- 14 نيسان 2022
- مقابلة خاصة
بقلم : ا.د. زيدان كفافي*
( ورقة قدمت في المؤتمر الدولي الاول المعني بالادارة السياحية والذي عقد في الجامعة الهاشمية )
تهدف هذه الورقة لتنبيه الناس في العالم العربي لمآل التراث العربي والإسلامي نتيجة للصراعات الدائرة في المنطقة العربية. فبعد التعريف بماهية التراث، يتسائل الكاتب حول موقف أبناء العروبة من المحافظة على تراثهم، ويتعجب من مدى جهل الكثير من أبناء الجيل المعاصر وعدم اهتمامهم بتراث أجدادهم. كما تركز اورقة على عدم الإهتمام بتدريس العلوم الإنسانية والإجتماعية في المؤسسات التعليمية والتركيز على العلوم البحتة، وهذا يؤدي إلى جهل اناس بتراثهم وهويتهم. كما تم طرح سؤال عما يجري، وهو: هل الذي يحدث بخصوص ضعف الاهتمام بالتراث العربي هو نتيجة لعوامل عفوية؟ويرى الكاتب أن الحل هو في إعطاء دراسة التراث والمحافظة عليه والمحافظة عليه أولوية على غيره من العلوم الأخرى، وتنشئة جيل واع بأهميته، دارس له، ومحافظ عليه.
ما دفعني للحديث تحت عنوان" الأمن القومي للتراث" هو انشغال الناس في البلدان العربية بنتائج ما اتفق على تسميته باسم "الربيع العربي". علماً أنني ممن ينادون دائماً للتغيير نحو الأفضل. ويأتي هذا الأمر في ذروة أصوات سياسة عالية يسمع ضجيجها في مختلف أصقاع العالم، لكننا في جانب آخر لاهون عمّا يتعرض له تراثنا الثقافي من نهب، وسلب، وتزوير. ومن لا يعلم فإنني لا أبالغ إذا قلت أن التراث الحضاري العربي يسبق تاريخياً تراث جميع الأمم.
وللذين لا يعلمون فإن كلمة التراث واسعة بمدلولها، فهي تعكس الفكر الانساني وتشمل نماذج من سلوكه، وطرق تفكيره. وربما يكون التراث ملموساً (Tangible) أو غير ملموس (Intangible) (هياجنه 2011: 18 -21)، كما أنه يشكل جزءاً كبيراً من الثقافة التي صنعتها مجموعة، أو مجموعات بشرية، وتقاسمتها سوياً. وتضم الثقافة - وهي الوعاء الفكري الأوسع للتراث- مجموعة من المعتقدات، والنظم المسلكية، واللغات، والفنون، والتقنيات، والأزياء، وطرق المعيشة، والنظم الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية. وهذه جميعها تصب في خانة التراث، وهذا يشكل الهوية. وبرأينا أن معرفة الإنسان لتراثه تعزز انتمائه إليه، وبالتالي ولائه لوطنه، ويعزز الوحدة بين أبناء الوطن (كفافي 2009: 1-5).
وكما هو رأي مجموعة من الأنثروبولوجيين فإننا نعتقد أن المتغيرات الثقافية المتعلقة بالتراث وغيره ترتبط كثيراً بالبيئة الاجتماعية وبالاقتصاد. وأما خصائص الثقافة، والتي يشكل التراث جزءاً كبيراً منها، أنها رمزية، فاللغة رمز وهي وسيلة للاتصال بين الناس، وقد تشكل كلمة واحدة مجموعة من الأحاسيس. كما أن الثقافة مكتسبة، ومشتركة، ومتوارثة (كفافي 2005: 24- 35).
