• 5 تموز 2022
  • مقابلة خاصة

 

 القدس - أخبار البلد- يسعد شبكة " أخبار البلد" المقدسية أن تستمر بنشر أجزاء من المجموعة القصصية " عشاق المدينة " للكاتبة المقدسية نزهة الرملاوي ، خاصة وان الاجزاء السابقة التي تم نشرها لاقت استحسانا كبيرا من متابعي الشبكة ومن الخبراء والأدباء والنقاد في العالم العربي  .

 وتشكر ادارة شبكة " أخبار البلد" المقدسية الكاتبة على منح هذه الفرصة للقراء للاطلاع على عشاق المدينة التي يعشقها الجميع. وقراءة ممتعة.

 

حنين دائم

أحلام اسم لامرأة في الخمسين من عمرها، خرجت تبحث عن أشياء عزيزة تركتها يوما ما خلف طيّات الكتمان، خبأتها خلف أسوار المدينة تحت قناطر البيوت النّائمة في حضنها الدّافئ، فهي حافظة لأسرارها على مرّ الزّمن، أيقظت في داخلها ذكريات نائمة على عتبات ماض بعيد لن يعود، التفتت إلى الوراء محدّقة  في أرجاء الأماكن، خرجت من باب السّاهرة ومشت خارج الأسوار، فحملتها خطواتها إلى غربيّ المدينة، وأجهشت بالبكاء حينما نظرت إلى نوافذ البيوت وأبوابها المنتظرة، وراحت تنادي من رحلوا وتركوها مشرّعة تعوي بها الرّيح، وتطرقها معاول الزّمن، لم تستطع الاقتراب؛ فالبيوت تسكنها ذئاب جائعة، قدمت لتنال الفريسة وتستوطن المكان. خرجت الآهات تتدافع مجروحة، استطاعت أحلام بعدها أن تستجمع ما كانت تودّ قوله لو كان من أحبّته واقفًا بجانب الحائط الممدود على طول الشّارع كما عهدته قبل سنين خلت، حينما كان يأتي من حيّ الطّالبيّة ويرافقها حتّى باب المدرسة.

استيقظ الحنين في داخلها وقالت: ما زلت أذكرك ولم يمنعني زمن الفراق الكبير من حبّك، نعم ما زلت سيّد فؤادي، ملكًا يتربّع في فؤاد عاشقة، وثلاثة العقود ونيّف من الزّمن الضّائع، كشفت زيفي ونفاقي تجاه الأفراح المعلنة، دعني أبوح بأسراري تجاهك، فقد مللت اندفاعاتي وانفعالاتي وطيشي، أتذكر يوم الوداع؟ يوم تاهت المسافات بيننا واختفت؟ يوم اتّخذت قراري بالفراق؟ أتذكر؟

أواه من نهاية حبّ مؤلمة، هل حقًا نسينا أم هل تناسينا يا ذاك البعيد القريب؟ أدركت لسنين خلت أنّي فعلت المستحيل حتّى لا تذكّرني بك الأماكن، أو أرصفة الشّوارع الخالية من أحداق ناظرة في يوم ماطر، ومظلّة واحدة تكفي كلينا للاحتماء والاختباء، وتناسيت حتى لا تذكّرني الزّوايا بالقبل المسروقة إن غابت العيون عنّا، اقترِبْ منّي .. مُدّ لي يدك، خُذْ بعضًا من ياسمين مقدسيّ بكينا تحته مرّات ومرّات، ويومًا ما ضحكنا حتى أثارت الضّحكة عجوزًا، من خلف نافذتها ابتسمت لي قائلة: "لقد تأخرت قرع جرس المدرسة"... يا لها من عجوز عاشقة! 

 كيف لها إلّا تعرفنا؟ وفي كلّ صباح نتوارى خلف سرو بيتها للحظات؛ فتفشي لها أسرارنا بلا استئذان، كيف لا تعرفني؟ (مريول) مدرسيّ كحليّ اللّون، وحقيبة تحمل عن كاهلي جهل الحياة، ومدرسة كانت عنوان إقامتي من الصّباح حتّى ما بعد الظّهيرة.

أنا طفلة ....طفلة بدأت تكبر معك، بدأت تكبر من نظراتك وابتساماتك وحبّك الأهوج، تاهت بي الدّقائق وكأنها ساعات خلف أسوار المدرسة، تمنّيت في تلك اللّحظات أن تحملني غربان المدينة، وتقذفني على سطح بيتنا في عقبة السّرايا، فتحسّ أمي بوقوعي وتضمّني بشدّة إليها. 

خارج غرفة المدير، خارت قواي وارتعدت فرائصي، تاهت بي دقائق الانتظار خلف الباب، مراهقة تنتظر العتاب والعقاب، خائفة من النّظرات الغاضبة، خائفة من كلّ شيء حولي، من المعلّمات والطّالبات وتلك العيون الّتي تحدّق بوجهي وما تحيد.

لا أخفي عليك بعد طول سنين، أنّي أحمّر خجلا، وما زال احمرار وجهي يغطّي مساحات كبيرة لمواقف كثيرة في حياتي، وأني لأشكر الله على هذه النّعمة، فاحمرار وجهي وسخونته المتعالية من الخوف وبعض التّمثيل المتعمّد في التّمارض أمام الجميع، أبعد الشّبهات عنّي من ذلك الموقف الصّعب إثر تأخري عن المدرسة، فقد حرصت في ذلك اليوم أن أتقن التّمثيل؛ حتّى لا يستدعى والدي، ذلك المارد الأزرق، فيزلزل صراخه أرجاء المدرسة وجدران البيت العتيق، ويتطاير رذاذ بصاقه أمام وجوه الواقفين، ولا أخفي عليك خوفي الشّديد على أمي، أن تقع من صفعة قويّة إن اختبأت خلفها، وأن يفزع الجيران لتهدئة الموقف في بيتنا، ويكون ذلك اليوم بداية لإثارة الشّائعات حول تلك الطّفلة، نعم أنا تلك الطّفلة الكبيرة المدلّلة، والخلوقة الأدبية الّتي يعتزّون بها، والخائفة والمرتجفة و...وكنت الصّارمة والمتكبّرة كما يدّعون، أنا تلك الجميلة المتمرّدة في عالم الذّكور. نعم كنت وما زلت معهم، إلّا معك أنت، ما الذي فعلته بقلبي الصّغير؟ ما الّذي دفعني للمشي معك كلّ صباح حتّى باب المدرسة؟!