- 30 آب 2026
- مقدسيات
القدس - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة
كلما دخلت اسواق البلدة القديمة، اشعر انني لا امشي في شارع من الحجارة، بل في ذاكرة طويلة لا تزال حية. احيانا يخيل الي ان الحجارة تعرف خطواتي، وان الازقة الضيقة تحفظ اصوات الذين مروا من هنا قبلنا. في هذا المكان، لا تحتاج الى ان تسأل عن الطريق؛ يكفي ان تتبع رائحة تعرفها منذ الطفولة، رائحة الزعتر واليانسون والقرفة والهيل، حتى تجد نفسك امام محل عطارة، تتراكم على رفوفه الاعشاب والتوابل كما تتراكم الحكايات في ذاكرة اهل المدينة.
في هذه الاسواق ينتابني شعور يصعب وصفه، مزيج من الفرح والحنين والطمأنينة والخوف. افرح لأنني ما زلت ارى بعض تفاصيل القدس التي عرفتها، واحزن حين اشعر ان بعضها يتراجع بصمت، وان اشياء اعتدنا وجودها قد لا تبقى طويلا كما عرفناها.
محلات العطارة بالنسبة لي ليست مجرد متاجر، بل جزء من وجه القدس وتفاصيلها الحميمة. قد يمر السائح امامها منشغلا بالحجر القديم والاقواس والابواب، اما المقدسي فيرى مكانا يعرفه، ورائحة ارتبطت ببيت العائلة، واصواتا الفها، ووجوها ما زالت تسكن ذاكرته. انا لا ارى في محل العطارة رفوفا واكياسا فقط، بل ارى اياما كانت فيها الحياة ابسط وأقرب الى القلب. اتذكر بيوت القدس في الصباح، حين كانت رائحة الشاي بالميرمية ومناقيش الزعتر تنتشر في ارجائها، وكانت الاعشاب تحفظ في علب صغيرة، تعرف الامهات موضع كل واحدة منها وسبب استخدامها.
وقد أقف امام كيس من الزهورات او الكركديه، فاستعيد مشهدا كاملا من البيت، صوتا قديما او وجها احبه. عندها أدرك ان الذاكرة لا تسكن الصور والكلمات وحدها، احيانا تختبئ في رائحة عابرة قادرة على ان تعيد لنا زمنا كاملا في لحظة واحدة.
في محلات العطارة، تبدو الاعشاب جزءا من حياة الناس، لا مجرد نباتات جففت ووضعت في اكياس. لكل نوع حكاية، ولكل وصفة ذاكرة، ووراء كثير من هذه المعارف امهات وجدات نقلن ما عرفنه بالتجربة الى ابنائهن واحفادهن. كانت المعرفة تنتقل من اليد الى اليد، ومن المطبخ الى السوق، ومن جيل الى جيل.
ومن أجمل ما في محل العطارة ذلك الحوار الذي يبدأ غالبا بسؤال بسيط، ماذا تريد؟ لا يلبث السؤال ان يفتح بابا للحديث. يشرح الزبون ما يبحث عنه، فيسأله العطار عن حاجته، ثم يقترح عليه نوعا او خلطة. وقد يدخل شخص اخر في الحديث، فيذكر وصفة كانت والدته تستعملها او طريقة سمعها من جدته. وهكذا يتحول المحل الصغير الى مساحة تتقاطع فيها الخبرة مع الذكريات والحكايات.
أحب هذه اللحظات لأنها تجعل السوق مكانا للحياة لا للبيع فقط. الناس يتحدثون ويضحكون ويسألون عن بعضهم، وقد يبدأ الحديث عن عشبة وينتهي بذكر شخص غائب او مناسبة قديمة. والعطار نفسه ليس بائعا بالمعنى الضيق للكلمة، فهو في كثير من الاحيان صاحب معرفة متوارثة، يعرف الاعشاب ومواسمها وطرق حفظها، ويعرف زبائنه ايضا.
وأكثر ما يثير اعجابي علاقة الثقة التي تنشأ بين العطار وبعض زبائنه. يدخلون المحل وكأنهم يدخلون بيتا يعرفونه، يسلمون على صاحبه، يسألونه عن صحته، ويتحدثون معه عن البيت والاولاد والاسرة. هذه العلاقة البسيطة تمنح المكان دفئا نفتقده في كثير من المتاجر الحديثة، وتجعل العطارة جزءا من الحياة الاجتماعية في القدس.
