- 6 آيار 2023
- مقابلة خاصة
القدس - أخبار البلد - نشر الدكتور “وليد سالم” مدرس في برنامج ماجستير دراسات القدس في جامعة القدس ومدير تحرير مجلة المقدسية الصادرة من الجامعة دراسة مستفيضة في مجلة “قضايا اسرائيلية” التي يصدرها المركز الفلسطيني للدراسات الاسرائيلية ( مدار) في عدد ٨٩ نيسان هذا العام .
ويسعدنا في جريدة “ أخبار البلد” المقدسية ان نعيد نشر الدراسة كاملة لاهميتها .
ملخص
من منظور دراسات الاستيطان الاستعماري المقارن الذي تستند إليه هذه الدراسة ، فقد مارست الصهيونية وأدواتها من جيش وميليشيات مسلحة في سيطرتها على فلسطين المجازر والاستيطان الاستعماري بشكله الإقتلاعي الإحلالي الذي أنتج قضية اللاجئين والنازحين الفلسطينيين إضافة لعمليات ترحيلهم داخل بلادهم ، واستخدمت الابارتهايد والاستعمار الداخلي ضد الباقين من الشعب الفلسطيني في بلاده عام ١٩٤٨، ثم عادت للاقتلاع والإحلال أثناء وبعد حرب عام ١٩٦٧ مقرونا بممارسات ابارتهايدية. ولكن انتخابات ٢٠٢٢ وكما تحاجج هذه الورقة قد عكست انزياحين إضافيين عبرت عنهما طبيعة الائتلاف الحكومي الجديد رغم النجاح غير الحاسم الذي حققه في الانتخابات ، أولهما يتعلق بخسارة قوى اليمين الداعية لتجنيس الفلسطينيين بالجنسية الإسرائيلية واخضاعهم لنظام الأبارتهايد على قاعدة الحقوق غير المتساوية ضمن منظومة مما سمي ب " تقليص الصراع " لصالح فوز كبير على حساب الأولى لقوى اليمين الأخرى التي ترفع الدعوات العلنية للقتل الجماعي للفلسطينيين وابادتهم (الموت للعرب)، وكذلك ترحيلهم باتجاه خلق نكبة ثانية مدعومة في ذلك من قبل قوى افنجليكانية عالمية ترفع شعار "تحقيق النصر التام على الفلسطينيين ". وثانيهما : تعزز التوجهات العنصرية المتسمة ضد الفلسطينيين الباقين في بلادهم سواء في فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨ والقسم الآخر المحتل عام ١٩٦٧، مترافقة مع تسارع الاتجاه نحو تديين الدولة وخلق نظام فاشي مناوئ لسلطة القضاء وحقوق المرأة والإعلام والتعليم العلماني واليسار، حتى ولو كان "يسارا صهيونيا "، ويتأثر من هذا الاتجاه فلسطينيو الداخل المحتل عام ١٩٤٨ أيضا فيما يخص حقوقهم المدنية. خلاصة هذين الانزياحين هي غلبة إتجاه الابادة والترحيل على اتجاه الإبقاء وممارسة الابارتهايد على الشعب الفلسطيني معرفا كاستثناء سياسي وتهميش اجتماعي ، واستغلال اقتصادي ، وتمييز قانوني. تناقش الورقة الأسباب والمراحل التي أدت إلى حدوث هذا التحول، كما تحلل أدوار العوامل الداخلية والفلسطينية والعربية والدولية الكابحة والدافعة منها لهذه التحولات . وتنتهي بخلاصة وبعض الاستنتاجات حول آثار هذه التحولات وآفاقها بالعلاقة مع طبيعة واتجاهات المقاومة التي تواجهها سيما من الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده.
مقدمة
تميزت الصهيونية منذ ظهورها بالعنصرية وبالطابع الاستعماري الاقتلاعي الإحلالي. كما أنها قد انبثقت من الدين بعد أن غلفته بأردية معلمنة أقامت على أساسها حركة قومية مزعومة بدعم من قوى الاستعمار العالمي . وتتضمن الصهيونية العنصرية ضد الباقين في بلادهم من الشعب الفلسطيني ، كما تتضمن ممارسات فاشية ضد مناوئيها اليهود ، ولكنها تتضمن أيضا اقتلاع الشعب الفلسطيني والإحلال لأقوام مكانه وتغيير هوية فلسطين أرضا وإقليما وفضاءا ومشهدا لتصبح أرضا أخرى بأسماء مختلفة ومشهدا وفضاءا جديدين.
في الحرب على الشعب الفلسطيني تمزج الصهيونية بين توجهات إقتلاعية احلالية ، مظللة بممارسات ابارتهايد من الاستثناء السياسي والتهميش الاجتماعي والاستغلال الاقتصادي والتمييز القانوني بأشكال مؤقتة ودائمة ضد قطاعات مختلفة من الشعب الفلسطيني، وتمارس هذه السياسات من خلال الاعتماد على قوة الجيش وميليشيات المستعمرين المسلحة والجسم الجديد قيد النشوء المسمى بالحرس الوطني . اما ضد " اليهود غير الموالين "، فتمارس الصهيونية سياسات العزل والإقصاء ، ونرى أن تعريف هذه الفئة كان ينحصر في البداية على اليهود المعادين للصهيونية ، ثم توسع ليشمل كل من يرفض الهجرة الى إسرائيل من اليهود، وفي العقد الأخير بات يشمل ايضا حتى قوى ما يطلق عليه اسم " اليسار الصهيوني " لا لسبب سوى أن هذا " اليسار " يتهم بأنه مستعد للحوار مع الفلسطينيين من اجل التوصل الى حل وسط إقليمي .
