• 9 تشرين أول 2022
  • مقابلة خاصة

 

 القدس - أخبار البلد -  لا تزال الروائية المقدسية "نزهة الرملاوي" ماضية بحكايتها الأصيلة عن القدس العتيقة ، عن  الحارة وعن ذكرياتها بحلوها ومرها ، حكايات توثق لمدينة حزينة حجارتها سعيدة بأبنائها وبناتها مما بقوا فيها . ويسعدنا في شبكة " أخبار البلد" المقدسية أن نستمر بنشر هذه المجموعة القصصية للكاتبة نزهة الرملاوي من كتابها " عشاق المدينة " .

ملكة

 

بقلم : نزهة الرملاوي 

 عذرا... تاهت الكلمات في حضرة مدينتنا، لم يعد هناك متّسع من الوقت للوقوف على شرفات مجدها المتعالي للسّماء!

في حضرة مدينتنا .. تلك المقدّسة المتربّعة في أجمل بقاع الأرض، كم نبتت في معابدها أزهار محبّة، وكم تأرجحت في ضفائرها حكايات، وكم غفت على صدرها آهات وكلوم! يا لهذه الحكايات الممتدّة في ذاكرة طفلة إلى ما شاء الله!

نعم ما زالت في ذاكرتي حتى هذه الساعة، (ملكة) تلك البنت التي تتجدّد صورتها في ذاكرتي، سمّاها جدّها (ملكة) يوم ولدت لجمالها، وبعد سنتين اثنتين من عمرها أصابتها حمّى أفقدتها النّطق والسّمع، وقيل عن حالتها ومرضها، أنّ نقطة دم توقّفت في مكان ما من دماغها، وقيل إنّ جنيّة أخذت عقلها لغيرتها من جمالها فأصيبت بالجنون، أخذت (ملكة) إلى الأطبّاء والعرّافين والسّحرة والشّيوخ والقرّاء، باءت كلّ المحاولات بالفشل. فقدتِ الإحساس بما يدور حولها، و اصطدمت بالواقع الذي همّشها، وأقلق أهلها، حتّى انتهى بها المطاف داخل دائرة من الصّبيان والبنات يلعبون بالحارة وكلّما رأوها ردّدوا:

ملكة المجنونة هه، ملكة المجنونة هه.

وأخذوا ينسجون من صراخها حبال ألم تخنقها.

كم تراءت أمامي صورتها حتّى بعد أن غابت، وتساءلت إن كانت ستعود يوما، أم ستتغيّب إلى حين؟ لم أعرف معنى اللارجوع، فقد كنت صغيرة تربيّنا معا في حضن ساحة بيتنا القائم منذ زمن، فتحت عيناي على صورتها التّي تتراكض في أرجاء المكان، وتتخبّط كعاصفة لا أعرف كيف تهدأ، ولكنّي كنت ألاحظ من بعيد أن والدها يحمل بيده حزاما جلديّا يخلعه حين يجدها، ويلوّح به أمامها بعد أن يشقى إخوتها وأولاد الحارة من الجري والرّكض خلفها في الحارات والأزقّة.

يا الله! كم لاحظت الدّمع وسمعت الشّكوى من أمّها، حين تجلس القرفصاء ومن أمامها طبق الغسيل لغسل ملابس أولادها السّبعة! ومن العجيب أنّ الشّكوى كانت مغنّاة، تخرج من صوتها العذب فيُبكي السّامعين!

وينبعث صوت آخر من الحجرة المجاورة لحجرتها، إنّه صوت سلفتها، تغرّد الأخرى بموّال وأغنية ما زالت كلماتها ترنّ في مسامعي، وصوتها الشّجيّ يُدمع عينيّ؛ فأبكي بلا انقطاع .

يا الله! ما زالت ذاكرتي تحتفظ بالكلمات الموجعة واللّحن الحزين، رغم مرور السّنوات الطّويلة،

 (مع مين ومع مين ابعث لك سلام

مع نسيم الشّوق ومع طير الحمام) 

يا الله! أين غابت الأصوات؟

 وأين رحل الأحبة؟

 ولمن كان كلّ ذلك الشّوق والحنين في فؤادها؟ 

 ربّما كان لفراق أهلها؛ فقد عرفت لاحقًا أنّهم يقطنون في الضّفة الشّرقية من نهر الأردن، وفجأة انقطعت أخبار الأحبة، وانقطعت سبل الاتصال بهم إثر النّكسة.

ها هي ملكة تضحك وتمرح أمام خيالي، تكبرني بأعوام قليلة، تبدو صبيّة، فهي ممتلئة الجسم وطويلة مقارنة بأترابها، أمسك بيديها، وأحاول اللّعب معها، لكن ما تلبث أن تبدأ بالتّمتمة غير المفهومة، والصّراخ المتعالي في ساحة الدّار، ثم تخرج راكضة بين الحارات بقدمين حافيتين كبيرتين، وفستانها النّهدي المورّد يعلو ويهبط خلف أردافها المملوءة، وأولاد الحارة يلحقون بها وإخوتها يتوعّدونها بالذّبح، وأمّها تلطم خدّيها وتصرخ (راحت البنت) تقوم الدّنيا وتقعد، حتّى تعود ملكة مكتوفة الأيدي، وأخواتها وأولاد عمّها يركلونها، وأولاد الحارة يصفّقون لهم فرحين بما غنموا.

