• 2 أيلول 2026
  • مقدسيات

 

بقلم : الشيخ مازن أهرام  

تُعدُّ الشعوذة من الظواهر الخطيرة التي تهدد سلامة العقيدة الإسلامية،والمجتمع المقدسي  إذ تقوم على الخداع والتمويه وإيهام الناس بامتلاك قوى خارقة أو معرفة الغيب، مستغلةً حاجاتهم النفسية والاجتماعية وقد جاء الإسلام ليحرر الإنسان من الخرافة والوهم، ويربطه بالله تعالى وحده، ويغرس في نفسه التوكل عليه والأخذ بالأسباب المشروعة 

الشعوذة لغةً هي التمويه وإظهار الباطل في صورة الحق، 

أما اصطلاحًا فهي كل فعل يقوم على الخداع والاحتيال لإيهام الناس بقدرات غير حقيقية، سواء بالاستعانة بالطلاسم أو بادعاء تسخير الجن أو معرفة الغيب أو استخدام وسائل لا أصل لها في الشرع ولا في العلم 

موقف الإسلام من الشعوذة حرَّم الإسلام الشعوذة والسحر والكهانة تحريمًا قاطعًا؛ لأنها تناقض عقيدة التوحيد وتفضي إلى الشرك بالله، قال تعالى

  ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ النمل: 65    

وقال النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم 

«مَن أتى عرّافًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
رواه مسلم  

 (من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد ) رواه أبو داود والترمذي وأحمد، مع اختلاف في ألفاظ الروايات ودرجاتها

 في عالمٍ يزداد فيه التعقيد، وتتنامى فيه التساؤلات، تظل بعض المفاهيم غامضة وملتبسة، وكأنها ضربٌ من الخيال، ومن بين هذه المفاهيم، تبرز الشعوذة التي تُعدّ مزيجًا من الخفة وسرعة اليد، وخداع الحواس، ما يجعلها تُزيّن الباطل وتُظهره على أنه حق  وتزداد خطورة هذه الظاهرة في المجتمعات التي تنتشر فيها الخرافات ويضعف فيها الوعي الديني والعلمي، إذ قد تتحول من مجرد ممارسات فردية إلى سلوك اجتماعي يؤثر في الأسرة والعلاقات الإنسانية، ويستنزف أموال الناس، ويقوّض قدرتهم على التعامل العقلاني مع مشكلاتهم           .

أسباب انتشار الشعوذة ترجع ظاهرة الشعوذة إلى عدة عوامل، من أبرزها ضعف الإيمان، والجهل بأحكام الدين، وانتشار الخرافة، وضعف الوعي العلمي، إضافة إلى الأزمات النفسية والاجتماعية، كاليأس والخوف والبحث عن حلول سريعة للمشكلات، فضلاً عن استغلال المشعوذين لحاجة الناس وطمعهم في تحقيق مكاسب مالية

تقوم الخرافة على تفسير الظواهر والأحداث تفسيرًا لا يستند إلى دليل صحيح، بينما تستند الشعوذة غالبًا إلى استغلال هذا الاستعداد النفسي لدى الإنسان. فقد يلجأ المشعوذ إلى الطقوس الغامضة، والبخور، والطلاسم، والعبارات المبهمة، والحركات المسرحية، أو إلى أساليب نفسية تعتمد على الإيحاء وقراءة ردود أفعال الشخص؛ بهدف إقناعه بامتلاك قوى خارقة.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين الإيمان بالغيب الذي يقوم على الوحي، وبين الخرافة التي تقوم على ادعاءات  بشرية بلا دليل  فالإسلام لا يعارض العقل، بل يحث على النظر والتفكر والتثبت، ويمنع الإنسان من تسليم عقله لكل دعوى مجهولة المصدر 

ومن ثم فإن مقاومة الشعوذة ليست مجرد مواجهة لممارسة فردية، وإنما هي دفاع عن قيمة العقل وضرورة التثبت من المعلومات، وحماية للإنسان من الاستغلال النفسي والمادي والعقدي

مظاهر الشعوذة أشكال كثيرة وألوان  متعددة. وبالتأمل في مجتمعاتنا الإسلامية للأسف، نلاحظ وجود طائفة من المشعوذين يَدَّعُون علم الغيب، ويستخدمون ادعاءهم هذا في إيهام الناس بقدرتهم على تغيير أقدارهم بتيسير سبل الرزق مثلا، أو تسريع الزواج، أو تحقيق النجاح وما شابه ذلك من الأماني التي لا تتحقق في الواقع إلا بالأسباب الشرعية والعلمية والعمَلية. ومن المشعوذين من يدَّعي استخدام السحر لعلاج مرضٍ معين، أو حل مشكلة مستعصية، أو إلحاق الأذى بشخص ما. ومنهم من يقوم بصناعة التمائم والأحجبة وإيهام الناس بقدرتها على جلب المنافع ودفع الشرور. ومن مظاهر الشعوذة كذلك، ادعاء الصلاح والولاية، والنظر في النجوم، والتوسل بالأضرحة