مرت الصهيونية بمراحل غلب في بدايتها الرداء العلماني ، علما ان للعلمانية معنى خاص في حالته الصهيونية ، وبعكس العلمنة الأوروبية التي انهت انظمة الحكم المستندة الى شريعة الكنيسة ، فإن العلمنة الصهيونية ليست الا عبارة عن دين معلمن ، حيث لم يكن ممكنا الادعاء بوجود أمة يهودية من قبل الصهيونية إلا بالاستناد الى يهوديتها . أي إلى الدين . استمرت مرحلة الصهيونية المعلمنة للدين منذ فجر الحركة الصهيونية وحتى عام ١٩٧٧ بقيادة ما يطلق عليه اسم ' اليسار الصهيوني ' ، وخلال هذه المرحلة استطاعت الصهيونية إقامة دولتها عام ١٩٤٨ على جزء من فلسطين ، ووسعتها عام ١٩٦٧ محققة نكبة ثم نكسة للشعب الفلسطيني على التوالي ، سعت بعدها لتحقيق حل وسط إقليمي بهدف الحفاظ على الاغلبية الديمغرافية اليهودية كما سيتبين أدناه، في وقت كانت قد تشكلت فيه حركة اسمت نفسها باسم " حركة أرض إسرائيل الكاملة "، والتي نشط في قيادتها أقطاب من حزب مباي " اليساري " الحاكم آنذاك ، أي أن هذا الحزب كان يطرح الحل الوسط الإقليمي ونقيضه في ذات الوقت .
شهد عام ١٩٧٧ بداية المرحلة الثانية التي استمرت حتى عام ٢٠٠٩، وتميزت بنمو اكبر لتيارات ما سمي ب " أرض إسرائيل الكاملة " القائمة منذ عام ١٩٦٧، سواء ذات الرداء العلماني منها ، او ذات التوجه الديني والديني القومي . خلال هذه الفترة حاول التيار الذي هزم في الانتخابات عام ١٩٧٧ لأول مرة منذ قيام دولة الكيان التوصل بعد نجاحه الظرفي في انتخابات ١٩٩٢ إلى صيغة حل وسط إقليمي مع منظمة التحرير الفلسطينية، كان قد سعى سابقا للاتفاق عليها مع الأردن ، ولكن هذا التيار لم يقدم صيغة الحل الوسط الإقليمي التي تلبي الحد الادنى المقبول فلسطينيا ، لذا فشلت محاولاته . خلال هذه المرحلة توسع الاستيطان الاستعماري في فلسطين المحتلة عام ١٩٦٧ بشكل مضطرد ، ونشأت مدن وحواضر استيطانية استعمارية في الضفة ، ولكن تم لاحقا إخلاء قطاع غزة من المستعمرات عام ٢٠٠٥ من أجل تعزيز هذه الحواضر ديمغرافيا. هذا كله فيما كان الاستيطان الاستعماري قبل ١٩٧٧ مرتكزا على إنشاء مستعمرات زراعية صغيرة سيما في غور الأردن والسفوح الشرقية للضفة الغربية والمناطق الساحلية لقطاع غزة ، فيما تم ضم القدس الشرقية بأكملها أرضا دون سكانها الى الكيان في ٢٨ حزيران من عام ١٩٦٧.
مع ٢٠٠٩ بدأت المرحلة الثالثة ( مرحلة نتنياهو كما تسمى ) والتي تتميز بالانتقال من أطروحات الضم الفعلي لفلسطين المحتلة عام ١٩٦٧ ( De facto Annexation ) الذي كان جاريا على قدم وساق إلى التمهيد لإعلان الضم الرسمي ( De Jure Annexation ) عام ٢٠٢٠، ثم تجميده مؤقتا في إطار الاتفاقيات الابراهيمية مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين ، ولا زالت هذه المرحلة مستمرة ، إذ اكتنفتها عثرات في الطريق أدت إلى خروج نتنياهو من السلطة لمدة عام ونصف وهو
يعود اليوم من أجل استكمال مشروعه . خلال هذه الفترة ساد ايضا الاضطراب الساحة السياسية الإسرائيلية ، حيث جرت خمسة دورات انتخابية خلال ٣ سنوات بين ٢٠١٩ وحتى ٢٠٢٢. لم يعبر هذا الاضطراب عن تفكك وبداية انهيار الحقل السياسي والمجتمع الصهيوني كما جاء ويجيء في الكتابات التفاؤلية الفلسطينية والعربية ، وإنما عبر عن مرحلة مخاض سيطر عليها الصراع بين التوجه اليميني الذي يريد إبقاء الفلسطينيين في بلادهم مع ممارسة سياسات الابارتهايد عليهم ( بينيت وليبرمان وساعر وحلفاؤهم فيما يسمى بتيار الوسط غانتس ولبيد )، وبين التيار الابادي الترحيلي ( ليكود نتنياهو بتحولاته ، والصهيونية الدينية ، والاتجاه الديني الذي شهد عملية صهينة متسارعة : شاس ويهدوت هتوراة ) . وبعد ٣ سنوات من الصراع استقر الوضع بحسمه لصالح التيار الابادي الترحيلي ولو عبر فوز انتخابي محدود كان يمكن ان لايتحقق لو اجتازت ميرتس والتجمع الوطني الديمقراطي نسبة الحسم ، وادى نجاح التيار الابادي الترحيلي إلى انكفاء التيار الابارتهايدي . فهل سيكون ذلك عبارة عن تغيير مؤقت الى حين تعود الكرة لاحقا لصالح التيار الابارتهايدي ؟ الجواب على هذا السؤال ليس داخليا اسرائيليا وحسب ، بل مرهون بأدوار العوامل الفلسطينية والعربية والعالمية
خلال المرحلة التي بدأت منذ عام ٢٠٠٩ ولا زالت مستمرة تقومنت الاتجاهات الدينية ، وتدين الاتجاه القومي المعلمن للدين وذلك من خلال تعزز التوجهات الدينية داخل حزب الليكود ذاته والذي يصف نفسه في أدبياته كحزب علماني ليبرالي ، واصبح هنالك تطابق تام بين الدين والقومية عبر عنه تشكل
' الحردليم ' أي التيار القومي - الديني الذي تعبر عنه الأحزاب الدينية ، وكذلك قطاعات واسعة من الليكود التي أصبحت متدينة . ويمثل جماع هذه القوى طبيعة تركيبة الحكومة الصهيونية المشكلة. وهو ما سيكون له اسقاطات فاشية على مجتمع الكيان ، واسقاطات عنصرية واقتلاعية احلالية إضافية على الشعب الفلسطيني، يظل مدى النجاح في تطبيقها مرهونا لا بعوامل صهيونية داخلية وحسب ، بل ايضا بمدى وطبيعة مقاومة الشعب الفلسطيني ، والعوامل العربية والدولية الدافعة و الكابحة ايضا . في القسم التالي نأتي على هذه العوامل ، بدءا من تعميق تحليل العامل الصهيوني الداخلي.