كم حلمت بملكة ...سيّدة تنحني لها الحارات رغم شموخها، ما أبعدك من حلم! مولود من رحم التّمنيات ...في واقعه صمت مؤلم، وصمت مُخزٍ، ينزف دما يتجدّد على أرصفة الموت، وبكاؤه المرّ يفيض حزنا من أنين المرضى واستغاثات الضّعفاء. 

لله درّك مدينتنا، هل شاهدت ما حلّ بملكة؟ تلك الصّبية المغيّبة من أبسط حياة وأقلّ حقوق، ضاعت ملكة، اختفت لساعات طويلة، بحثوا عنها في كلّ مكان، طرقوا أبواب المنازل، وتعلّقوا كالغرقى بالقشّ السّابح فوق نهر الحياة، فتّشوا الحارات والأزقة، وقفوا على الأبواب وسألوا عنها المغادرين والعائدين.

لم يهنأ للجيران بال، بالرّغم من دعواتهم المتكرّرة بأن يأخذ الله ملكة عنده (أي: تموت)؛ شفقة بوالدتها وأهلها وما يعانونه من قلق وخوف عليها، وتعب من تصرفاتها وهروبها، وملاحقتها في معظم الأيام بكل أرجاء المدينة، إلاّ أنّ النّخوة المقدسية تجري في عروقهم، إنّهم يتدافعون لمدّ يد المساعدة، لم يتنازلوا عن البحث عنها، فمنهم من سأل حرّاس المسجد الأقصى، وبعضهم نزل إلى الأسواق والخانات، ومنهم من توجّه إلى تكيّة خاصكي سلطان بطريق الواد وإلى حمام العين. لا غرابة في ذلك؛ فقد احتضنت هذه الأماكن ملكة، وخبأتها عن العيون المتوعّدة شرّا، وعن القلوب الخائفة عليها، وحين تراها تبرحها ضربا.

صور ما زالت عالقة في ضوء فجر وعتمة ليل وطول انتظار، أم ملكة كالعادة تلطم خدّيها وتندب حظّها لضياع ملكة، وتصرخ: (راحت البنت)، والأب ينطلق الشّرار من عينيه الحمراوين ويتوعّد الزّوجة بالطّلاق إذا ما انتُهك عرضُه وضاع شرف ابنته، والجدّ يرفع أحد جوانب قنبازه ويتكئ على عصاه، ويقف بجانب باب السّاهرة، لعلّها تمرّ من هناك فيعيدها، والعمّة والجدّة تنتظران وقد أنهكهما الوقوف بباب الحوش، والأخوة وأولاد الحارة منهمكون بالبحث عن ملكة، يركضون ويسألون المّارة هل رأيتم ملكة المجنونة؟؟

 أوشكت شمس المدينة على المغيب، وبدأت تتوارى خلف الكنائس والمآذن وتطبع قبلة على الأسوار قبل الرّحيل. ارتفع صوت أذان المغرب، ولا يزال البحث جاريًا عن ملكة، وبعد الصّلاة ارتفع صوت المؤذن ثانيةً قائلًا: يا أهل الخير الحاضر يعلم الغائب (بنت صبيّة ضائعة موجودة في منزل أبو درويش في عقبة 

السّرايا).

انتشر الخبر بسرعة، وأحضرت ملكة من منزل أبي درويش، وقبل أن تساق كالنّعجة الهاربة من قطيع، استحلف أبو درويش والدها بألا يعذّبها أو يضربها، فلا ذنب لمن لا يعقل ولا يدري. 

وكالعادة أجبرت ملكة على المسير وهي مقيّدة الأيدي وركلات الجزاء تدبّ بجسمها بلا دفاع !

يا الله! ما زلت أذكر يوم ودّع جدّ ملكة وجدّتها أولادهم وأحفادهم والجيران، أخذوا (ملكة) معهم إلى مدينة الخليل، متوجّهين إلى أراضيهم المزروعة بالعنب والتّفاح، حيث يقضون أيّام الصّيف هناك لجنيّ المحاصيل بعد رشّها بالمبيدات القاتلة قبل نضوجها، لم يطل غياب الجدّ والجدّة عن المدينة هذا الصّيف، رجعوا وطلوع الشّمس، عادوا قبل القطاف، لم يرموا الزبيب ولم يصنعوا (الخبيصة)،  ولم يجفّفوا التّين ولم يصنعوا المربّيات كعادتهم في سنوات ماضية من عمرهم الرّاحل

سمعت صرخات في نومي، ورأيت في حلمي أنّ (ملكة) تحمل عنقودا من العنب، (ملكة) الخرساء نطقت أخيرًا، نادت أمّها ضحكت وهربت نحو السماء، وراحت الأم كعادتها تلطم وجهها وتصرخ: 

(تسمّمت البنت) (ماتت البنت).