• 27 آب 2022
  • مقابلة خاصة

 

كتب مؤرخ القدس  الدكتور "محمد هاشم غوشة "مقالة  يصف بها حال ، على صفحته في الفيسبوك هي بمثابة  لحظة وداع لحظة انكسار أمام  الاجراءات الاسرائيلية  التي طالت الجميع في القدس .

 ويسعدنا في شبكة " أخبار البلد" ان نعيد نشر المقالة بالكامل فهي شهادة راقية عن وضع مؤلم يعيشه كل مقدسي بشكل خاص: 


" هي أطهر من أطهر مكان في الدنيا. هي قطعة من قلبي. هي أشجار باسقة اغتيلت وهي واقفة رغم أن أوراقها لم تسقط منذ أربع وسبعين سنة. هي رائحة أمي وأبي. بل هي أمي وأبي. هي ذكريات الزمن الجميل، وهي عهد وقسم وغصة في القلب. 

هي الضمير الباقي، والعشق الممنوع. هي البركة التي حول المسجد الأقصى، فيها (فاكهة ونخل ورمان)،وعصفور دوري يزقزق من على كرومها العالية في ذات المكان. 

فيها برقوقة طعمها عسل جبلي من جنات عدن، ونرجس رائحة زهرها تدوم ولا تنقطع، وليمونة بريقها كالذهب تفوح منها رائحة فلسطين كلها بنضالات الشعب المهجر والمعذب. 

فيها برتقالة شهية تذكرني ببيارات يافا والمجدل. 

وزيتونة مباركة (لا شرقية ولا غربية) (يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ) سيقانها عصيّة على الانكسار، وأغصانها بديعة، وأوراقها خضراء زيتية، تظلل بيتنا بشموخ وكبرياء. 

في أرضنا، تعيش سلحفاة معمرة، عمرها أكبر من عمر الاحتلال، تتنقل بين جنبات أرضنا في كل يوم مرات ومرات، تتفقد المكان، تستنشق رحيق أزهاره الساحرة، وهي تسير بطيئةً بمحاذاة جدار حزين، تبحث فيها عن ورقة شجرة سقطت لكي تأكلها فلا تجد، ذلك أنّ الأشجار كلها شامخة لا تنحني حتى مع قدوم العاصفة. 

فيها شجرة توت أوراقها معدة لكي تستر كل أولئك الذين خذلوا القدس. وفيها كذلك أحزان وآلام بحجم جبال الأرض. فيها كل شيء جميل وفيها أحلام وآمال لم تتحقق. 

أرضي التي في القدس .. 

كانت جميلةً، بنسمات هوائها العليل، وحجارتها العتيقة تلونها شقائق النعمان. أكاد أجزم أنها كانت البيارة ذاتها التي غنّت لها السيدة فيروز في قصيدة (بيسان) للأخوين الرحباني: (كانت لنا من زمان، بيارةٌ جميلة، وضيعة ظليلة، ينام في أفيائها نيسان، ضيعتنا كان اسمها بيسان). 

في أرضي التي في القدس يتوقف الزمن قبل حزيران ١٩٦٧م. نعرف الثلج حين تتفتح فيها أزهار اللوز، ونعرف الربيع حين يخرج النحل بين الأزهار، ونعرف الشتاء حين ينزل المطر من السحب على شكل خطوط متصلة بالأرض تشبه أشعة الشمس المنكسرة بين الغيوم. ونعرف الصيف حين تتدلى عناقيد العنب كحجارة ملونة من شاطىء قيسارية.  

كان على أسوار أرضي التي في القدس جدارية حزينة، رسمها الذين رحلوا لتكون الأرض وما عليها أمانة لمن بقي منّا، تروي حكاية أبطال غائبين، وضحايا حاضرين لاجئين ونازحين يحلمون بنصر من الله وفتح قريب لكي يكحلوا عيونهم بالنظر إليها من جديد. 

أرضي التي في القدس. كم أنت قاسية وحنونة في الوقت ذاته. سلام عليك يوم وجدتِ، ويوم تعودي حرة، وشوقي إليك ما دمتُ حيّا.