العامل الصهيوني الداخلي
طرح التيار الذي أطلق عليه اسم "اليسار الصهيوني " أن الحفاظ على الأغلبية الديمغرافية اليهودية يتطلب تقاسم الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧ بداية مع الأردن ولاحقا مع منظمة التحرير الفلسطينية ، وذلك عبر التنازل الجغرافي عن الأراضي ذات الكثافة السكانية الفلسطينية العالية ، وضم الباقي الى اسرائيل ، ولكن شراهة هذا التيار لضم مساحات واسعة من فلسطين المحتلة عام ١٩٦٧ بذريعة " الحفاظ على أمن إسرائيل" ووفق خطة يغئال الون التي نصت ضمن بنود اخرى على ضم السفوح الشرقية من الضفة الفلسطينية وغور الاردن الى اسرائيل ، جعلت هذا التيار غير قادر على تحقيق التسوية التي تلبي الحد الادنى من المطالب الفلسطينية . عوضا عن ذلك كان هذا التيار هو الأب المؤسس لتوسع المشروع الاستعماري الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد عام ١٩٦٧.
في المقابل، رأى تيار ما يطلق عليه اسم " اليمين الاسرائيلي "، بأن ضم الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧ كلها لا يسبب أي ضرر للأغلبية الديمغرافية الصهيونية كما ادعى التيار السابق، وهناك توجهان داخل هذا التيار بهذا الخصوص يرى أولهما أنه يمكن حصر الفلسطينيين في مدن وقرى مكتظة بالسكان ، مع سرقة الأراضي المحيطة بهذه المدن والقرى ، وعدم منحهم المواطنة الإسرائيلية ، مما يبقيهم خارج التعداد الديمغرافي الصهيوني ( ويمكن تسمية هذا التيار كما بين الكاتب في مقال سابق ( سالم ، خريف ، ٢٠٢٠ ) بالتيار الذي يمزج بين التوجه الاستيطاني الاستعماري وبين الابارتهايد، ويمثل الليكود هذا التيار أفضل تمثيل ) . أما التيار الثاني فهو تيار استيطاني استعماري اقتلاعي احلالي بحت يرى أنه يجب تخيير الفلسطينيين بين البقاء موالين كلية للحكم الصهيوني ، او مغادرة البلاد أو الطرد منها لمن يرفض الولاء ، وعلى من يختار المقاومة كبديل ثالث أن يتوقع أن مصيره هو القتل، وقد صرح بتسلئيل سموتريتش بهذه الخيارات مرارا وتكرارا ( بيرغر، ٢٠١٧)، ويتعداه بشأنها ايتمار بن غفير الذي يطرح مواقف تنحو نحو الابادة على غرار شعار " الموت للعرب ". بين هذين الاتجاهين كان هناك اتجاه ثالث محدود ( تيار نفتالي بينيت واييلت شكيد ويؤيدهما قلة من الليكود كان منهم رئيس الدولة السابق رؤوبين ريفلين ) رأى أنه يمكن التخلص من العبء الديمغرافي لغزة عبر الخروج منها وإبقاء حصارها من الخارج ، وفي المقابل فرض الجنسية الإسرائيلية على فلسطينيي المنطقة ج من الضفة والبالغ عددهم بين ٢٠٠- ٣٠٠ ألفا مما لن يشكل مشكلة للأغلبية الديمغرافية الصهيونية، ودعا بعض من هذا الاتجاه مثل الصحفية كارولين غليك ( غليك، ٢٠١٤) الى فرض الجنسية على كل فلسطينيي الضفة والقدس الشرقية مع إبقاء قطاع غزة فقط خارج التجنيس ، ويعني هذا الاتجاه انتقال السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من الاقتلاع والترحيل الى الابارتهايد وذلك بتكريس الاعتماد على الأيدي العاملة الفلسطينية بدلا من طردها كما يدعو الاتجاه السابق ، وقد تراجع هذا الاتجاه الأخير في الانتخابات الاخيرة ، كما تراجع الاتجاه الأول الداعي للحل الوسط الإقليمي لصالح الاتجاه الرافض لفرض المواطنة الصهيونية على الفلسطينيين ، مما يبقي الفلسطينيين فقط أمام خيارات البقاء في بلادهم كموالين للصهيونية وهو ما لن يقبلوه ، أو مغادرة البلاد ، او المقاومة التي يترتب عنها القتل أو الطرد .
