- 3 آيار 2023
- مقابلة خاصة
بقلم : فراس حج محمد
كتابان منعا من العرض في معرض تونس الدولي للكتاب الذي انتهى مؤخرا كتاب كمال الرياحي "فرنكشتاین تونس"، وبعده بأیام كتاب نزار بھلول "قیس سعیّد ربّان سفینة تائهة". رحل زین العابدین وبقیت عقلیة الدكتاتور، وكأنك یا بو زید ما غزیت، أو على رأي المثل الشعبي الفلسطیني: ارجعنا نحصد بالعكیر، فربیع تونس المخضرّ برائحة لحم محمد البوعزیزي انقلب إلى خریف طویل العمر، كأن ھذا اللیل لا آخر له، لم تستطع أرواح الضحایا أن تنیره ولو بالقلیل من الضوء.
وبالمناسبة نفسھا، كل الربیع العربي انقلب إلى موات ثقیل، وعلى رأي المطربة الأردنیة سلوى العاص: "صار الربیع خریف یا طول اللیالي"، وفي الخریف یخرفن الحاكم، وتفرعن أجھزته الأمنیة، ویغیب العقل، وتحضر البلاھة والتفاھة ومنع الكتب وأشیاء أخر.
المنع، منع أي شيء فكرة تافھة، منع الأفلام، ومنع المسلسلات، ومنع المواقع الإلكترونیة، ومنع المعارضین السیاسیین، ومنع الصحف، فما بالك بمنع الأفكار والكتب وممارسة سیاسة الرقابة علیھا؟
المنع، أي منع فكرة لیس فیھا عبقریة ولا تنم عن ابتكار استثنائي في عقلیة الحاكم، إنما ھي إحدى تجلیات الغباء المطلق الذي یتمتع به الدكتاتور، أي دكتاتور، فلا معنى لمنع الكتب إلا أن یصبح "المانع" صدیقاً لخفافیش الظلام، عدوا للنور والاستنارة.
المنع فكرة تجعل الدكتاتور ینحاز إلى الجھة المقابلة الظلامیة، ویصطفّ مع الأعداء الخارجیین والدخلاء. إنه یوفر فرصة لجعل الدكتاتور أخا للعدو، كالعدو الصھیوني مثلاً، فكلاھما له الأھداف ذاتھا، ویمارس العسف السلطوي لمجرد التسلط بالأدوات والتقنیات ذاتھا: الحبس، المنع، التعذیب، القتل، النفي، الإقصاء، التشویھ، الإسقاط، وكلھا عوامل مشتركة بین سعیّد وغیره من الدكتاتوریین من جھة، والاحتلال الأجنبي من جھة أخرى، صھاینة وفرنسیین وأمریكان وطلیان وكل احتلال، عدا أن الفریقین متفقان على استخدام جھاز لغوي فیھ المصطلحات ذاتھا وأھمھا: محاربة الإرهاب، ويتحدثان بموثوقية عالية، وبإيقاع غیر مرتعش الذبذبات، كأن الوحي یفیض علیھم "برائعات الفكر"
المنع یمنح انتشارا للكتب الممنوعة انتشار النار في الھشیم. ھذا التعبیر لیس مجازیا، ولیس تعبیرا جاھزاً یكتب استطرادا في مثل ھذه الحالات، إنما ھو فعلا ھكذا، ویوفر لتلك الكتب "الضحایا" دعایة مجانیة تستفید منھا دار النشر، ویقع الكاتب ضحیة "المظلومیة" والمطاردات الإعلامیة، والتباكي المجاني، لا یستفید شیئا سوى أن یصبح مادة إعلامیة تعید إنتاجه على صور محزنة آلاف "الماكینات" الإعلامیة لمصالح شتى. الكاتب لیس مسئولا عن ذلك بالطبع، لكن یجب أن یخفف من الوقوع في الشرك المقابل، شرك السلطة المناھضة لسلطة الدكتاتور، كلتاھما لا توفران له حیاة سعیدة. وكلتاھما ترید قتله على طریقتها .
لا یستطیع أي نظام عربي تافه أن یمنع كتاباً، لأن الكاتب إن أراد أن یوصلھ للقراء، فإنھ یستطیع ذلك بكبسة زر لیصل إلى الملایین في ظرف ساعة، وعلى الكاتب أن یتمرد على تینك السلطتین، سلطة المنع وسلطة التشھیر، ویفرّ بجلده، ویطلق كتابه للریح، حتى ینفجر الفضاء وینقلب السحر على الساحرتین، سلطة المنع، وسلطة التشھیر.