وانا اتجول في الاسواق القديمة، لا أستطيع ان افصل هذه المحلات عن المكان المحيط بها. الحجر والاقواس والابواب الخشبية والدكاكين الضيقة والاصوات المتداخلة تشكل مشهدا واحدا. وبينها يأتي محل العطارة برفوفه وميزانه واكياسه الملونة، ليضيف الى السوق طبقة اخرى من الذاكرة والحياة.
احيانا اتوقف وأتأمل يد العطار وهي تزن الاعشاب، او رجلا مسنا يقف امام المحل، او امرأة تختار بعض البهارات. في تلك اللحظة لا اشعر انني امام متجر عادي، بل امام صفحات من تاريخ القدس تتحرك امام عيني.
وربما لهذا السبب يؤلمني ان ارى بعض هذه المهن القديمة تتراجع. فالمسألة لا تتعلق بإغلاق محل فحسب، بل باحتمال اختفاء عالم كامل معه. قد تضيع اسماء اعشاب وخلطات وحكايات وطرق استعمال، وقد تنقطع سلسلة من المعرفة الشعبية التي انتقلت عبر الاجيال. وعندما يغلق محل عطارة قديم، نخسر ايضا مكانا كان الناس يلتقون فيه، وصوتا كان مألوفا، وعلاقة انسانية نشأت عبر سنوات طويلة.
والقدس تتغير. تدخل المحلات الحديثة الى الاسواق، وتحل المنتجات المعبأة محل كثير من المنتجات التقليدية، ويتغير سلوك المستهلك مع انتشار الشراء عبر الانترنت. وحتى العطار مضطر الى مواكبة هذا الزمن. انا لست ضد التغيير، فالمدينة الحية تتطور، لكنني أخشى ان نفقد في طريق التغيير اشياء لا يمكن استعادتها.
أخشى ان يأتي يوم ندخل فيه اسواق القدس فلا نجد بعض المحلات التي عرفناها، ولا نسمع الاصوات التي اعتدناها، ولا نلتقي بالعطار الذي كان يعرف زبائنه وما يبحثون عنه قبل ان يطلبوه. ومع ذلك، هناك شيء يصعب على الزمن محوه، أثر المكان في النفس. حين افتح باب محل عطارة وتستقبلني روائح الزعتر والميرمية والقرفة، اشعر ان الزمن يبطئ للحظات. لا تعود القدس مجرد مدينة اعيش فيها، بل تصبح مدينة اعيش معها، بكل ما فيها من صور واصوات ووجوه وذكريات.
عندها اتذكر القدس التي كانت اقل سرعة، حين كان الناس يعرف بعضهم بعضا، وحين كان الحديث العابر في السوق يمكن ان يتحول الى جلسة طويلة عن البيت والاولاد والامهات والجدات. كانت المعرفة تحفظ في الذاكرة والتجربة والممارسة، وفي الكلام الذي ينتقل من شخص الى اخر.
وعندما أقف امام هذه المحلات، اشعر بالامتنان لأنني عشت زمنا استطعت فيه ان اعرف هذه التفاصيل، وان ارى هذه المهن، وان اسمع هذه الحكايات. وفي الوقت نفسه اشعر بمسؤولية تجاهها، لان ما نعيشه اليوم قد يصبح غدا مجرد قصة نحكيها للأجيال القادمة.
لهذا ارى محلات العطارة أكثر من جزء من سوق القدس، انها خزائن صغيرة لروح المدينة، تحفظ شيئا من عاداتها وذاكرتها وعلاقات اهلها.
وفي كل مرة اخرج فيها من أحدها، اشعر انني لم اشتر كيسا من الاعشاب فقط. ربما حملت معي مشهدا من البيت القديم، او كلمة قالها عطار مسن، او وصفة سمعتها من أحد الزبائن، او احساسا هادئا بان القدس، رغم كل ما تغير فيها، ما زالت تحتفظ في زواياها بأشياء تشبهها وتشبهنا.
ولهذا، حين امشي في اسواق القدس القديمة، لا ابحث دائما عن شيء اشتريه. احيانا يكفيني ان امشي ببطء، وانظر حولي، وانصت الى اصوات السوق، وان اترك المكان يستعيد في داخلي ما غاب.
عندها افهم انني لا اتجول في سوق قديم فقط، بل اتجول في جزء من حياتي. وفي نهاية الطريق، اكتشف انني لم أكن اتبع رائحة العطارة وحدها، بل كنت اتبع اثرا قديما يقودني الى طفولتي، الى بيتي، الى الناس الذين مروا في حياتي، والى القدس التي لا تزال، بكل تفاصيلها، تسكن في داخلي.