ولأن هذا الاتجاه الأخير هو اتجاه ايديولوجي قومي ديني، فإن له أجندته الداخلية أيضا والتي يسعى من خلالها الى فرض وقائع على المجتمع الإسرائيلي ، ويتضمن ذلك فرض العطلة التامة ووقف المواصلات يوم السبت، والتدخل في تحديد وتعريف من هو اليهودي ، والفصل بين النساء والرجال في الصلاة والمواصلات العامة ، ومنع زواج اليهود بالأجانب ، وتديين الحيز العام ، ومنع المثلية الجنسية وزواج المثليين ، والسيطرة على مفاصل الدولة من خلال تقليص صلاحيات القضاء وتديينه ، وحصر حرية الإعلام وتقييد حرية الرأي وتجريم وجهات النظر المناوئة،وتعزيز التعليم الديني الرسمي وغير الرسمي وتطهير جهاز التعليم من المعلمين والمعلمات اليساريين، وفرض قيادات من النوع المقبول عليه في الجيش، وزيادة احتمالات اغتيال شخصيات كبيرة رغم تغير الظروف كما حدث مع اغتيال رئيس الوزراء اسحق رابين عام ١٩٩٥ الذي اتهم بالتنازل بمجرد توقيعه على اتفاق أوسلو مع الجانب الفلسطيني . تثير هذه الأطروحات الذعر في صفوف " اليسار الصهيوني " الذي يفصل بين المعركة من أجل الديمقراطية الخاصة بحرياته وبين المعركة لإنهاء استعمار شعب اخر ، فهو اليسار المفتون بحرياته الشخصية ، فيما لا يقلق للجرائم التي تلحق بالشعب الفلسطيني والتي سبق أن مارسته الحكومات التي ادارها هذا اليسار ، لذا يكتفي بأن يرفع عقيرته محذرا من نشوء الفاشية التي تقيد هذه الحريات ، ويدعي إضافة لذلك بأنها ستعزل اسرائيل دوليا برأيه ، ويعبر عن قلقه أن هذه العزلة قد تؤدي إلى إيقاع عقوبات دولية على إسرائيل، سيما وأن ما كان اليسار الصهيوني يمارسه من جرائم ضد الشعب الفلسطيني ضمن غلاف من العلاقات الدولية والقول الكاذب بالاستعداد للسلام ، سيمارس من قبل الحكومة الفاشية بدون إبداء الاستعداد المذكور وطرح عكسه وهو الضم الرسمي للأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧، والتي كان هذا اليسار الصهيوني قد ضمها فعلا. يظهر هذا اليسار نفسه وكأنه قد صحى لصالح حقوق الشعب الفلسطيني ، ولكن بعضه لا يفعل أكثر من استخدام هذه الحقوق كشماعة للمطالبة بحرياته داخل الكيان، فيما يستمر في التنكر لفلسطين والفلسطينيين بالممارسة وارتكاب وقبول الجرائم الممارسة ضدهم، كما ويستمر في اتهام الفلسطينيين بأنهم المسؤولون عن نمو التيار اليميني المتطرف بسبب ' رفضهم لمشاريع السلام التي طرحها عليهم اليسار الصهيوني في الماضي '. عدا هؤلاء هنالك قلة من اليهود المعادين للصهيونية والذين تتهمهم قوى الصهيونية كلها بيمينها ويسارها بالخيانة وعدم الولاء بسبب تضامنهم مع الشعب الفلسطيني ضد الاستعمار ، وقد تعرض هؤلاء للاعتداءات من القوى الصهيونية أثناء تضامنهم مع الفلسطينيين ويبدو أنهم سيتعرضون لاعتداءات أخرى أشد في المستقبل . ولكن الامر قد لا يعود مقتصرا على هؤلاء الأخيرين فقط سيما بعد دورة الانتخابات الاسرائيلية التي عقدت في أول تشرين ثاني نوفمبر ٢٠٢٢ .
أسفرت هذه الانتخابات عن حصول حزب الليكود وحلفائه من أحزاب القوى الدينية على عدد متساو من المقاعد بواقع ٣٢ مقعدا لكل منهما ( ٣٢ لليكود و٣٢ للقوى الدينية بواقع ١٤ للصهيونية الدينية و ١١ لحركة شاس و ٧ ليهدوت هتوراة) . وانحسر اليسار الصهيوني الى اربعة مقاعد فقط ذهبت الى حزب العمل ، ولم تجتز حركة ميرتس اليسارية نسبة الحسم لأول مرة منذ عام ١٩٩٢ وبقيت خارج الكنيست . هذا فيما حصل ما يسمى بمعسكر الوسط على ٣٦ مقعدا هي اقل من ذلك في الواقع ، حيث أن ٢٤ مقعدا منها ذهبت لحزب يوجد مستقبل و ١٢ مقعدا ذهبت لحزب المعسكر الرسمي الذي يقوده الجنرال السابق بيني غانتس ، وفي الحقيقة فإن هذا المعسكر الاخير هو عبارة عن تحالف يضم حزب ازرق ابيض الوسطي الذي يقوده بيني غانتس ، ومعه حزب أمل جديد اليميني المنشق عن الليكود الذي يقوده جدعون ساعر ، وعضو حزب يمينا السابق ماتان كهانا ، والجنرال غادي ايزنكوت وبالتالي فإن حزب المعسكر الرسمي هو حزب خليط بين الوسط واليمين ، مما يجعل عدد مقاعد معسكر الوسط اقل من ٣٦. وأعطت النتائج أيضا ستة مقاعد للحزب اليميني إسرائيل بيتنا العلماني الذي صار يرفض الائتلاف مع الأحزاب الدينية في حكومة واحدة كما لا يثق بنتنياهو، فيما يدعو لترحيل فلسطينيي منطقة المثلث. وحصل حزبان عربيان هما القائمة العربية الموحدة والجبهة / العربية للتغيير على ١٠ مقاعد بواقع ٥ لكل منهما . خسرت ميرتس والتجمع الوطني الديمقراطي الانتخابات بفوارق بسيطة ، ولو نجحتا فإن ذلك كان سيؤدي الى إحدى نتيجتين الأولى : هي الذهاب الى انتخابات سادسة ، أو تمكن يائير لابيد من تشكيل حكومة جديدة بمشاركة بعض أطراف اليمين تشبه في تركيبتها تلك الأكثر إجرامية ضد الشعب الفلسطيني التي قادها إلى حين انتقال الحكم الى ائتلاف أحزاب اليمين برئاسة بنيامين نتنياهو. الامر الاخير هنا أن حزب يمينا الممثل لحزب المفدال التاريخي قد فشل في اجتياز نسبة الحسم حيث لم يحصل إلا على نسبة محدودة من الأصوات، فيما كان قد حصل بقيادة نفتالي بينيت على ٧ مقاعد في انتخابات ٢٠٢١ ذهبت في انتخابات ٢٠٢٢ للصهيونية الدينية التي كانت قد حصلت على ستة مقاعد فقط في انتخابات عام ٢٠٢١.
