• 4 نيسان 2022
  • مقابلة خاصة

 

 بقلم : ارشـد هورموزلو

 

كنت في كثير من أحاديثي إلى الفضائيات المحلية والأجنبية استشهد بمقولة اعتاد الكثيرون من أجيالنا السابقة ترديدها، عندما كان الأمر يتعلق بأهمية الحوار وتبادل الرأي بدل الانفراد بأحكام مسبقة لا تتيح للطرف الأخر بيان رأيها فيها.

وقد أورد قاموس المعلم ناجي تلك المقولة المتمثلة بعبارة   ّمن تصادم الأفكار تبرز بارقة الحقيقة  ّ مبينا أن تلك المقولة تعود للشاعر والمفكّر التركي الكبير نامق كمال.

لقد ذهب الأستاذ الكبير إلى التأكيد على أهمية الحوار، حتى لو كانت الأفكار متضاربة وتعاكس بعضها البعض، فمن مناقشة كل شيء يسهل الوصول إلى الحقيقة المثلى والرأي الصائب.

لا بد أنكم قد صادفتم في بعض المقالات أو الأحاديث أن هناك لوحة كبيرة معلّقة قي بوابات وقف نوبل تقول: إذا كان هنا اثنان يفكّران بنفس الشكل، فإن أحدهما هو زائد عن الحاجة!

ولا ننسى أن مولانا جلال الدين الرومي قد قال في الزمن الغابر: إذا كنت تملك عقلا سديدا، فصادق شخصا عاقلا آخر، تتدبر أمورك بالاستئناس برأيه.

وعندما نقول إن بارقة الحقيقة تنبع من تصادم الأفكار، فإننا نقصد بذلك في يومنا هذا القرار المشترك والشورى في الأمر، ولا بد أنكم تدركون الآن أن ذلك أكثر ما نحتاجه في هذا الزمن.

ولنفكر معا، لماذا تؤسس الجمعيات والمنابر الفكرية ولماذا يجتمع الناس من أجل فعاليات اجتماعية؟ فاذا لم تكن هناك حاجة للعقل المشترك فستكون هناك مبادرات فردية صرفه وسيفكر الشخص الواحد فيما يراه صحيحا ويطبق أفكاره وحيدا فردا.

ومن أمراض عصرنا أن هناك من ينال النجاح في مسعاه ويبرز اسمه بشكل لامع فيتصور أنه ليس بحاجة إلى أي أحد كان فيبدأ في اتخاذ خطوات فردية مبسترة، وللأسف فإن بعض من هؤلاء ربما يتمنى ألا ينجح أي شخص آخر في مسعاه لكي يبقى وحيدا في خانة النجاح ويتصور أن ذلك مما سيرفع من مكانته.

في حين ان الأمر هو بعكس ذلك تماما. فعندما تخبو شعلة هذا الشخص بينما يتوهج لهيب من يستند على الفهم المشترك والتشاور واستمزاج آراء الآخرين فترتفع رايتهم بينما تنتكس الراية الأخرى.

وليتذكر من يسلك مثل هذا الطريق ما ذكرناه في أحاديث سابقة. قلنا لهم أنه يجدر بكم أن تلقوا التحية على من هو في جانبي الطريق عندما تصعدون بطريقكم إلى القمة، لأنكم سوف تواجهون نفس الأشخاص عندما يحين موعد نزولكم منها، وهذا محتّم إذا كنتم تفكرون بهذا النمط. وربما سيكون الآخرون يرتقون إلى القمة وسيلقون إليك بالتحية وهم صاعدون. 

ولنتذكر قليلا ما قاله السلف الصالح:

ـ تميل الأشجار برأسها إلى الأرض عندما تثمر كثيرا.

ـ لا يمكن أن يطلّ عليك الربيع بزهرة وحيدة.

ـ ما يمكن أن تفعله اليد الواحدة، بينما اليدان الاثنان تصفّقان.

ـ من يعلم كثيرا، يخطئ كثيرا.

ـ لا تتكون البحيرة إلا من قطرات متعددة.

فهل أنتم تبتغون البحيرة؟ إذن عليكم الاستفادة من كل قطرة متوفّرة لتكملوا ذلك. وفي دنيا الفكر نسمّي ذلك العقل المشترك.

ولنعلم أن من أهم أسباب عدم اللجوء إلى العقل والفهم المشترك هو الغرور وحب الذات، كم منّا قد تخلص من أدران هذا المرض وخلق لنفسه سجل مسيرة نظيفة بربكم؟

إن المعيار الذي نلتمسه هو معيار واحد وموحّد. فمن العبث محاولة تغيير المعيار الصائب. إذ أن هذه المحاولة تندرج في خانة الذنوب. وبالتأكيد فإن أي أحد قد حاول أن يسلك ذلك الطريق قد فشل وعاد يسحب وراءه أذيال الخيبة.

ربما رأيتم ما يشير إلى ذلك سواء في السياسة الدولية أو في القضايا العقائدية. ولعلكم رأيتم من كانت صوره الملونة تزيّن أركان الشوارع قد أصبح محتاجا في يوم لاحق لتحية مقتضبة ممن يمر من جواره ولم يحظ بها. لماذا؟ لأنه لم يفكّر في إلقاء التحية على من رآهم وهو يرتقي إلى القمة، بل لم يجد في نفسه ما يوعز إليه بذلك، فترجّل ولم يجد من يلقي إليه بالتحية.

ولنتمعن أيضا، ألا يوجد عكس ذلك؟ هناك الكثيرون بالتأكيد. فقد ترك الكثيرون ذكرا طيبا عندما كانوا على قيد الحياة وبعدما اختطفتهم يد المنون، وقال الكثيرون أنه يصعب ملء الفراغ الذي احدثوه. فمن أية طينة ترومون أن تكونوا؟

إن المعادلة التي يجب علينا جميعا أن ندركها هي هذه. فمن تصادم الأفكار تبرز بارقة الحقيقة ووهجها، فلندع المجال لذلك بإيمان ثابت، عندها ننجح في مسعانا وتتفوق أفكارنا ومبادئنا.

ولكن وبربكم لا تخلطوا الأمور ببعضها، فنحن نتحدث هنا عن تصادم الأفكار وتنوعها ولا نتحدث عن صدام الانسان ورجال الفكر والعقيدة ومن يتولون مسؤولية العمل. حذار من خلط الأمور ببعضها أيها الأحبة.