• 29 أيلول 2026
  • مقدسيات

 

 

القدس - أخبار البلد - كتب نافذ عسيلة :

 

من منظور علم الاجتماع التربوي، لا يتشكل وعي الطفل بالقدس داخل المدرسة وحدها، بل يبدأ في البيت، من اللغة التي يسمعها، والقصص التي يتلقاها، والصور التي تتكون لديه عن المكان. وفي القدس، حيث يتداخل الدين بالتاريخ والهوية والسياسة، تصبح التربية اليومية جزءا من الطريقة التي يشعر بها الطفل تجاه مدينته وتجاه ما يحدث في مقدساتها.

وبالنسبة الى سكان القدس المسلمين، لا تبدو اقتحامات الحرم القدسي الشريف مجرد مشاهد سياسية عابرة، بل تلامس مشاعر عميقة مرتبطة بالدين والكرامة والذاكرة والامن. فالأب والام اللذان يشاهدان مشاهد الاقتحام لا ينظران اليها كخبر بعيد، بل كحدث يمس مكانا مقدسا يشكل جزءا من حياتهما وذاكرة اسرتهما، ويخشون ان تنتقل مشاعر التوتر والخوف الى اطفالهم.

وفي أحد صباحات القدس، قد يبدأ المشهد عاديا، محال تفتح ابوابها، وصاحب دكان يرفع باب متجره في البلدة القديمة، وامرأة تعبر أحد الازقة مسرعة، واطفال يتوجهون الى مدارسهم. لكن ما ان تنتشر اخبار الاقتحام حتى يتغير ايقاع المدينة. يتوقف الناس عند هواتفهم، تتبادل الهمسات في الطريق، ويسأل الطفل اباه عما يجري. وقد لا يجد الاب الكلمات السهلة التي يشرح بها لطفله معنى ما يحدث في مكان يحبه ويعتبره جزءا من روحه. يكتفي احيانا بالنظر الى الحرم، او يقول له بهدوء، هذا مكان مقدس لنا، ونحن نخاف عليه.

هذا المشهد اليومي البسيط يكشف الكثير من علم الاجتماع التربوي في القدس. فالطفل لا يتعلم فقط من الكلام المباشر، بل يقرأ المدينة من خلال سلوك الكبار وانفعالاتهم. يرى القلق في وجه امه، ويسمع تغير نبرة ابيه، ويلاحظ ان الحديث عن الحرم لم يعد حديثا عاديا. ومن خلال هذه التفاصيل الصغيرة يبدأ في بناء علاقته العاطفية بالمكان.

ويعيش الطفل المقدسي هذه المشاعر حتى عندما لا يفهم كل ابعادها السياسية. فهو يرى قلق والديه، ويسمع حديث الكبار، ويتابع الصور والمشاهد، ويلاحظ تغير الاجواء في المدينة. وهكذا تتحول الاحداث المحيطة بالحرم الى جزء من التربية غير المباشرة، حيث يتعلم الطفل معنى المكان من خلال مشاعر اسرته تجاهه قبل ان يتعلم تفاصيله التاريخية في المدرسة.

وفي المقابل، يمكن لبعض الاطفال والفتيان اليهود، وخصوصا في البيئات التي تتبنى مواقف دينية او قومية متشددة، ان يتلقوا الاقتحامات ضمن خطاب يقدمها باعتبارها تعبيرا عن الهوية او الوجود او الحق الديني. ومع تكرار هذه الرسائل في البيت والمجتمع ووسائل الاعلام، قد تتحول الممارسة تدريجيا من مشهد يراه الطفل اليهودي الى رمز يرتبط في ذهنه بالانتماء والهوية.

وهنا يظهر البعد التربوي الاكثر حساسية. فالطفل لا يرث المعلومات فقط، بل يرث ايضا المشاعر تجاه المكان. وما يشعر به الطفل المسلم تجاه الحرم من قدسية وقلق وخوف على مستقبله، وما قد يشعر به طفل يهودي في بعض البيئات من انتماء ورغبة في اثبات الوجود، يمكن ان يصبح جزءا من وعي الجيل الجديد بالقدس.

ومن منظور اجتماعي تربوي، لا تكمن المشكلة في ان يكون للطفل هوية دينية او تاريخية، بل عندما تتحول الهوية الى إطار مغلق يرى الاخر بوصفه تهديدا. عندها تصبح القدس نفسها مساحة للمواجهة في وعي الطفل، ويصبح الحرم القدسي الشريف ليس فقط مكانا مقدسا، بل رمزا للصراع بين روايتين ومشاعر متعارضة.

ولهذا فان مشاعر سكان القدس تستحق ان تكون جزءا اساسيا من فهم التربية في المدينة. فالأم المقدسية التي تخشى على قدسية الحرم، والاب الذي يشعر بالقلق من تكرار الاقتحامات، والطفل الذي يلتقط هذه المشاعر من بيته، جميعهم يعيشون الحدث بصورة مختلفة عن المتابع البعيد الذي يراه في وسائل الاعلام.

ومن هنا، فان التربية في القدس ليست عملية نقل معلومات فقط، بل هي ايضا نقل للمشاعر والذاكرة والاحساس بالمكان. وكلما ازدادت الاقتحامات حضورا في الحياة اليومية، ازدادت قدرتها على التأثير في الوعي النفسي والاجتماعي للأطفال، وعلى تشكيل علاقتهم بالمدينة.

فالقدس التي يرثها الاطفال ليست فقط القدس التي يتعلمون تاريخها في الكتب، بل القدس التي يشعرون بها في بيوتهم، ويرونها في وجوه ابائهم وامهاتهم، ويعيشون توترها في شوارعها ومقدساتها. ومن هنا، فان مستقبل القدس يرتبط ايضا بكيفية انتقال هذه المشاعر الى الاجيال الجديدة، وبقدرة التربية على حماية الهوية والكرامة والذاكرة من دون تحويلها الى خوف دائم.