- 1 أيلول 2026
- مقدسيات
القدس - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة
حين امشي في اسواق القدس القديمة، لا أستطيع ان امر بجانب بائع خضار دون ان اتوقف قليلا. هناك شيء في هذه البسطات يجذبني، رائحة النعناع الطازج، لون البندورة الناضجة، حزم البقدونس والزعتر المرتبة بعناية، وصوت البائع وهو ينادي على بضاعته بلهجة اشعر معها بالألفة.
في تلك اللحظة، لا ارى بسطة خضار فقط، بل ارى جزءا من القدس التي اعرفها وأحبها. فالخضار المعروضة امامي لا تأتي وحدها، معها تأتي حكاية الارض، وذاكرة الفلاح، ومواسم القرية، ورائحة الحقول. حين امسك بحبة بندورة او اشم رائحة النعناع، اشعر للحظة ان شيئا من الريف وصل الى قلب المدينة. عرفت اسواق القدس منذ زمن حضور القرويين الذين كانوا يأتون من المناطق المحيطة لبيع منتجاتهم الزراعية. كانوا يصلون في الصباح الباكر، يحملون ما جادت به الارض، ويعرضونه امام الناس. ومع مرور السنوات، لم يعد هذا الحضور مجرد نشاط تجاري، بل أصبح جزءا من الحياة اليومية للمدينة، ومن صورتها الشعبية التي يصعب تخيل السوق من دونها.
لكن بائع الخضار المقدسي ليس تاجرا فقط. هو وجه مألوف، وصوت نعرفه، وشخص تتقاطع معه تفاصيل حياتنا اليومية. يعرف زبائنه، ويحفظ عاداتهم، ويدرك من يشتري بالكيلو ومن يكتفي بحبتين بسبب ضيق الحال. يعرف من ينتظر موسم الباذنجان البتيري، ومن يسأل عن الخبيزة والبقلة والزعتر. ومع الوقت، تتجاوز العلاقة بين البائع والزبون حدود البيع والشراء. قد يسأل البائع عن غياب زبون اعتاد رؤيته، او يضع له شيئا اضافيا في الكيس، وقد يتبادل معه المزاح او الحديث عن الاسعار والحياة. وفي هذه التفاصيل الصغيرة تتشكل علاقة انسانية لا توفرها المتاجر الحديثة.
لهذا اشعر احيانا ان بائع الخضار يعرف عن حياة الناس أكثر مما نتصور. فهو يرى الوجوه كل يوم، ويلاحظ الغائب قبل الحاضر، ويعرف من جاء سعيدا ومن جاء مثقلا بهمومه. والسوق بالنسبة اليه ليس مكانا للعمل فقط، بل فضاء اجتماعيا تلتقي فيه الحكايات. وتزداد هذه الصورة انسانية حين يتعلق الامر بالفلاحات القادمات من القرى. حين اراها تجلس خلف بسطتها، اتخيل الطريق الذي قطعته في الصباح، والجهد الذي بذلته في زراعة الارض وقطف المحصول وحمله الى القدس. أفكر في يديها المتعبتين، وفي الارض التي انتظرت موسمها، ثم جاءت بها الى السوق لتعود في نهاية اليوم برزقها.
هذه النساء لا يحملن الخضار فقط، بل يحملن شيئا من الريف الى المدينة. انهن يواجهن تعب السفر والحر والبرد، ويجلسن لساعات طويلة، ويفاوضن الزبائن على السعر والكمية. ومع ذلك، يبقى في وجوههن شيء من القوة والكرامة والاصرار على العمل. وفي القدس، لا يمر غياب هذه الوجوه دائما دون ان نشعر به. عندما نعتاد بائعا او بائعة في زاوية من السوق، يصبح وجوده جزءا من المكان. وحين يغيب، يبدو المشهد ناقصا. عندها ندرك اننا لم نكن نشتري منه فقط، بل كنا نلتقي بإنسان أصبح مع الزمن جزءا من ذاكرتنا.
غير ان استمرار هذه المهنة ليس امرا سهلا. فالأسواق القديمة تواجه تراجع الحركة التجارية، والضرائب والقيود، وتغير عادات الشراء، وتراجع عدد الزوار في فترات كثيرة. كما تغيرت وظيفة بعض الاسواق التي كانت معروفة بالخضار، وحلت محلها محال تجارية وسياحية. لهذا، عندما ارى بسطة خضار ما زالت قائمة في زاوية قديمة، اشعر بفرح خاص. بقاء البسطة يعني بالنسبة الي ان جزءا من القدس القديمة ما زال يقاوم الغياب، وان علاقة المدينة بالأرض والريف لم تنقطع.
لقد تغيرت طرق البيع والشراء، وانتشرت المتاجر الكبيرة والخضروات المعبأة والاسعار المحددة، لكن البسطة بقيت تحتفظ بشيء لا توفره المتاجر الحديثة، العلاقة الانسانية المباشرة. بائع الخضار يعرف زبونه، والزبون يعرف حكايته. بينهما ميزان وكيس خضار وبعض المساومة، لكن خلف ذلك كله علاقة تراكمت عبر سنوات.
ومن هنا، لا ارى بائعي الخضار هامشا في المشهد التجاري للقدس، بل جزءا من متنها الاجتماعي والثقافي. انهم يحفظون مواسم الارض، ويصلون الريف بالمدينة، ويوفرون قوتا يوميا للعائلات، ويمنحون الاسواق شيئا من روحها القديمة. قد لا يحمل بائع الخضار مفتاحا لباب تاريخي، ولا يقف امام معلم شهير، لكنه يحمل شيئا من القدس في صندوقه وبسطته وندائه ولهجته. يحملها في رائحة النعناع، وفي لون البندورة، وفي حزمة الزعتر، وفي يديه اللتين ترتبان الخضار كل صباح. وربما لهذا السبب، حين تختفي بسطة من زاوية اعتدنا رؤيتها فيها، نشعر ان شيئا من المكان اختفى معها. فالقدس لا تحفظ ذاكرتها في الحجارة وحدها، بل في الناس ايضا، وفي مهنهم وعلاقاتهم وتفاصيل حياتهم اليومية.
كلما امشي في اسواق القدس القديمة، اتوقف امام بسطات الخضار، أتأمل الوجوه، استنشق رائحة الخضار الطازجة، واستمع الى اصوات السوق. هناك، بين صندوق بندورة وحزمة نعناع وصوت بائع ينادي، اشعر انني لا امر في سوق فقط، بل امر في جزء حي من ذاكرة المدينة. وربما يكون هذا هو سر القدس، انها لا تزال قادرة على ان تحكي قصتها من خلال ابسط تفاصيل الحياة.

