- 11 آب 2022
- مقابلة خاصة
القدس - أخبار البلد- وتستمر القراءة الممتعة في المجموعة القصصية القصيرة للكاتبة "نزهة الرملاوي" والتي تحمل عنوان " عشاق المدينة " وما أكثر عشاق القدس الحبيبة. ويسعدنا في شبكة " أخبار البلد" المقدسية ان تستمر بنشر ما تبقى من قصص " عشاق المدينة"..
في حجرة مقدسيّة
استيقظت الطّفلة أمل على صوت غريب غير صوت أمّها والحاجّة أم حسن والجارة أم ياسر، وبدت النّظرات على غير طبيعتها، من وراء كلّ نظرة ألف سؤال وألف استفسار قد يساعد في تقصّي حقيقة ما حصل بالأمس في حجرة الطّفلة، من الّذي فتح باب الحجرة ودخلها ليلا؟ من الّذي تجرّأ أن يمدّ يده إلى طفلة نائمة؟ من الّذي غافل العيون النّائمة وانتهى به الهروب في حجرة مقدسيّة تنام فيها طفلة بأمان؟ باب الدّار الكبير أغلق ليلا، فمن الّذي تجرّأ وأتى متسلّلا من أسطح الجيران حتى وصل سطح المبنى، ونزل من سطح مطبخ أم راشد؛ حتى وصل الينا؟
بدت الطفلة خائفة مرتعدة ترتجف تحت غطائها، تنظر إلى أمّها الباكية نظرت المتسائل عن هذه الضّوضاء والأصوات من حولها، وعلّقت نظراتها على ملامح امرأة غريبة زارتهم صباحًا، لكّنها رجعت بذاكرتها إلى شهور قليلة خلت من عمرها الصّغير، وأيقنت أنّ هذه الحاجّة دخلت البيت الملاصق لحجرتهم؛ حتى تقوم بتوليد جارتهم إنعام بابنها البكر، إنّها الدّاية أم رمزي.
نهضت أمل من فراشها وحاولت الخروج إلى الحجرة الأخرى، لتغسل وجهها كالعادة، وترنو إلى الساحة لتلحق بأترابها الّلواتي بدأن باللّعب والصّراخ، وعلت ضحكاتهنّ خلف النّوافذ المطلّة على الحارة، إلاّ أنّ حرارتها المرتفعة وارتجافها المتواصل حال دون نهوضها، أمسكتها أمها بلطف ومداعبة، وبدأت الحّاجة بطرح الأسئلة على الطّفلة قائلة:
هل رأيت أحدًا في حجرتك ليلة أمس يا ستّي؟
أجابت أمل بصوت خافت: لم أر أحدًا، ولكن أحسست بيد تمتدّ نحوي لمست رجلي، خفت، أبقيت عينيّ مغمضتين.
الحاجّة: هل قال لك شيئا؟
نظرت أمل إلى حاجبي الحّاجة حين عقدتهما فازدادت رعبًا، وأجابت: لا.
الحّاجة: وأنت ماذا قلت له؟
لم أقل شيئا، أبقيت عينيّ مغمضتين وكأني نائمة.
وماذا بعد؟
قام بتغطيتي رجلي المكشوفة وابتعد، شققت بصري قليلا؛ فرأيت يده تمتدّ إلى المصباح المتدلّي من سقف البيت أطفأه ثم خرج.
نظرت أم رمزي الدّاية إلى الأم، وهدّأت من روعها وأبدلت حزن دمعها اطمئنانًا. ابتسمت في وجه أمل، أخذتها في حضنها، وحضرّتها كي تقطع لها (الخوفه)، التفتت للنّسوة وقالت: البنت بخير كانت تحلم لكنّها خائفة، لا أحد يجرؤ من الأغراب أن يختبئ بالسّاحة أو حتّى الدّخول إليها، وأولاد الجيران أحسنّا تأديبهم، ولا يعرفون طريق الاعوجاج والألاعيب.
بعد الانتهاء من (التّمريج) ومن تلاوة المعوّذات وسورة قريش، أمسكت أم رمزي الدّاية زبديّة من نحاس تسمّى (طاسة الرّعبة) كتبت فيها آيات قرآنية، وظلّت تتمتم بالقرآن حتّى تبعد الخوف والقلق عن الطّفلة، وقالت للأم بيّتي الطّاسة تحت ضوء القمر، واسقي الطّفلة منها صباحًا ومساءً.