للشعوذة تكمن نتائج وخيمة وأضرار جسيمة ليس على الفرد فحسب، بل على المجتمع بصفة عامة. فعلى صعيد الفرد، تساهم الشعوذة في زرع بذور الشرك بالله سبحانه وتعالى، وزعزعة الإيمان بالقضاء والقدر، وإفقاد الفرد السيطرة على العقل وعدم إعماله في حل المشاكل، وترسيخ أفكار خاطئة في نفوس ضعاف النفوس وإيهامهم أن المشعوذ ليس سوى وسيط خير بين العبد وربه. وعلى صعيد المجتمع، تساهم الشعوذة في ترسيخ ثقافة الجهل، وتعزيز الفكر الخرافي، الأمر الذي يؤدي إلى تفكك العلاقات بين الناس وتأخر المجتمع، ومن نتائجها كذلك، اختلاط الحلال بالحرام، واستغلال هذه الظاهرة للمتاجرة في مآسي الناس ومعاناتهم من خلال النصب عليهم وجَرِّهِم إلى مستنقعات الشِّرك والكفر والضلال.

ومن أبرز الظواهر الاجتماعية المنتشرة في عدد من المجتمعات لا سيما العربية، وفي المجتمع المحلي تفشت تلك الظاهرة  كهشيم  محتضر يمارسها فئة ضالة وأُخرُ نساء تربعن على  كوانين الجمر والبخور وكأن تلك المهنة الوضيعة  من لوازم الاستجابة وتحضير  الشياطين  وهي عرض زائل واستخفاف بالعقول تعود لأسباب عديدة قد يكون اليأس أحدها وهتك الأعراض والإسقاط وما خُفيَ أعظم...

العوامل الشخصية  تتعلق بالفرد نفسه الذي يلجأ إلى هذه الأساليب لحل مشاكله التي عادة تعد تقليدية في بعض المجتمعات أبرزها العربية التي ما زالت تملك تفكيرًا "خرافيًا" في بعض الأحيان 

هذه الخصائص الفردية يشعر فيها الانسان بأنه غير قادر على السيطرة على أموره، ولا يملك مقومات ترشده إلى تغيير واقعه الذي من المفترض أن يكون في يده، فيجرّب الأساليب الأخرى المتاحة، ومنها الشعوذة وغيرها 

تُخلّف الشعوذة آثارًا خطيرة على الفرد والمجتمع؛ فهي تضعف التوحيد، وتزعزع الثقة بالله، وتنشر الخوف والقلق والأوهام، كما تؤدي إلى تفكك الأسر، وإثارة العداوة بين الناس، واستنزاف الأموال، وترسيخ ثقافة الجهل والخرافة، وتحويل معاناة الناس إلى وسيلة للكسب غير المشروع.

تتحقق الوقاية بترسيخ العقيدة الصحيحة، وتعزيز التوكل على الله، ونشر الوعي الديني والعلمي، والرجوع إلى أهل الاختصاص في العلاج والاستشارة، ومواجهة الدجالين بالقانون والتوعية، وتنمية التفكير السليم القائم على الدليل والعلم

إن الشعوذة ليست علاجًا للمشكلات ولا طريقًا لتحقيق الأمنيات، وإنما هي لون من ألوان الخداع والانحراف العقدي والفكري، يتعارض مع مقاصد الإسلام التي تقوم على توحيد الله، واحترام العقل، والأخذ بالأسباب المشروعة. ومن المنظور الإسلامي، يتعارض ادعاء علم الغيب مع أصل التوحيد؛ فالغيب المطلق لا يعلمه إلا الله تعالى، بينما يقوم التعامل السليم مع مشكلات الحياة على التوكل على الله، والأخذ بالأسباب المشروعة، والاستعانة بأهل الاختصاص، وإعمال العقل.

وعليه، فإن مواجهة الشعوذة مسؤولية مشتركة لا تقع على المؤسسات الدينية وحدها، بل تشمل الأسرة والمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والجهات القانونية والمجتمع بأسره. فحماية الإنسان من الدجل لا تكون بمجرد تحذيره منه، وإنما ببناء إنسان واعٍ يمتلك عقيدة سليمة، وعقلًا ناقدًا، وثقافة علمية، وقدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم

لترسيخ ثقافة الإيمان الصحيح والعلم، وصيانة المجتمع من الخرافة والدجل وفي النهاية، يبقى السؤال جديرًا بالتأمل: إلى متى يظل الإنسان أسيرًا لأوهام الدجل والدجالين، وهو يمتلك عقلًا وهبه الله له، وقدرة على التعلم والتفكير والبحث عن الحقيقة؟ إن احترام العقل، إلى جانب سلامة العقيدة، يمثلان خط الدفاع الأول في مواجهة الخرافة والاستغلال وإلى متى نغرق في أوهام الدجل والدجالين ونحترم العقل الذي وهبنا  إياه الله وخلق الإنسان في أحسن تقويم .....!!!.