• 27 أيلول 2026
  • مقدسيات

 

القدس- أخبار البلد- كتب نافذ عسيلة: 

من منظور مقدسي معايش، تابعت كلمة جلالة الملك عبد الله الثاني امام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 ايلول 2026 من قلب القدس، وشعرت منذ اللحظة الاولى ان وقعها لن يتوقف عند قاعة الامم المتحدة، بل سيمتد الى القدس والى الداخل الاسرائيلي. فالمدينة التي اعيشها حجرا حجرا لم تكن بالنسبة لي مجرد موضوع في الخطاب، بل حاضرة في كل كلمة تتصل بالمقدسات وفلسطين ومستقبل المنطقة.

لكن أكثر ما استوقفني بعد الكلمة كان حجم الصدى الذي اثارته في اسرائيل. فقد تعاملت وسائل الاعلام الاسرائيلية مع الخطاب بوصفه انتقادا مباشرا وحادا لسياسات الحكومة الاسرائيلية في غزة والضفة الغربية، الى جانب تحذيرات الملك من النشاط الاسرائيلي في جنوب سوريا. كما ردت الخارجية الاسرائيلية بصورة مباشرة على مواقفه، بينما تناول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الخطاب في اليوم التالي، واصفا ما صدر عن الاردن في الامم المتحدة بالتشهير بإسرائيل.

ومن القدس، كان لافتا لي ان الغضب لم يبق في حدود الردود الرسمية والاعلامية، بل امتد الى منصات التواصل الاجتماعي، حيث ظهرت تعليقات اسرائيلية حادة ضد الملك والاردن، ووصل بعضها الى الدعوة لاتخاذ اجراءات ضد الاردن او اعادة النظر في بعض اوجه التعاون بين البلدين. ومع ذلك، ارى ضرورة عدم الخلط بين هذه الاصوات وبين المجتمع الاسرائيلي كله، لان ما ينشر على منصات التواصل لا يمثل تلقائيا موقف غالبية الاسرائيليين.

وانا اتابع هذا التفاعل من القدس، شعرت بمزيج من الدهشة والمرارة. كلمة قيلت في نيويورك تحولت خلال ساعات الى مادة للغضب والسجال في اسرائيل، وكأن القدس وفلسطين لم تعودا مجرد ملفين سياسيين، بل أصبح اسمهما قادرا على اثارة هذا القدر من الحساسية في الخطاب الاسرائيلي. وكان ذلك بالنسبة لي دليلا اضافيا على ان كل ما يمس القدس ومقدساتها ما زال يوقظ مشاعر عميقة ومتباينة على جانبي المدينة.

اما انا كمقدسي، فقد كنت اسمع هذه الردود من داخل مدينة لا تحتاج الى من يشرح لي معنى القدس. عندما يتحدث جلالة الملك عن مقدساتها والوصاية الهاشمية والوضع التاريخي والقانوني القائم فيها، اشعر ان الكلام يمس شيئا عميقا في داخلي. وعندما اسمع الغضب الاسرائيلي تجاه هذا الخطاب، اشعر في الوقت نفسه بثقل الصراع الذي يحيط بمدينتي، وبحجم الحساسية التي اصبحت تختزنها كل كلمة عن القدس.

ولذلك، لم يكن أكثر ما بقي في نفسي من ردود الفعل الاسرائيلية هو حدتها فقط، بل شعوري بان القدس كانت حاضرة بقوة في هذا السجال. فبالنسبة للإسرائيلي، كما ظهر في المواقف المنشورة، كانت الكلمة مرتبطة بالسياسة والامن والعلاقة مع الاردن، بينما اسمعها انا من داخل القدس باعتبارها تتصل ببيتي وذاكرتي ومقدسات مدينتي.

ومن هذا الموقع المقدسي، بقي لدي شعور بالاعتزاز لان صوت القدس وصل الى منبر دولي كبير، وبالقلق ايضا من ان تتحول المدينة مرة اخرى الى ساحة للسجال وحدها. وبين الاعتزاز والقلق، بقيت القدس كما هي، مدينة نعيشها كل يوم، ونحمل همها في قلوبنا.