المنع یوفر مجالا للردح وتصفیة الحسابات مع الدولة المانعة أولا ومع الكاتب ثانیا، وخاصة في حالة كمال الریاحي صاحب كتاب "فرنكشتاین تونس"، فأعاد البعض التذكیر بتھمة التطبیع، ولا أدري ما الرابط بین الأمرین سوى أن أصحاب تیار الدولة المدافعین عن سعیّد یوفرون لأنفسھم فرصا أكثر إقناعا للنیل من شخص الكاتب، وكأن "الجریمة" السابقة- إن كانت جریمة- أو ثبتت أنھا جریمة، ستكون ركنا أساسیا في ترسیخ فكرة المنع وممارسة السلطة، فلا یصحّ عقلا ومنطقا ألا ندافع عن فكرة المنع لأن من وقع ضحیتھا متھم بالتطبیع. وما أسرعنا في إلباس مثل ھذه التھمة! وتصبح المسألة ثأرا فردیا، وانتقاما شخصیا، وتنحرف عن أن تظل فكرة في سیاقھا الطبیعي، إنما ھي أسلحة تتضافر لتزید من "اغتیال" الكاتب معنویاً بطریقة بشعة.
المنع یتیح مجالا كبیرا لإطلاق المخیال المریض لصیاغة أفكار عبثیة حول الكتّاب، وحول كتبھم، وحول الأسباب الدافعة للمنع، فتجد مدافعین ومشیدین دون أن یقرؤوا الكتب، أو یذموھا دون قراءة أیضاً. على الرغم من أن مسألة مناھضة المنع السلطوي للكتب ھي التي یجب أن تكون أمرا حاسما في ھذا "الجدل المفتعل" حتى لو كان الكتاب "ردیئاً"، فمناقشة الرداءة لا تدخل في سیاق ھذا الجدل الأساسي، المرتبط بأساس حریة الكتابة والتعبیر عن الأفكار. أحكام الرداءة تُستقى من أفعال النقاد وقراءاتھم المعمقة، ولیس ھذا ھو بیانھا، كما أن استدعاء فكرة "سرقة" العنوان في كتاب الریاحي، أمر لا ھدف له، سوى رجم الكاتب، والتقلیل من شأن كتابه ، على الرغم من أن "تشابھ العناوین" أو "تطابقھا" أمر وارد جدا، حدث قدیما، ویحدث كل یوم، وسیحدث في المستقبل، وھذا أمر آخر، وسیاقھ نقدي تحلیلي، لا یناقش ضمن مسألة عدم أخلاقیة المنع وانعدام شرعیته ، مھما كانت التھم الموجھة للكتاب أو الكاتب.
أعتقد أنه من الواجب ألا نختلف على "تفاھة" و"احتقار" فكرة المنع بغض النظر عن الكاتب، وكتابھ، وأفكاره، وسلوكه ، ومعتقداته، وعلینا ألا نوفّر منصة أخلاقیة مجانیة تزید من إجرام سلطتي المنع والتشھیر. علینا رفض فكرة المنع من حیث ھي؛ فكرة تسلطیة احتكاریة غیر إنسانیة، وغیر حضاریة، وتتنافى مع كل منظومات العقل السلیم من احترام إنسانیة الإنسان؛ كاتباً أولاً، وقارئا ثانیا، ولا أظن أن القارئ بحاجة إلى من یكون علیه وصیّا ومرشدا وحامیا من الوقوع في مغبة "الأفكار الشریرة" التي- كما یدعي الدكتاتور- ترید "أن تخرّب البلد"، وعلى الدكتاتور أن یكون أكثر نضجاً وعقلانیة مما ھو علیه الآن، فأي تفاھة لحاكم یفكر في منع تداول كتاب في معرض الكتب بدلا من أن یفكر ملیا بإصلاح حاله ، وحال البلاد والعباد، ومراجعة سلوكیات أجھزته القمعیة التي لا تألو جھدا في التبوّل على نفسھا لنزید من فرص تكرار التاریخ لیعود كما بدأ؛ باحثا عن الشرارة الأولى لإعلان الثورة من جدید؟ وساعتئذ لن ینفع ما قاله "السلف غیر الصالح" لیكرره الخلف الطالح: "الآن افھمتكم"!

