابط التالي: https://www.unrwa.org/ar/newsroom/official-statements/بيان-صادر-عن-الأونروا-بشأن-العودة-للمدارس-في-الضفة-الغربية-المحتلة 
  2. (4)وكالة وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، «اللجنة الرئاسية: استهداف المؤسسات التعليمية في القدس بنظام التصاريح تمييز عنصري وعقاب جماعي»، 14 كانون الثاني 2026، متاح للاطلاع على الرابط التالي: https://wafa.ps/news/2026/1/14/اللجنة-الرئاسية-استهداف-المؤسسات-التعليمية-في-القدس-بنظام-التصاريح-تمييز-عنصري-140403
  3. (5)وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى (الأونروا)، «القوات الإسرائيلية تقتحم مركز تدريب تابع للأمم المتحدة في القدس الشرقية المحتلة للمرة الثانية في أقل من شهر»، 27 تموز 2026، متاح للاطلاع على الرابط التالي: https://www.unrwa.org/ar/newsroom/news-releases/القوات-الإسرائيلية-تقتحم-مركز-تدريب-تابع-للأمم-المتحدة-في-القدس-الشرقية
  4. (6)باميلا باميلا بريلانتي وسو مانكيو، «الإحساس بالمكان: الجغرافيا البشرية في فصول الطفولة المبكرة»، Young Children، مج. 70، ع. 3 (تموز 2015): 16–23، متاح للاطلاع على الرابط التالي: https://www.naeyc.org/resources/pubs/yc/jul2015/sense-of-place-human-geography-ara
  5. (7) Nuria Querol, “The Art of Walking: Fostering Experiential Learning through Observation and Creative Practice,” Creative Pedagogies Imprint 1, no. 2 (2019): 21–26، متاح للاطلاع على الرابط التالي: https://www.open-access.bcu.ac.uk/6991 
  6. (8)عياد عبد الله أبورويص وعمر علي الأمين، «فهم المشهد الصوتي داخل الفراغات المعمارية والعوامل المؤثرة فيه»، المجلة الدولية للعلوم والتقنية، ع. 36، ج. 2 (2025): 1–16، متاح للاطلاع على النص الكامل عبر الرابط التالي: https://www.stcrs.com.ly/istj/docs/volumes/Soundscape.pdf 
  7. (9)عبد الله البياري، «من الطنين إلى الصمت: المدينة العربية كنظام سمعي للسلطة والمقاومة»، مَسْمَع، 22 آذار 2026، متاح للاطلاع على الرابط التالي: https://www.masmaa.org/ar/blog/من-الطنين-إلى-الصمت-المدينة-العربية-كنظام-سمعي-للسلطة-والمقاومة/أكاديميا 
  8. (10) Hildegard Westerkamp, “Soundwalking,” originally published in Sound Heritage 3, no. 4 (1974): 18–27, revised 2001، متاح للاطلاع على الرابط التالي: https://www.hildegardwesterkamp.ca/writings/writings-by/?post_id=13&title=soundwalking
  9. (11)عهود خميس الجابري، محمد علي شحات، وفاء محمد معوض عبدالعال، وعبدالله خميس أمبوسعيدي، «أثر استخدام مدخل التعلم القائم على المكان في تدريس العلوم على السلوك البيئي والاتجاه نحو البيئة لدى طلبة الصف الرابع الأساسي في سلطنة عُمان»، المجلة التربوية، مج. 40، ع. 158 (آذار 2026): 201–244، متاح للاطلاع على الرابط التالي: https://journals.ku.edu.kw/joe/index.php/joe/article/download/807/3157 
  10. (12)‎Henri Lefebvre, The Production of Space, trans. Donald Nicholson-Smith (Oxford: Blackwell, 1991), 26–27‎، متاح للاطلاع والاستعارة الرقمية عبر «أرشيف الإنترنت» على الرابط التالي: https://archive.org/details/productionofspac00lefe_0 
  11. (13)‎Michel de Certeau, The Practice of Everyday Life, trans. Steven Rendall (Berkeley: University of California Press, 1984), 91–110‎، متاح للمعاينة المحدودة عبر «كتب Google» على الرابط التالي: https://books.google.com/books/about/The_Practice_of_Everyday_Life.html?id=-Csl_AAoUT8C 
  12. (14)Tim Ingold, “Against Space: Place, Movement, Knowledge,” in Being Alive: Essays on Movement, Knowledge and Description (London: Routledge, 2011), 145–155‎. بيانات الفصل وإمكان المعاينة أو الوصول المؤسسي متاحة عبر الرابط التالي: https://www.taylorfrancis.com/chapters/mono/10.4324/9780203818336-22/space-place-movement-knowledge-tim-ingold 
  13. (15)بيير بورديو، الرمز والسلطة، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، ط. 3 (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2007)، 52. نسخة رقمية متاحة للقراءة والتنزيل عبر «أرشيف الإنترنت» على الرابط التالي: https://archive.org/details/20200614_20200614_1458 
  14. (16)باولو فرايري، تعليم المقهورين، ترجمة وتقديم يوسف نور عوض (بيروت: دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، 1980)، 51–52. نسخة رقمية متاحة للقراءة والتنزيل عبر «أرشيف الإنترنت» على الرابط التالي: ♣♦تعليم المقهورين : Free Download, Borrow, and Streaming : Internet Archive 
  15. (17)David A. Gruenewald, “The Best of Both Worlds: A Critical Pedagogy of Place,” Educational Researcher 32, no. 4 (May 2003): 3–12‎. بيانات المقال وملخصه متاحان عبر الرابط التالي: https://doi.org/10.3102/0013189X032004003 
  16. (18)منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، التراث الحي والتعليم (باريس: اليونسكو، 2019). النسخة العربية الكاملة متاحة بصيغة PDF على الرابط الرسمي المباشر: https://ich.unesco.org/doc/src/46212-AR.pdf 
  17. (19)منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، التربية على المواطنة العالمية: مواضيع وأهداف تعلّمية، ترجمة مكتب اليونسكو الإقليمي في بيروت (باريس: اليونسكو، 2015)، 21. النسخة العربية الكاملة متاحة للقراءة والتنزيل عبر مستودع «يونسدوك» الرسمي على الرابط التالي:https://unesdoc.unesco.org/ark:/48223/pf0000232993_ara 
  18. (20)Sarah Pink, “Situating Sensory Ethnography: From Academia to Intervention,” in Doing Sensory Ethnography, 2nd ed. (London: SAGE Publications, 2015), 3–23‎. بيانات الفصل ومعاينته متاحة عبر الرابط التالي:https://methods.sagepub.com/book/mono/doing-sensory-ethnography-2e/chpt/one-situating-sensory-ethnography-from-academia-intervention