تعكس هذه النتائج عددا من المتغيرات الجديدة الواجبة الرصد، وذلك رغما من أن الوزن النسبي للتيار الديني والدين القومي لم تطرأ عليه تغييرات كثيرة منذ نشوء دولة الكيان كما اشارت لذلك دراسة موثقة للدكتور أشرف بدر ( بدر ، ٢٠٢٢) :
أول هذه المتغيرات أن اليمين الديني الصهيوني الداعي لضم الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧ وقتل وطرد فلسطينييها تدريجيا هو الذي حقق الفوز ( الصهيونية الدينية والليكود)، أما اليمين الديني الذي كان يدعو للضم ولكن مع منح الجنسية الاسرائيلية لمن يجري ضمهم وفرض نظام الابارتهايد عليهم بديلا عن الطرد ( نفتالي بينيت واييلت شاكيد )، فقد خسر المعركة ، وقد تكون هذه الخسارة نهائية نظرا لعدم حصوله سوى على أصوات محدودة ولتغير اتجاه غالبية المستوطنين نحو طرد الفلسطينيين وليس تجنيسهم . أما ثانيها فهو : أن الأحزاب الدينية غير الصهيونية سابقا ( شاس و يهدوت هتوراة ) تتجه أكثر فأكثر للتوافق مع الصهيونية في السنوات الأخيرة، وذلك نظرا لمشاركة اعضائها الواسعة في عملية الاستيطان الاستعماري في فلسطين المحتلة عام ١٩٦٧، مما يجعلها جزءا من المعسكر الداعي والقابل بعملية الضم للأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧. وثالثا : فيما يتعلق بالائتلاف الحكومي الجديد فإن نسبة التمثيل بين الليكود وبين الأحزاب الدينية والدينية القومية التي حصلت على عددٍ مساو لمقاعد الليكود هي نسبة لصالح الأحزاب الدينية هذه المرة أكبر مما كان عليه هذا الأمر في الماضي ، وذلك لسببين يعود أولهما الى أن عددا من أعضاء الليكود ذاته قد تدينوا أكثر في السنوات الأخيرة مما يجعل عدد مقاعد التيار الصهيوني الديني أكبر من ٣٢. وثانيهما أن بنيامين نتنياهو بات يحتاج هذه الأحزاب لدعم توجهاته الأيديولوجية التي تصب في نفس الخانة سيما الضم لما يسميه ب " يهودا والسامرة " التي تعود تاريخيا ل " شعب اسرائيل" كما يسميه واعتباره الشعب الفلسطيني على أنه مجرد طوائف وأفراد طارئين وفدوا الى فلسطين ولكنهم لا يمثلون شعبها الأصلي كما ادعى في كتابه " مكان تحت الشمس". كما أن نتنياهو يحتاج الى هذه الاحزاب لتحقيق رؤيته الخاصة بشأن الدولة القوية كما يراها والتي يسيطر فيها " ممثلو الشعب المنتخبين " على حق تعيين القضاة والسيطرة على وسائل الإعلام ، والجيش والشرطة ، وفي إطار تحقيق هذه الرؤية الأيديولوجية سيكون لنتنياهو أن يتخلص من ملاحقة الشرطة وجهاز القضاء له على خلفية ملفات جنائية يتهم بها.
مع نتائج هذه الدورة من الانتخابات الاسرائيلية يكون الأمر المتعلق بالصراع بين تيار فرض الابارتهايد وتيار الابادة والترحيل والذي دارت حوله دورات الانتخابات الخمسة السابقة التي أجريت خلال ثلاثة سنوات قد قضي، حيث حقق اليمين الداعي للابادة والترحيل كتلة ذات أغلبية بعد تلك الفترة من الاهتزازات . في إطار ذلك ظهرت تحليلات بأن اليمين المتطرف في إسرائيل يعتدل بعد استلامه السلطة ، وأن بيغن الليكودي هو من صنع السلام مع مصر ، ونتنياهو من نفس الحزب هو من صنع السلام مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب والسودان، وأن بن غفير قد غير شعاره السابق " الموت للعرب " إلى شعار جديد هو " الموت للمخربين" فقط كدليل على اعتداله ( بانيت ، ٢٠٢٢)، وروج بن غفير لذلك بنفسه سيما لاعتداله تجاه اليسار الصهيوني كما ورد في رسالة منه لهذا اليسار نشرتها جريدة يسرائيل هيوم ( يورونيوز ، ٢٠٢٢)،. تحاول هذه التحليلات التقليل من عمق التحول الذي حملته الانتخابات الإسرائيلية الاخيرة سيما في المواجهة مع الشعب الفلسطيني وتوفير مبررات لتسويغ التعامل مع الحكومة الصهيونية الجديدة.
هل فوز حزب بن غفير الكبير في الانتخابات الأخيرة هو " تذكرة لمرة واحدة " ناتج عن الأصابع الماهرة لنتنياهو في تحريك قوى اليمين المتطرف من اتجاه إلى آخر وفق حاجاته في كل مرحلة ؟ هنا يتم تصوير الأمر على أنه ليس نتاجا لتغيرات تاريخية تنحفر عميقا في المجتمع الاسرائيلي ، بل على انها نتاج لفعل ساحر فرد هو نتنياهو الذي استطاع اسقاط نفتالي بينيت القائد السابق للصهيونية الدينية ورفع سموتريتش وبن غفير مكانه كعقاب للأول . يشابه ذلك تفسير سعي نتنياهو لتشكيل حكومة يمينية على أنه يعود فقط لرغبته في سن قوانين تؤدي إلى طي الملفات القضائية المفتوحة بحقه. هنا يجري إحلال العرضي والظرفي والشخصي محل العمليات التاريخية ، كما يجري تجاوز المكون الرئيس للتحليل المتعلق بطبيعة الديمقراطية الاستيطانية الاستعمارية وكيف تقوم هذه بانتخاب من يناسب لاستمرار المشروع الصهيوني في كل دورة انتخابية وهو ما حلله الباحث في دراسة سابقة ( سالم ، النصف السنوي الأول من ٢٠٢٠).