إن ما يجرى على الساحات العربية لا يتوقف عند قتل الناس...بل يتعداه إلى تدمير أوابد تركها لنا الأجداد، كانت ولا تزال شاهداً على عظمة الأمة العربية والاسلامية (كفافي 2009أ؛ 2009ب: 85-100 ) . لقد أثبتت التحريات الأثرية أن الناس تواجدوا فوق هذه الأرض الطيبة قبل ملايين السنين، وأنهم تحضروا (أي استقروا وسكنوا القرى) قبل أكثر من عشرة آلاف عام، وأسسوا المدن والدول، وعرفوا الكتابة والقراءة، والأعداد، والمكاييل، قبل أكثر من خمسة آلاف عام. في تينك الوقت كانت أكثر أمم العالم تغط في عصور ما قبل التاريخ. لقد بنى الفراعنة في مصر الأهرامات، وأهل وادي الرافدين الزقورات، ونحت الأنباط البتراء، وبنى الغساسنة العرب الكنائس، والمسلمون الجوامع والمساجد، وعلى هذه الأرض الطهور سار الأنبياء والرسل، فكانت الديانات السماوية السمحاء....هذه مقدمة مختصرة لما كان الأجداد عليه، ولنصل إلى السؤال أين نحن الآن من أمم العالم الأخرى؟
الاجابة على هذا السؤال موجودة في رأس كل عربي ومسلم، نحن نعيش الآن في زمن هو أكثر انحطاطاً من زمن ملوك الطوائف، وأكثر ذلة من وقت حكم الصليبيين. يقتل الشخص أخاه في سبيل مصلحة شخصية، أو فكر متطرف...نتسمر في هذا الزمان أمام التلفزيون لنسمع خبراً، ونرى صورة...نضرب بعدها كفاً بكف، ونقول لا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم... ونزيد: رب إحم الأردن، وأدم علينا نعمة الأمان والاستقرار.
لا أدري إن كنت أكرر نفسي بدخولي إلى حديث يدعو إلى حماية التراث في بلداننا العربية، في وقت يقتل الناس فيه بعضهم بعضاً. أكتب هذا لأنني لست أحرص من غيري على هذا التراث، ولكن لأن في النفس غصّة...لأنني أرى أن من لا يرعوي في قتل أخيه...كيف له أن يهتم بتدمير، وتحطيم كل ما يثبت حضارة أمته، وعراقتها، وهويتها. في هذا الوقت الذي نحطم فيه صورتنا الحضارية ، وشواهدنا التراثية أمام العالم ، نجد غيرنا يبحث عن اثبات له ولأبناء عرقه، ويدفع الغالي والثمين لاعلاء شأنه، لأن في هذا تثبيت له ولأبناء جلدته فوق أرض ليست له.
نقف في الأردن مشدوهين لما يجري حولنا...فها هي اسرائيل تمحو وتزيل وتقلل من أهمية أي أثر في فلسطين يقول أنا عربي اسلامي (زيادة 2010: 27 - 31؛ الناشف 2010: 17 - 26)، ونطل من نوافذنا إلى الشرق لنرى أن الجوامع والمساجد والكنائس تدمر في بلاد أصل الحضارة، في العراق، تنسف، وننظر إلى سوريا في الشمال رافعين أكفنا ليحفظ الله: تل مرديخ، وتل الحريري، ورأس شمرة، وقلعة حلب، وجامع خالد بن الوليد والمسجد الأموي، وقبر صلاح الدين، وتدمر، وبصرى.
يا عرب...ويا مسلمين...المسجد الأقصى، وقبة الصخرة في القدس، والحرم الابراهيمي في الخليل في خطر داهم على الرغم من المطالبة العربية المستمرة لحماية وإدارة الممتلكات الثقافية في الأراضي المحتلة حسب الاتفاقيات الدولية (عبابنه 2011: 16- 17). وإذا كان الأردن قد أخذ على عاتقه مشكوراً رعاية المقدسات الاسلامية في القدس، فإن الحرم الابراهيمي في الخليل سيتهود عاجلاً أم آجلاً، إن بقي الوضع على حاله كما في هذه الأيام.... فماذا فعلت الشعوب العربية والاسلامية بهذا الشأن...؟
والآن يتبادر سؤال آخر في ذهننا أين يقف أبناء العروبة في هذا الوقت من تراثهم العربي الأصيل؟
