- 21 تشرين أول 2022
- مقابلة خاصة
بقلم : د. علي قليبو
"يعتبر هذا اللقاء بين الدكتور "علي قليبو" وبين الدكتور "شكري عراف" لقاء مميزا لانه لقاء بين منهجين مختلفين ولكن كل واحد يكمل الاخر في البحث عن الهوية الفلسطينية"
"أنت حارسٌ للتراث والتاريخ الفلسطيني، مثلي أنا“، بهذه الكلمات استهل الدكتور شكري عراف مكالمته الهاتفية يعرب فيها عن إعجابه بكتابي "أرض الأجداد من الأزل الى الأبد" وذلك بعد أيام من اهدائي له نسخة منه خلال زيارتي مؤخرا إلى قرية "معليا"، حين اصطحبني الصديق الأستاذ فؤاد نقارة مدير "نادي حيفا الثقافي" لزيارة الدكتور شكري أحد القامات الأكاديمية الفلسطينية المعروفة.
كرس الدكتور عراف حياته في تأليف مجموعة كبيرة من الكتب تعدّت أربعين كتابًا في قالب سلس، فهو معجم موسوعي لمختلف الظواهر الاجتماعية والجغرافية والمعمارية المتعلقة بالهوية الفلسطينية عبر التاريخ، ومن هنا استحق لقبه باحث ومؤرخ وقامة فلسطينية يشهد له ويشار إليها بالبنان.
استقبلنا المؤرخ التسعيني ببشاشةٍ على مدخل حديقته وقد انفرجت أسارير وجهه بابتسامة مشرقة و قادنا بنشاط وهمة إلى مكتبه حيث انتشرت الأوراق والكتب هنا وهناك وانهمرت من الرفوف تناثرت على جميع الأسطح ما بين كتب مفتوحة ومقلوبة على الصفحات حرصًا على أن يرجع إلى الصفحة المنشودة بسهولة وسط مخطوطات وأوراق أبحاث ومراجع ورقية في فوضى خلّاقة، أعرفها حق المعرفة فهي متلازمة للعمل الإبداعي وهي المراجع الضرورية التي يعرف الباحث مضمون كل ورقة وكل كتاب فيها، فيرجع إليها في أيّة لحظة أثناء العمل لإسناد أفكاره والاستشهاد بصفحات وفقراتٍ، وقد استعملها أيضًا معنا أثناء الكلام عن جبال ودروب فلسطين، وجوامعها وكنائسها، عن النباتات والأسماء وعن الشرطة في عصر الانتداب وبنية القرية العربية...إ فما نراه فوضى عارمة هو انعكاس لمنظومة فكرية منطقية تلعب فيها الفهرسة والتصنيف وما يرافقهما من عزل وفصل وتبويب تعكس بمجموعها ذلك الإنتاج العلمي الخاص بالدكتور "شكري عراف" حول معالم هوية فلسطين الجغرافية والمعمارية والذي أهداني مشكورًا عددا من مؤلفاته وكتبه، أذكر على سبيل المثال لا الحصر: كتاب "القرية العربية الفلسطينية: مبنى واستعمالات أراضي" و"مصادر الاقتصاد الفلسطيني: من أقدم الفترات إلى عام "1948 " و"المنشية" و"منصورة عين إيل" و"مساهمة في دراسة نباتات البلاد"...الخ.
رغم علامات الزمن التي تركت بصماتها على مُحيّاه يغلب شغفه بعمله على شخصيته ويكسبه حيوية واتقاداً، استشعرتها خلال زيارتي له وحديثي معه عبر الهاتف بعد رجوعي إلى القدس، فانساب صوته يشرح لي القواسم المشتركة بيننا وأوجه التشابه والاختلاف بين منهاجه الموسوعي واجتهادي التأملي التحليلي حيث أتّبع منهاج علم الحضارات وأعني في إظهار المعنى المستتر خلف مجموعة الظواهر الحضارية والذي يختلف عن عمله المعجمي الطابع الذي ينفرد بتصنيف مفردات جغرافيا فلسطين الاجتماعية فلا يترك شاردة ولا واردة إلا وفرزها ورتبها وشملها في تبويبه لها . "لا نختلف بيننا في الرؤية والاهتمام فلقد جمعت أسماء جميع مواقع المقامات بألف صفحة في كتابي "طبقات المقامات"، تابع الدكتور عراف حديثه "لكن يذكرني أسلوبك التحليلي الفلسفي الطابع ومنهجك العلمي بكاتب آخر يدعى فراس السواح". وكان مؤرخ علم الأديان المذكور قد تناول في كتابه "لغز عشتار: الألوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة" دراسة الديانة الكنعانية في سوريا الكبرى معتمدًا على مقارنة المعتقدات الدينية ودراسة أساطير وملاحم العالم القديم والتي نجدها في كتابه "كنوز الأعماق: قراءة في ملحمة جلجامش" في حين إنني وفي كتابي "أرض الأجداد من الأزل إلى الأبد" ومن خلال منهج علم الإنسان الحضاري تتعدد مصادر المعلومات عن بنية الهوية الفلسطينية ما بين الرُقِيمات الفرعونية والبابلية وما بين الروايات التوراتية والآيات القرآنية كما اعتمدت في أبحاثي على قراءة علم الآثار التوراتي والتاريخ والدين المقارن وعلم الأنساب العربية وعلم الجينات كما تعززها أبحاثي الميدانية، وذلك في بحثي عن المنطق المستتر في المنظومة الاجتماعية والعقائدية والاقتصادية بهدف الإشارة إلى التواصل بين الماضي والحاضر وإلى أصالة وعراقة الشعب الفلسطيني وامتداد جذورها في الإرث الفلسطيني، كما نتبينه في جغرافيا ومعالم المكان المقدس في كافة أرجاء فلسطين وجذور بعض المقامات في أماكن العبادة الكنعانية في "المكان العالي" وفي المنظومة الزراعية - في حوض جبل الخليل - ومرج ابن عامر والنقب وإلى التفاعل الأيكولوجي بين أجدادنا واتخاذهم الكهوف سكنًا، حيث تحددت نواة مجتمعنا العشائري في بنية الحامولة والتي تعززها البيانات التجريبية عبر أبحاثي الميدانية الأنثروبولوجية في القرى الفلسطينية. إن الرواية التي أرويها لنفسي في كتابي "أرض الأجداد من الأزل الى الأبد" ماهي إلا تلك الصورة التي أعكسها للآخرين عن ذاتي، حيث أن الإجابة على هذه الأسئلة الوجودية المرتبطة بكياني وارتباطه بأرض فلسطين، تقود في النهاية إلى هويتي وشخصيتي التي تدحض محاولات الصهيونية العالمية لطمسها وتزوير التاريخ من أجل الاستحواذ على إرثنا الحضاري في جغرافيا فلسطين الثقافية.
تتعدد أساليب كتابة التاريخ وتختلف الرؤية وتتباين الرواية فلكل عالم منهاجه وأدواته مثلها مثل المجهر، فيختار كل عالم عدسته بتكبير معين ليرى تفاصيل معينة لا تراها العين المجردة يكشف خلالها عن آفاقها وتفاصيل بنيتها كلُّ وفق منهاجه المعين في التأريخ وفي رواية تهدف إلى المحافظة على إرثنا التاريخي وتواصلنا على ثرى فلسطين منذ فجر التاريخ.