في هذا الإطار قد يعاد انتخاب تيار نفتالي بينيت في الانتخابات الصهيونية القادمة ، وقد لا يعاد ذلك وفق ما ستقتضيه مصالح واحتياجات الصهيونية وتفاعلها مع العوامل الإقليمية والدولية إبان الانتخابات القادمة . ولكن الوقائع التاريخية تبين للمراقب من جهة أخرى أن اندثار التيارات داخل الكيان الاسرائيلي هو أمر ممكن وذلك وفق مصالح توسع هذا الكيان ، فها هو التيار المعلمن الذي نجح في إنشاء الدولة وقيادتها على مدى ٢٩ عاما بعد انشائها حتى عام ١٩٧٧ يفقد سيطرته على الدولة عام ١٩٧٧ لصالح الليكود الذي رأى فيه الجمهور الصهيوني أنه الأقدر على الاستمرار في المشروع الصهيوني وتوسيعه بشكل أكبر مما حققه التيار المعلمن . ووفق هذين المثالين فإن الليكود ذاته قد يفقد أغلبيته في الانتخابات القادمة لصالح تيارات أكثر تطرفا بعد أن وصل إلى المساواة العددية معها في انتخابات ٢٠٢٢. أدى توسع قوة المستوطنين في الضفة والقدس الى الانقلاب الليكودي عام ١٩٧٧، ويبدو أن حاجة المشروع الاستيطاني الاستعماري في الضفة والقدس الى الحسم سيؤدي الى الانقلاب الثاني وهذه المرة ضد الليكود لصالح قوى أكثر حسما باتجاه الضم والابادة وطرد الفلسطينيين وسيحتاج هذا الانقلاب الثاني الى عقود ربما لكي يتحقق ، وتشير الأدلة التاريخية أن هذا الاتجاه سيكون ممكنا خلال العقود القادمة إذا لم تنشأ عوامل فلسطينية وعربية ودولية كابحة إذ لا يمكن التعويل على العوامل الاسرائيلية الداخلية لوحدها وبدون تأثير خارجي عليها بأن تغير هذا المسار .
إذا عمرت حكومة نتنياهو دورة كاملة من اربعة سنوات أو أقل ، فإن السؤال يبقى عما سيفضي اليه التناقض الداخلي الذي سينشأ بين اليسار الصهيوني وبين اليمين الصهيوني على الأجندة الداخلية ونمط الحياة في الكيان الصهيوني وذلك بمعزل عن موقف كليهما العنصري المشترك ضد الشعب الفلسطيني ؟
ترى بعض الأطروحات المتفائلة أن هذا التناقض يمكن أن يؤدي لوحده الى تفكك الكيان الصهيوني من الداخل كما تطرح بعض الكتابات الصحفية الفلسطينية، ويتم هنا الاستشهاد بتجارب الممالك اليهودية القديمة وامكانية تكرارها ، وكذلك بتصريحات صهيونية من نتنياهو وغيره تعبر عن القلق بأن الدولة الحالية قد يكون مصيرها كمصير دولة الحشمونائيم التي لم تستمر حتى العام الثمانين حيث نهشتها وانهتها التناقضات الداخلية .
في الواقع قامت دولة الحشمونائيم ( وتسمى أيضا بالدولة المكابية) في القرن الثاني قبل الميلاد كمملكة داخلية ضمن الحكم اليوناني ، وتحالفت تياراتها المختلفة مع الأطراف الخارجية المتصارعة من الرومان واليونانيين ، وفي ذات الوقت سادت داخل الدولة صراعات بين تيارات مختلفة تتعلق بتفسيرات مختلفة لعلاقة الدين بالدولة ، ولكن الدولة قد انفرطت بعد العهد اليوناني بسيطرة الرومان عليها، والذي عينوا حكما يهوديا جديدا تابعا لهم غير ذاك الذي كان تابعا لليونانيين ، واستمر ذلك الحكم ما بعد الحشمونائي إلى حين قيام تيتوس الروماني بتدمير الهيكل وطرد اليهود من فلسطين عام ٧٠ ميلادية ( مانديل، ٢٠٠٥)، وهو ما تؤكده منشورات صهيونية ايضا ( دار النشر العربي ، ١٩٧٣) .
يعني ما تقدم أن الممالك اليهودية القديمة لم تكن اولا مستقلة ، كما أن تفككها لم يترتب عن عوامل داخلية وحسب ، بل ساهمت في ذلك عوامل خارجية ايضا . فما الذي تشير إليه تجربة " اسرائيل " الحالية ، وهل هي على وشك الاندثار بفعل عوامل داخلية وخارجية حالها في ذلك كحال دولة الحشمونائيم ؟. لننظر أولا في هذا القسم في العوامل الداخلية، على أن نتطرق للعوامل الفلسطينية والعربية والدولية الدافعة والكابحة في الأقسام اللاحقة .
تشير تجربة الاستعمار الاستيطاني في فلسطين ، إلى أن القوى التي قامت باستكماله بعد احتلال بقية فلسطين عام ١٩٦٧ ، وفي مقدمتها حركة غوش ايمونيم قد وضعت على رأس جدول اهتماماتها استمالة الشارع الصهيوني " وكسب القلوب " لدعم استكمال المشروع الاستعماري الاستيطاني في فلسطين المحتلة عام ١٩٦٧ ( فرسيكو ، ٢٠١٦)، ووجه هذا التوجه في حينه من بعض أقطاب اليسار الصهيوني بتكتيكين : الأول ادعى بأن الإنفاق على بناء المستعمرات الجديدة سيكون على حساب افقار المستعمرات القديمة المقامة داخل إسرائيل في حدود عام ١٩٤٨ . بهذا الادعاء أراد أقطاب اليسار الحفاظ على امتيازاتهم ورغد العيش الذي حصلوا عليه جراء نهب مناطق ١٩٤٨ بعد إجلاء الشعب الفلسطيني عنها . أما التكتيك الثاني الذي لجأ اليه اليسار فقد قام على الادعاء بأن المستوطنين المستعمرين في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧ يرمون الى خلق ما أطلق عليه إسم " دولة يهودا والسامرة " المنفصلة عن إسرائيل ، وتم اتهام المستوطنين من قبل اليسار بأنهم يجهزون المليشيات العسكرية ( وقد كان بعض المستوطنين يقومون بذلك فعلا ) من أجل الدخول في حرب مع الجيش الإسرائيلي من أجل استقلال دولة يهودا عن دولة إسرائيل ، وذلك على غرار قتال الحركة الصهيونية ضد بريطانيا في أربعينيات القرن الماضي (شيف ،١٩٨٨).