لا ننكر أن العدد العارف بتراثه يقل كثيراً عن العدد غير العارف به من الناس المنتشرين من المحيط إلى الخليج. كذلك فإننا نلاحظ (وأتمنى أن أكون مخطئاً) أن جيل ما قبل الحاسوب أعرف بتراثه من جيل "الحاسوب المحمول"، حيث أن الجيل الأول لم يملك الانتشار المعرفي بما كان يجري في العالم كما هو حال اليوم. وهنا أقصد ، لقد انتشر الإعلام المسموع، والمرأي خلال العقدين الأخيرين بشكل كبير، وأصبح من السهل جداً على أي مشاهد للتلفاز أن يعرف ما يجري في أي منطقة في العالم دقيقة بدقيقة. لذا اتسع اهتمام هذا الجيل، وتعددت اهتماماته، وأصبحت معرفته لتراثه لا توازي معرفته بما يجري في أي منطقة أخرى في العالم. ونتيجة لهذا سقطت الحدود المعرفية بين بلد وآخر، أو أمة وأخرى، فأصبح كثير من أبناء الضاد يلهثون وراء خبر يفيدهم في معرفة آخر صرعات الطرب الغربية. ومن هنا، وعلى سبيل المثال نجد أن أبنائنا يطربون لسماع الأغنيات الأجنبية، بينما كانت والدتي رحمها الله، إذا قدر لمؤشر الراديو أن يأتي على محطة أجنبية، تستعيذ بالله وتؤلمها آذانها، بينما أنا الآن استميح أبنائي عذراً لأسمع أغاني أم كلثوم، وعبد الوهاب. ولا أريد أن أبين هنا أن والدتي كانت على حق، وأبنائي على باطل، لكنني وددت القول أن والدتي وعلى أميتها كانت على معرفة بكثير من تراثها العربي الأصيل. فمثلاً لو سألتها في حينها أين تقع إربد؟ لوصفت لك الطريق التي توصلك إلى هذه المدينة، أما ربما لو سألت كثير من أبناء هذا الوطن كيف الوصول إلى مدينة المفرق، لما عرف (كفافي 2013/ 2014: 18 -20).
وعودة إلى اللغة العربية، والتي هي وعاء الفكر، أذكر أننا عندما كنا على مقاعد الدراسة، خاصة في الجامعة الأردنية (قبل أكثر من أربعين عاماً)، كان المدرس يهتم كثيراً بأن تكون ورقة الإجابة على أسئلة الامتحانات خالية من الأخطاء الإملائية، والنحوية (رحم الله من توفي من أساتذتنا، وأطال عمر من هو على قيد الحياة)، لكنني الآن، وحيث أنني أعمل في التدريس الجامعي، أبحث عن صفحة تخلو من الأخطاء الاملائية، والنحوية، لكنني والله نادراً ما أنجح في مسعاي. فمن المسؤول عن هذا التراجع المعرفي بلغة القرآن الكريم؟
ولنذهب الآن للفكر والعلم في الوقت المعاصر، فمع انبلاج ثورة المعلوماتية في نهاية النصف الثاني من القرن الفاءت تغير اهتمام الناس وانتقلوا من الدراسات الفكرية المعمّقة إلى العلوم البحتة، والتطبيقات العلمية العملية. ودخل الحاسوب كل بيت، فحل في أغلب الحالات محل الكتاب المطبوع، وسهّل للناس الحصول على المعلومة، وبأسرع وقت. فعوضاَ عن النوم وفي حضنك كتاب، أصبحت العيون لا تمل من التحديق في شاشة المحمول وتنام وأنت تقلب صفحات الأشخاص (Face Book)، أو ترسل رسالة الكترونية (e-mail) لصديق. ولم يعد الناس ينتظرون ساعي البريد، أو يجهدون أنفسهم في الذهاب إلى مكاتب البريد لإرسال رسائلهم. لكن ما علاقة هذا الأمر بالتراث؟
الجواب على السؤال أنه نتيجة لسيطرة الحاسوب، أي المعلومات الحاسوبية، على عقول البشر، أصبح هناك توجيه غير مقصود لاهتمامات الناس، فعزفوا عن القراءة، وأمضوا جلّ وقتهم أمام أجهزة الحاسوب. هذا الأمر أدى إلى حاجة المتعلمين، والمثقفين، والباحثين، لتعلم التقنيات، والبرمجيات الحاسوبية لمجاراة التقدم التقني العالمي، أكثر من حاجتهم للمعرفة الفكرية المرتبطة بالثقافة. وأصبح تعليم تلاميذ المدارس للحاسوب وبرامجه ضرورة قصوى، وأصبح يعلو فوق المباحث المدرسية الأخرى، خاصة الانسانية والاجتماعية. كذلك تطورت المناهج البحثية، وأصبح الحاسوب هو الأداة التي يستعين بها الباحث لتحليل بياناته، كما أصبح أبناؤنا غير ملزمين بحفظ جدول الضرب، كما كان حال جيلنا.
