- 31 آب 2026
- مقدسيات
القدس - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة :
من يعيش القدس لا يراها ملفا سياسيا يفتح عند الازمات ثم يوضع جانبا، بل يعيشها كل يوم في بيته وشارعه ومدرسته وسوقه ومقدساته. لذلك فان التغيير الذي يطال المدينة لا يصل الينا دائما في صورة قرار كبير، بل يتسلل عبر سلسلة من الاجراءات الصغيرة التي تتراكم مع الوقت وتعيد تشكيل الواقع.
ومن هنا تأتي اهمية المواقف التي يطرحها عبد الله كنعان، امين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس. ونقوم في "أخبار البلد" بنشرها ، فما يلفتني في خطابه ليس فقط موقعه الرسمي، بل قدرته على التعامل مع القدس باعتبارها قضية وجود وهوية وحقوق، لا مجرد مجموعة من الملفات الادارية او الاحداث المتفرقة.
حين يحذر كنعان من ان التصعيد الاسرائيلي يستهدف الوجود الفلسطيني ويمس هوية القدس ومقدساتها، فان الرسالة تتجاوز ادانة حادثة بعينها. انها محاولة لقراءة المسار الذي يجري على الارض، حيث تتقاطع سياسات الهدم والاخلاء ومصادرة الاراضي وقيود البناء والتضييق على السكان والضغط على المؤسسات مع محاولات تغيير ملامح المدينة.
وهذه النقطة تحديدا تستحق التوقف. فالقدس لا تتغير بضربة واحدة، وانما بالتدرج. بيت يهدم، وعائلة تواجه الاخلاء، وارض تصادر، ومؤسسة تضيق مساحتها، وحي تتغير ملامحه، ومقدس يتعرض لضغط جديد. قد يبدو كل حدث منفردا قابلا للمعالجة، لكن الصورة تصبح مختلفة حين توضع هذه الوقائع بجانب بعضها. عندها لا نكون امام احداث منفصلة، بل امام مسار سياسي يفرض نفسه على المدينة.
وهنا تبدو قيمة خطاب كنعان في انه يحاول نقل النقاش من مستوى الحدث الى مستوى الاتجاه. فالمشكلة ليست فقط فيما وقع اليوم، بل في السؤال عما يمكن ان ينتج عنه غدا. وفي القدس، قد يكون الانتظار بحد ذاته خطرا، لان بعض الوقائع حين تترسخ تصبح أصعب من ان تعالج بالبيانات والاحتجاجات.
وفي قلب هذا المسار يأتي المقدسي. فالوجود الفلسطيني في القدس ليس رقما سكانيا، بل هو اساس من اسس هوية المدينة. خلف كل بيت عائلة، وخلف كل عائلة ذاكرة وعلاقات ومؤسسات وحياة كاملة. ولذلك فان حماية المقدسي من الهدم والاخلاء والتضييق ليست قضية اجتماعية منفصلة عن السياسة، بل هي في جوهرها دفاع عن هوية القدس ومستقبلها.
ومن هذه الزاوية، تبدو دعوة كنعان الى دعم صمود المقدسيين ذات دلالة سياسية واضحة. فكل مقدسي يبقى في بيته، وكل مؤسسة تستمر في عملها، وكل مدرسة وسوق وحي يحافظ على طابعه، يمثل جزءا من قدرة المدينة على حماية هويتها التاريخية في مواجهة محاولات تغييرها.
ولا تقف المسألة عند الوجود الفلسطيني. فالقدس مدينة متعددة الابعاد الدينية والثقافية والتاريخية. الحرم القدسي الشريف وكنيسة القيامة والاحياء القديمة والاسواق والمؤسسات ليست مجرد مواقع منفصلة، بل مكونات لنسيج المدينة وهويتها. ولهذا فان اي مساس بالمقدسات او بالوضع التاريخي القائم لا يمكن النظر اليه كإجراء محدود، بل كمساس بجوهر القدس ومكانتها.
وهنا يبرز البعد الدبلوماسي في مواقف كنعان. فهو لا يحصر قضية القدس في الخطاب السياسي المباشر، بل يربطها بالقانون الدولي والشرعية الدولية وحرية العبادة والحفاظ على الوضع التاريخي القائم، الى جانب تأكيده على حماية المقدسات الاسلامية والمسيحية والوصاية الهاشمية. وهذا مهم، لان معركة القدس لا تجري فقط في شوارع المدينة، بل ايضا في المؤسسات الدولية وفي مساحة القانون والرأي العام العالمي.
وينطبق الامر نفسه على موقفه من منع وكالة الاونروا من العمل في القدس، واستهداف منشآتها وموظفيها. فوجود الاونروا في المدينة لا يقتصر على تقديم الخدمات، بل يرتبط ايضا بحقوق اللاجئين والذاكرة الفلسطينية والرواية التاريخية للقضية. ولذلك فان المساس بدورها وحضورها في القدس يتجاوز البعد الاداري والخدمي، ليحمل دلالات سياسية وحقوقية تمس جوهر القضية الفلسطينية.
لكن الخطر الاكبر، في تقديري، يكمن في اعتياد العالم على ما يحدث. فحين يتحول الاجراء الاستثنائي الى ممارسة يومية، وحين تصبح الاخلاءات والهدم والقيود والاعتداءات على المقدسات اخبارا عابرة، يصبح التغيير أكثر سهولة. ولهذا فان الاستمرارية في رصد ما يجري والتنبيه الى مخاطره ليست ترفا سياسيا، بل ضرورة لحماية القدس.
وهنا افهم اهمية الدور الذي يؤديه كنعان في اللجنة الملكية لشؤون القدس. فالمطلوب ليس فقط اصدار موقف عند وقوع الازمة، بل الحفاظ على القدس حاضرة في الوعي العربي والدولي، وربط الاحداث بمساراتها السياسية، وتحويل الوقائع اليومية الى قضية واضحة يمكن متابعتها ومساءلة العالم بشأنها.
ومن واقع معايشتي للقدس، ارى ان اهم ما يحتاجه المقدسي اليوم هو ان يشعر ان صموده ليس معزولا، وان تفاصيل حياته اليومية تجد من ينقلها الى دوائر القرار. فالمقدسي لا يحتاج فقط الى التعاطف، بل الى خطاب سياسي يضع معاناته في سياقها الصحيح، ويعتبر بقاءه في مدينته قضية حقوق وهوية ومستقبل.
لهذا لا ارى عبد الله كنعان مجرد ناقل لموقف سياسي. اهمية خطابه، كما اراها، تكمن في الربط بين الانسان والمكان، وبين الصمود والدبلوماسية، وبين المقدسات والقانون، وبين ما يحدث اليوم وما يمكن ان يحدث غدا.
فالقدس لا تحميها البيانات وحدها، ولا يكفي ان ندين ما يحدث بعد وقوعه. المطلوب ان نقرأ التحولات وهي في بداياتها، وان نمنع تحولها الى امر واقع. فالمعركة على القدس ليست معركة حجارة فقط، بل معركة على الانسان والهوية والذاكرة والمقدسات والمستقبل.
ومن هنا تصبح الرسالة الاهم، ان حماية القدس تبدأ من حماية اهلها، وصمودهم، ومؤسساتهم، ومقدساتهم، ومن ابقاء قضيتها حاضرة سياسيا ودبلوماسيا. وهذه، في تقديري، احدى اهم نقاط القوة في خطاب عبد الله كنعان، انه يحاول ان يقول لنا ان الخطر لا يبدأ عندما تصبح النتائج نهائية، بل عندما نتوقف عن رؤية التغيير وهو يتشكل امام اعيننا.