ينطوي هذا الادعاء الثاني على تناقضين مركزيين : الأول منهما أن هذا الادعاء يضفي شرعية كاملة على دولة إسرائيل في حدود عام ١٩٤٨ التي يطالب اليسار الصهيوني الفلسطينيين بالتنازل عن أي مطالب بشأنها مثل التعويض عن النكبة وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم . وثانيا : أنه يعتبر المستوطنين كشواذ يمثلون استثناء ولم ينشئوا من القاعدة ذاتها التي انبثقت منها دولة اسرائيل عام ١٩٤٨، وهي قاعدة الانتفاع والتمتع بامتيازات جراء نهب فلسطين والاستيلاء عليها . وفي الواقع فإن هذه القاعدة تمثل ما يجمع هؤلاء مع دولتهم ، لذا لا غرابة بأن ينتهجوا سبيل الاندماج فيها والسعي لكسب القلوب والدعم من أولئك الصهاينة الذين سبقوهم في نهب الأراضي الفلسطينية عام ١٩٤٨. وقد فعلت هذه السياسة فعلها بحيث بات المستوطنون المستعمرون يملكون وزنًا قويا داخل المجتمع الاسرائيلي وفي الكنيست والحكومة ، ولا غرابة في ذلك بعد أن وصل عددهم الى زهاء ٧٥٠ ألفا ، وهو يساوي ما نسبته ١٧ بالمئة من سكان الضفة المحتلة عام ١٩٦٧ ، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى مليون مستعمر خلال السنوات القليلة القادمة . وعليه يتضح أن إسرائيل قد باتت " محتلة " بفكر المستوطنين ودعمهم كما أن ميليشياتهم قد أصبحت واقعا يقوم بالاعتداءات اليومية على الفلسطينيين دون أن يحرك ذلك الجيش ، هذا عوضا ان جنودا قد رصدوا وهم يشاركون في هجمات للمستوطنين على الفلسطينيين ، وتشكلت وحدة المستوطنين داخل الجيش الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧. مع هذه التطورات لم يعد هنالك أي سبب لانشقاق المستوطنين عن دولة اسرائيل، وإن جرت مناوشات هنا وهناك بين بعض غلاتهم وبين بعض عناصر الجيش فإن هذه المناوشات سرعان ما يتم تطويقها . أما اليسار فلن يكافح المستوطنين لصالح الفلسطينيين والتوقف عن قتلهم ونهب أراضيهم وبلادهم ، وإنما سيكافحهم بشأن قضايا داخلية تتعلق بالحريات الفردية والعامة ذكرت أعلاه وستأخذ الاحتجاجات طابع المظاهرات الكثيرة العدد وقطع مفترقات الطرق و الدعوات للعصيان المدني والاحتجاجات من الإعلام والقضاء وقادة الجيش ومؤسسات المجتمع كما يتم بالممارسة وعلى شكل دعوات منذ الان . فهل سيؤدي الاصطدام بشأن هذه القضايا الى درجة أن يتفكك المجتمع الاسرائيلي ذاتيا ؟
في الواقع لا زال ما يجمع صهيونيي الكيان أكبر مما يفرقهم . فبينهم من جهة عوامل مشتركة عديدة أولها هو انتفاعهم جميعا من نهب أرض فلسطين، وثانيها هو التوحد في مواجهة مقاومة الشعب الفلسطيني كما تقدم. ولذلك فإن تعزيز التناقضات داخل الكيان الصهيوني من الداخل يتطلب تراكم الكفاح الفلسطيني والانفجار الكامل لفلسطينيي الداخل ضد الكيان بحيث يشكلون تهديدا له من داخل عقر داره . أي أن التغيير وانفراط عقد الكيان لن يأتي كهبة من السماء وحسب وإنما بتشابك العوامل الداخلية والخارجية معا لتحقيق ذلك . فكيف ستتطور العوامل الداخلية اولا ؟
عبر تاريخه عرف الكيان صراعات على هوية الدولة بين المتدينين والعلمانيين وبين اليسار واليمين ، وصراعا بين تجمعاته غير المتجانسة من الغربيين والشرقيين والروس والفلاشا الأثيوبيين، وتهربا من المتدينين والشباب من الخدمة العسكرية ، وحالات فساد متسلسلة بدأت من عهد بن غوريون مرورا برابين في سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم، وانعكست هذه الصراعات ونقاط الخلل في العقود الأخيرة على الجيش الذي بات يخاف أكثر فأكثر من المواجهات البرية وما يترتب عنها من خسائر بشرية ، وهو الأمر الذي يجعل الاتجاه الصهيوني الديني المتنامي داخله يرفع عقيرته بنقد ضعف الجيش ، ويدعوه لكي يكيف سياساته وممارساته بشكل أكبر مع توجهات الاتجاه المذكور، ومع المليشيات المسلحة التي شكلها هذا الاتجاه كمجموعات شباب التلال ' الجريئة ' وغيرها . عوضا عن ذلك شهد ويشهد الكيان صراعا بين أغلبيته اليهودية مع الجزء الباقي من الشعب الفلسطيني داخله. وإذ لم تنشأ سياسات فلسطينية وعربية للاستفادة من هذه التناقضات والشروخ ومظاهر التفكك ، فإن الكيان قد استمر في توسعه رغما عن ضعفه المتولد عن هذه الظواهر.