ولم يتوقف هذا الأمر على المدارس، بل تعداها إلى الجامعات التي تسابقت على فتح كليات متخصصة في علوم الحاسوب وتقنياته. هذا الأمر، أي دخول معرفة علمية وتقانية جديدة، كان على حساب العلوم الانسانية والاجتماعية، وأدى إلى اندحارها وهزيمتها أمام هذا التقدم العلمي الهائل. وحتى يتم الأمر على أصوله أصبح لا بد من تخريج كفاءآت بشرية مدربة، انفتحت لها أبواب الرزق بشكل واسع. أمّا هؤلاء الذين ذهبوا لدراسة التاريخ، والجغرافيا، والفلسفة، والآثار، وحتى اللغة العربية فأخذت تصد الأبواب في وجوههم، وأصبحوا عالة على دولهم . وهذا يعني أنه ولعدم توفر زبائن (أي طلبة) يدرسون هذه التخصصات أخذت الجامعات تغلق برامجها الدراسية المتعلقة بها. ولماذا لا، فأصبح التلميذ، أو الباحث إذا احتاج لخارطة الأردن يذهب إلى الحاسوب فيحصل عليها، لكنه لا يعرف كيف يرسمها. وأما إذا سألت بعض طلبة الجامعات أين يقع نهر اليرموك؟ فيعد إلى العشرة، ثم يجيب، إذا عرف الإجابة
من هنا أود القول أن عدم معرفة صغارنا، جيل المستقبل، لتراثنا وبلدنا يقلل لديهم الانتماء له. وهذا بنظري كارثة كبرى، وأخطر كثيراً من القنابل، وشتى أنواع الأسلحة. ورحم الله "المعلم الشيخ" استاذنا الدكتور عبد الكريم الغرايبه، حين قال لنا ونحن على مقاعد الدراسة في جامعتنا الأردنية الحبيبة :" التاريخ قنبلة متفجرة". فهل يعرف أبنائنا تاريخهم؟ للأسف فإن بعضاً منهم لا يستطيعون حتى تحديد الأردن
يفتخر جيلنا، ومن سبقنا، أننا كنّا ونحن في الابتدائية نعرف عن ظهر قلب خارطة العالم، ليس فقط خارطة الأردن، أو العالم العربي. وأما في المراحل الإعدادية والثانوية فكان واجب علينا أن ندرس التاريخ العربي، وتاريخ أوروبا، والفلسفة. وكان لهذه المباحث وزن كبير في امتحان الشهادة الثانوية. وكانت هذه العلوم توضع تحت عنوان واحد هو "الاجتماعيات". وكنت يا سيدي إذا سألت رجل الشارع عن أي عاصمة في الدنيا، ربما يستطيع الإجابة.
ومن من جيلنا لم يقرأ ثلاثية نجيب محفوظ ؟ ومن من هذا الجيل يعرفها؟ أبنائي يقرأون لعدد من الكتّاب الأجانب، مثل: " باولو كويللو" و "دان براون"، لكنهم لا يعرفون "للأسف" من هو عباس العقاد أو يوسف السباعي. أقصد هنا لا عيب في معرفة تراث وثقافة غيرنا، لكننا يجب أن لا نقفز فوق تراثنا. إن معرفة التراث العالمي، إلى جانب تراثنا العربي والإسلامي، هي التي تساعد الانسان على فهم أفضل للحياة ، ولطبيعة العلاقات الانسانية مع بعضها بعضا (Renfrew and Bahn 2001:154-190; Dark 1995: 13-36. 169-196; Fagan 1999: 91-119).