يا لها من سور وآيات تنبثق من معجزات ربّانية، لله الحمد من قبل ومن بعد، ضحكت أمل وخرجت من الحجرة إلى الحارة، لتلحق بأترابها تلهو وتلعب (الغمّاية، الغمّيضة) وكأن شيئًا لم يكن.
وكعادتها حين تخرج للحارة لاهيةً، تغافل البنات وتبدأ بمشاكسة أبي موسى (الختيار)، يروق لها أن تقرع جرس بيته الكهربائي الحديث حتى تسمع رنينه، وبعد ذلك تهرب بعيدًا حتى لا يمسك بها ذلك العجوز، قرعت الجرس ولم تسمع رنينه هذه المرّة، ولم تهرب، أعادت قرعه مرة أخرى، لا رنين ولا صوت يخرج من خلف الأبواب شاتما أو لاعنًا لهذا الجرس وقارعه، ما من مجيب.
قالت في قرار نفسها: سأطرق الباب باليد الحديديّة القديمة (المطرقة) المعلّقة عليه لعلّ (الختيار) يسمع فيخرج، طرقت الباب بشدّة ولم تهرب كعادتها، فعدم خروج أبي موسى الختيار أثار فضولها، أصرّت على الوقوف والانتظار، طرقت الباب مرّات ومرّات، طلّ رأس من الشّبّاك المجاور للبيت قائلًا: رحل الختيار دون عودة.
جلست أمل على حجر كبير ملاصق لجدار الحارة، يعلوه الأطفال ويهبطون لاعبين (عالي واطي)، ولسوء حظ الأطفال أن الحجر كان مقابل بقالة أبو حسن، فقد كان ينهر الأطفال ويأمرهم بالانصراف من المكان في كلّ مرّة.
إلّا أنّ البنات لا ييأسن حيث يبدأن برسم المرّبعات على أرض الحارة، ويلعبن (الإكس) و (فتّحت الوردة) أو (أنا النّحلة أنا الدّبور). أمل كانت تجيد (نطّ الحبل)، وأولاد الحارة يلعبون لعبة (السّبع حجار) و(الفنّة)، ويعملون من الأسلاك سيّارات يجوبون بها الحارات والأزقة القديمة، وحين يبدأ الخريف يقومون بصنع طائرات الورق على أمل أن تطير في الحارات، فترتطم بالجدران والقباب، لكن فتيان المدينة لا يعرفون اليأس، يعلون أسطح المنازل، وتستدرجهم ساحات الأقصى برحابتها وهوائها العليل، فتطير طائراتهم مع أحلامهم إلى أبعد حدود.
كبرت أمل، وكبرت الأماني وعادت بعد غياب، وقفت على أبواب البلدة، وسألت: أين طائرات الورق الّتي تلوّن سماء مدينتنا؟ وأين أحلام الصّبية التي تعلو أسطح المنازل؟؟
كالموج المتلاطم ظلّت أعماقها تصرخ أين هم؟ أين رحلوا؟ أيقنت أن عشّاق المدينة وإن رحلوا عنها ذات يوم، وعادوا بعد ألف، غيّاب تتذكّرهم وتضمّهم بين ذراعيها كأم طيبة، تحميهم من لهيب شمس في نهارها، وبرد قارس تحت ثراها، وتعدّ للرّاحلين عنها حكاية ممزوجة بالعتاب كم هي معشوقة مدينتنا! حين تراها لا تستطيع إلّا أن تركع بين أحضانها حامدًا شاكرًا لله أنّك في ثراها تتجوّل، وإن صَلَّيْتَ في مكان ما على ترابها فإنك تتحدى كل إبعاد قد يصيبك، إن أبعدوك عن مسجدها وقبتها وكنائسها وروحها وعظمتها وقداستها اللّامتناهية ....يا لك من مدينة رائعة ملهمة للشعراء والأدباء، يا ندى معطرًا من أريج السّماء، لك معنى آخر في وجدان ساكنيك وعشاقك على مدى الدهر، لا أعرف أيّ معنى أضيفه إلى معانيك اللّامتناهية من العواطف الجيّاشة!

