- 9 تشرين أول 2022
- مقابلة خاصة
اسطنبول - أخبار البلد - كتب أحمد هيمت :
لم يتفاجئ الوسط الثقافي العربي والفلسطيني بشكل خاص بفوز الكاتبة الفرنسية اني ارنو عميدة الأدب الفرنسي بجائزة نوبل في الآداب ، فهذه الكاتبة التي قال عنها الكاتب العماني سليمان المعمري " مجرد امرأة تكتب " في مقالة له في مجلة عمان الصادرة في مسقط ، كانت قد فازت بعدة جوائز دولية لكتاباتها المميزة . خاصة وان هذه الكاتبة لها موقف سياسي واضحة داعمة للقضية الفلسطينية وضد الاحتلال.
هذه الكاتبة التي ولدت في فرنسا وترعرعت في بلدة إيفيت الصغيرة في نورماندي، إذ كان والديها يمتلكا متجر بقالة ومقهى مشتركان. يعتبر يسارية لها مواقف مشرفة في مناصرة القضايا الإنسانية العادلة، وعلى رأسها قضية الشعب الفلسطيني ونضاله من أجل حقوقه المشروعة، وأظنها بهذا الفوز استطاعت أن تحقق اختراقًا كبيرًا غير مسبوق.
وكما قال الكاتب الصديق العماني في مقالته " … أنها على حد علمي أول أديبة في العالم تفوز بنوبل وهي تنتقد إسرائيل بشكل علني واضح وتناصر فلسطين في المقابل بنفس الوضوح ودون مواربة أو محاولة مسك العصا من منتصفها. فإرنو من أشد المؤيدين لحركة مقاطعة إسرائيل BDS،
وفي عام 2018 وقعت عريضة تستهجن إقامة "الموسم الثقافي الفرنسي الإسرائيلي"، معتبرة أن ذلك يساهم في "تبييض" صورة إسرائيل رغم انتهاكاتها لحقوق الفلسطينيين، وفي عام 2019 شاركت في الدعوة لمقاطعة تنظيم مسابقة الأغنية الأوروبية “يوروفيجن” في تل أبيب، وفي عام 2021 وقعت على رسالة بعنوان "خطاب ضد الفصل العنصري" شجبت فيها الاعتداءات الإسرائيلية على غزة. هذا الانسجام الواضح بين الكاتبة والإنسانية هو الذي أعطى أدبها قدرًا أكبر من المصداقية والاحترام.
وفي تعليقها على هذا الفوز قالت للتلفزيون السويدي " إنه "مسؤولية كبيرة" أُعطيتْ لها من أجل مواصلة الشهادة "لشكل من أشكال الإنصاف والعدالة في ما يتعلق بالعالم".
ويسعدني في شبكة " أخبار البلد " المقدسية ان ننشر بعض الاقتباسات من مقالة الكاتب سليمان المعمري والذي هو مقدم برامج ثقافية في إذاعة سلطنة عمان عضو في الجمعية العمانية للملكية الفكرية له عدة مؤلفات أدبية.
وقال في مقالته: رغم أن آني إرنو التي أُعلن قبل يومين فوزها بجائزة نوبل للأدب لعام 2022 تُرجمت إلى العربية منذ زمن بعيد، وعددٌ غير قليل من أعمالها الأدبية متوفر بالعربية، إلا أنني أعترف أنني سمعتُ بها لأول مرة عندما دخلتْ القائمة القصيرة لجائزة مان بوكر عام 2019م، وفازت بالجائزة جوخة الحارثي. عندما بحثتُ بعد ذلك عن أعمال إرنو المترجمة إلى العربية اندهشتُ أنها تكتب في رواية "المكان" (دار شرقيات/ 1994) مقدمة "إلى القارئ العربي" خصيصًا، لأعرف فيما بعد أنها كانت تربطها علاقة صداقة مع مترجمة هذا الكتاب أمينة رشيد (شاركها الترجمة سيد البحراوي).
تلك المقدمة للقارئ العربي وردت فيها شذرة مهمة تلخص رؤية إرنو للكتابة:"إذا كان ثمة تحرر عبر الكتابة، فهو ليس في الكتابة ذاتها، بل في هذه المشاركة مع أناس مجهولين في تجربة مشتركة[..]ليست وظيفة الكتابة أو نتاجها طمس جرح أو علاجه، وإنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا يُنسى
وأعتقد جازما أن هذا "المعنى" الذي تعطيه الكتابة للجرح هو الذي أهّل إرنو للفوز بنوبل، فما عدا ذلك فإن موضوعات كتبها الأدبية عادية، مستلة من حياتها اليومية؛ بعيدا عن الخيال الذي لا تهتم به أصلا. هل هي روايات؟، الإجابة نعم، ما دامت الحكاية وعمقها الإنساني أهم ما يميز هذه الموضوعات،
لكن التوصيف الأدق لكتابتها هو أنها "شيء بين الأدب وعلم الاجتماع والتاريخ"، كما تصفها هي في حوار لها نشر 1993، مضيفة: "بهذا أقصد أنني أحاول صنع الإسمنت من مواد صلبة، من تجارب مُعاشة، دون أن أتخلى عما يجعل الأدب أدبا، وأساسه الكتابة الجيدة، والالتزام التام بالموضوع الذي أتناوله".
من هذه التجارب "المُعاشة" الابتعاد عن أبيها في فترة المراهقة وشعورها بالذنب تجاه ذلك، هذا الشعور وثقته في كتاب "المكان" الذي نُشِر بعد موته، وبعد ذلك سترثي أمها بكتاب "امرأة" (ت: هدى حسين)، ستستعيد شقيقتها الميتة التي لم ترها قط بكتاب "البنت الأخرى" (ت: نورا أمين)،
وستوثق تجربة الإجهاض التي تعرضت لها في شبابها بكتاب "الحدث" (ت: سحر ستّالة)، ومرض ألزهايمر الذي أصاب أمها بكتاب "لم أخرج من ليلي" (ت: نورا أمين)، وغيرها من الكتب على هذه الشاكلة، كل ذلك بأسلوب السهل الممتنع، وبلغة متقشفة بعيدة عن أية مبالغات إنشائية.
أسلوبها يقترب من اليوميات الحميمة، حسب تعبير اسكندر حبش، مترجم كتابَيْها "الاحتلال" و"شغف بسيط" إلى العربية الذي يصفه بأنه "أسلوب بدون تزاويق أو ادعاءات، من هنا هذه المهارة في أن تجعلنا نعتقد وكأن ما تكتبه –من كتاب إلى آخر – ليس سوى يومياتها الحقيقية ومن دون أي تبديل أو تعديل" وتؤكد إرنو هذا المعنى في أحد حواراتها المترجمة إلى العربية: "لا علاقة لي بالتخييل الذاتي. أود أن أقول ذلك. في التخييل الذاتي هنالك الكثير من الخيال، وهذا ليس موضوعي. هذا لا يهمني. الأدب مثير للاهتمام بسبب ما يقوله عن العالم....
تواصل إرنو: ".... لا تعنيني الكلمتان ذاتيّ وتخييل. إنني أفضل في نهاية المطاف الاحتفاظ بكلمة سيرة ذاتية (أوتوبيوغرافي) مع أنه يصعب علي استخدامها".