هذا ما يزعجنا هذه الأيام، أي أن معرفتنا بتراث غيرنا تأخذ اليد العليا على معرفتنا بتراثنا. أليس في هذا الأمر تهديد وخطر على معرفتنا بثقافتنا ؟ لكن ما هو الحل؟
أعلم ويعرف غيري أن مواد الاجتماعيات قد اختزلت في المنهج الدراسي لوزارة التربية والتعليم في مبحث واحد هو "الثقافة العامة". كما أن المادة المتعلقة بالآثار في المناهج المدرسية مبعثرة، وتدرس موضوع هنا وآخر هناك. وبرأي أن تدريس التاريخ والجغرافيا والفلسفة ضروري لفهم تراثنا، وديمومته لأجيال المستقبل. كما أنني أتمنى على القائمين على المناهج المدرسية ضرورة تخصيص مادة مستقلة لآثار الأردن وتاريخه القديم. وفي هذا الأمر ترسيخ لمعرفة الطالب بجذوره التاريخيه، وعمقه الحضاري، والانتماء المكاني. كما يفتح هذا أبواباً لخريجي الآثار للعمل مدرسين في المدارس.
ومن المظاهر التراثية المعرضة للانهزام أمام أخرى هي الطرز العمائرية الشرقية عامة، والاسلامية خاصة. من يزور مدننا، وحتى قرانا هذه الأيام يملأ عينيه ببيوت فارهة الجمال، لكنها مبنية بمخططات، وطرز معمارية غربية. فاختفت القناطر (الأقواس) التي تحمل السقوف، لتحل محلها الأعمدة الخراسانية. واختفت الساحات المكشوفة ذوات النوافير المائية، التي تتوسط مجموعة من الغرف، ليفترش الناس الساحات الأمامية، أو الخلفية للبيوت. ومن قدر له أن يزور منطقة الأغوار قبل عدة قرون، لتسنى له أن يكحل عينية ببيوت طينية ذوات سقوف مقببة تتلائم والبيئة التي تقتحم مكانها بيوت خرسانية تصرخ بعلو صوتها من شدة الحرارة في الصيف (شكل 6) . ألم يكن من الأجدى لساكني منطقة الأغوار التمسك ببناء عرفته المنطقة قبل أكثر من عشرة آلاف عام، شكله جميل، ومادة بناءه تعمل مبرداً في الصيف، ومدفئة في الشتاء...!!!! وفوق هذا وذاك كلفة بناءه قليلة.
وإذا أردنا أن ننبه لموضوع شغل كثير غيرنا، وهو أسماء الأماكن والأعلام. فعلى سبيل المثال، لا الحصر، فإن اسرائيل لم تحتل فلسطين فقط، لكنها عملت على تغيير هويتها بتغير أسماء الأماكن، والقرى، والمدن، فيها. فأنت تسمع السامرة، ويهوذا، ويروشلايم، وحبرون؛ عوضاً عن نابلس، وبيت لحم، والقدس، والخليل. وأما الخليج العربي، فأصبح "الخليج الفارسي" عند بعض الباحثين وفي الإعلام. ولم تتغول اسرائيل على أسماء المواقع فقط، بل نجد أن كثيراً من المأكولات (مثل الفلافل، والحمص)، أصبح ينادى عليها في الغرب، بأنها اسرائيلية.
هل الذي يحدث بخصوص ضعف الاهتمام بالتراث العربي هو نتيجة لعوامل عفوية؟ أما أننا دائماً نضع في أذهاننا أن ما يجري لتراثنا هو من تخطيط جهات أخرى؟ وأغلب الظن أن الفطين لن يجيب على تساؤلات كهذه، حيث أن الإجابة مكتوبة بين سطور هذه المقالة. لكن كيف لنا أن نفسر الهجوم على متحفي بغداد، والمصري. إذ أن المتاحف هي مستودعات الذاكرة، وتحوي الإثباتات المادية الملموسة للهوية الوطنية. لماذا تكون المتاحف هدفاً للتخريب، والآثار معرضة على الدوام للسلب والنهب. ليس هذا فقط، بل إن التحوير والتأويل في تفسير الظاهر الأثرية ونقل هوينها من أمة لأخرى، هي أخطر من قتل إنسان. لأنك من الممكن أن تقتل انساناً بتجريده من هويته الثقافية الوطنية.
إن حديثنا أعلاه لا يخص قطراً عربياً واحداً، لكنه يعم على بلاد الضاد جميعها. لكن أين نحن في الأردن من كل هذا؟ لن أكون متحيزاً إذا ما قلت أن اهتمام الدولة بالتراث كبير جداً. فبالإضافة للجامعات، تقوم وزارتي السياحة والآثار، والثقافة بجهود كبيرة بهذا الصدد، فأنشأت الأولى المتاحف الأثرية في معظم مدن المملكة الرئيسية. كما ترعى وزارة الثقافة نشر المطبوعات المتعلقة بالتراث، وشكلت لجان خاصة بها. ولا ننسى في هذا المقام "منتدى الفكر العربي"، و"مؤسسة شومان"، وغيرهما من المؤسسات الثقافية التي تدعو متخصصين في التراث لالقاء المحاضرات العامة. لكن أين الاهتمام الشخصي من الانسان الأردني، ومساهمته في تربية أبناءه ووصلهم مع تراثهم. ثقافة زيارة المتاحف شبه معدومة إلا من خلال الرحلات المدرسية، لكنها وحتى في هذه الحالة لا تكون إلاً لتعبئة البرنامج. وأما زيارة المواقع الأثرية فهي لا تكون إلاً للهو، وليس للتعرف على تاريخ المكان، ووظيفة المظاهر المعمارية فيه. لذا، لا بد من أن يقوم البيت بدوره في المحافظة على التراث.
بعد كل ما تقدم، يتبين لنا أن الخطر لا يداهمنا من خلال هجوم عسكري، ولا نووي، إنما بالسيطرة على عقولنا، وعلى تراثنا وتمزيقه وتوزيعه عرقياً ليتوائم مع تفتيت الأمة العربية. فعوضاً عن تراث عربي إسلامي واحد أصبح لكل بلد إرثه المتميز عما جاوره وإن كان امتداداً، ومكوناً له. من هنا ألا يحق لنا بالمطالبة بأمن قومي للتراث. ولتحقيق هذا الأمر نرى أن الأصوب هو العمل على تنشئة جيل عارف بتراثه، محافظ عليه، فالحل في أيدينا وليس بأيدي غيرنا. يجب أن نلوم أنفسنا أولاً قبل أن نلوم الآخرين. واسمحوا ان أختم كلامي مستشهداً بقول الشاعر ابراهيم اليازجي:
تنبهوا واستفيقوا أيها العرب فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب
فيم التعلل بالآمال تخدعكم وأنتم بين راحات القنا سلب
الله أكبر ما هذا المنام فقد شكاكم المهد واشتاقتكم الترب
*مؤرخ وباحث وشغل منصب رئيس جامعة اليرموك لسنوات عدة
المراجع:
أ. العربية:
زيادة، عفاف 2010؛ حماية الممتلكات الثقافية في الأراضي المحتلة. أنباء كلية الآثار والأنثروبولوجيا/ جامعة اليرموك 30: 27- 31.
عبابنه، عبدالقادر 2011؛ مفهوم إدارة المواقع التراثية من خلال المواثيق الدولية. التطور في المفهوم وأوجه الشبع والإختلاف. أنباء كلية الآثار والأنثروبولوجيا/ جامعة اليرموك 31: 16- 17.
كفافي، زيدان 2005؛ أصل الحضارات الأولى. الرياض: دار القوافل للنشر والتوزيع.
كفافي، زيدان 2009أ؛ دراسات ومقالات في التراث الثقافي الأثري. عمّان: متحف الأردن.
كفافي، زيدان 2009 ب؛ التحديات ألتي تواجه التراث العربي: المشرق العربي أنموذجاً. أدوماتو: 85 - 100.
كفافي، زيدان 2013/2014؛ علّموا أبنائكم رسم خارطة الأردن. أنباء كلية الآثار والأنثروبولوجيا/ جامعة اليرموك 33-34: 18- 20.
الناشف، خالد 2010؛ التلاعب بالآثار الفلسطينية: القدس أنموذجاً. أنباء كلية الآثار والأنثروبولوجيا / جامعة اليرموك 30: 17 - 26.
هياجنه، هاني 2011؛ التراث غير المادي والتنوع الثقافي. أنباء كلية الآثار والأنثروبولوجيا/ جامعة اليرموك 31: 18 - 21.
ب. الأجنبية:
Dark, K. R. 1995; Theoretical Archaeology. New York: Cornell University Press.
Fagan, B. 1999; Ancient Lives. London: Prentice-Hall International (UK).
Renfrew, C. and Bahn, P. 1991; Archaeology. Theories, Methods and Practice. London: Thames and Hudson.