مع ما سبق ، استطاع الكيان منذ انشائه استيعاب التناقضات والشروخ ومظاهر التفكك المذكورة ، ولكن تناقضين قد تفاقما في العقد الأخير الى درجة تنذر بصعوبة التحكم بهما . اولا يتسع التناقض مع الفلسطينيين الباقين داخل الكيان، وثانيا يتسع التناقض بين بنية الجيش وقوى الأمن الحالية وبين البنية التي يطمح التيار الصهيوني الديني اليها لهذا الجيش والقوى الامنية . وهذان التناقضان متداخلان وكل منهما يؤثر في الآخر . يسعى التيار الصهيوني الديني المتنامي الى معالجة التناقض الأول عبر زيادة وتيرة القمع والتخويف والقتل والتهديد بالترحيل ، وفي هذا الإطار سيحتاج التيار الصهيوني الديني إلى الجيش والقوى الأمنية لتنفيذ هذه المهام ، وسيجدون من قوى القمع هذه من سيقدمون على تنفيذ هذه المهام بشكل فعال ، كما سيدمجون عبر الوزارات التي سيسيطرون عليها ميليشياتهم في الجيش وقوى الامن ليزداد نفوذهم فيها. وبهذا سيتحول الجيش وأجهزة الأمن الى أدوات طيعة بيد الاتجاه الصهيوني الديني بذريعة التصدي للخطر العربي سواء من داخل الكيان أو في الضفة والقطاع ، يساعد في ذلك استمرار التخويف من الخطر الإيراني ومن صواريخ حماس وحزب الله، ومن عواقب التصعيد ضد الاستعمار في الضفة المحتلة عام ١٩٦٧. اما التناقضات الأخرى عدا عن هذين التناقضين فإن التيار الصهيوني الديني سيتمكن على ما يبدو من تمرير القوانين التي تقلص من دور القضاء وتعزز التعليم الديني والتعريف المحافظ لمن هو يهودي ، وغير ذلك من القوانين المحافظة . سيرد اليسار وما يسمى بالوسط باستعمال وسائل قانونية ومظاهرات سلمية بما في ذلك من ما سمي ب " منتدى الكفاح من أجل طابع الدولة " الذي شكله رئيس تكتل المعسكر الرسمي بيني غانتس ، وذلك لأنه مسكون بروح الحفاظ على الكيان ضد التهديدات الفلسطينية والاقليمية فإنه سيكتفي بالوسائل السلمية للاعتراض ، ولن يمارس العنف . هذا ناهيك أن اليسار والوسط اللذين يمثلان ما يطلق عليه اسم ' المعارضة ' يعانيان من التفكك وعدم تنسيق الجهود في مواجهة حكومة نتنياهو مما لن يؤدي الى نتائج جدية . في المقابل سيصعد التيار الصهيوني الديني من هجماته على " اليسار " ومن الاتهامات لهم بعدم الولاء ، ولكن بعض اليسار سيرد بأساليب " ديمقراطية " حفاظا على " وحدة الأخوة ״ والدم اليهودي، وبعض آخر غير قليل منه سيحزم حقائبه ويغادر دولة إسرائيل " الثيوقراطية ، العالمثالثية الشرقية الدينية المتزمتة "، كما يسميها هؤلاء اليساريون المسكونون بالتوق الى رغد العيش. سيؤدي ذلك كله إلى المزيد من اندثار اليسار، وتعزز التيار الداعي للانتصار التام على الشعب الفلسطيني وسرقة كل فلسطين وترحيل من تبقى من أهلها.
تحليل العوامل الاخرى أدناه سيظهر اذا ما كان هذا السيناريو هو سيناريو حتمي لا رجعة عنه .
العوامل الدافعة و العوامل الكابحة
ليس سرا أن العوامل العربية والدولية لعبت دورا هاما في تحديد حاصل الصراع بين الشعب الفلسطيني وبين الصهيونية ، فثورة ١٩٣٦ مثلا كادت أن تحقق الانتصار لولا تدخل الحكام العرب الذين دعوا لوقفها ، ولولا بطش الإنتداب البريطاني للفلسطينيين في أي مكان كانوا يحققون فيه دحرا للقوات الصهيونية، كما فشلت الجيوش العربية في منع قيام دولة اسرائيل عام ١٩٤٨.
في العامل الذاتي الفلسطيني ليس سرا أيضا أن انتفاضة ١٩٨٧ قد أوقفها التفاوض مع إسرائيل على اتفاق أوسلو الذي أدى إلى إعاقتها قبل أن تؤتي أكلها . كما أن الانقسام الفلسطيني منذ عام ٢٠٠٧ وحتى اليوم يمثل عاملا أساسيا يكبح تطوير استراتيجية موحدة لتحرير فلسطين .
مع كل ما تقدم فإن حاصل الصراع حتى الآن لا زال يقف عند حالة ان أيًا من الطرفين لم ينتصر ، كما أن أيا منهما لم ينهزم . وبالنسبة للشعب الفلسطيني فهو لم ينهزم من جهة ، ولكنه فوق ذلك لا زال يقاوم ، بما في ذلك من خلال الوحدة الميدانية لأجنحة الفصائل على قاعدة 'اللقاء على أرض المعركة ' رغم انقسام قياداتها من جهة أخرى، كما أن الشعب الفلسطيني بات يمثل في السنوات الأخيرة غالبية ديمغرافية تزيد عن عدد اليهود في فلسطين التاريخية بمئتي ألف ، وذلك رغم عدم عودة أي لاجئ فلسطيني الى أرض وطنه.
وفي محاولاتها لهزيمة الشعب الفلسطيني ، مارست اسرائيل المذابح والتطهير المكاني والعرقي ، وبعد عام ١٩٦٧ سعت في البداية الى حل يقوم على إنشاء دولة استيطانية استعمارية مقلصة كما سماها الباحث في ورقة أخرى ( سالم ، النصف السنوي الأول من ٢٠٢٠) تضم الكيان بحدود عام ١٩٤٨ اضافة للأجزاء التي يريد ضمها من الضفة المحتلة عام ١٩٦٧، مع تحويل ما تبقى للأردن كما كان عليه الطرح الاسرائيلي في سبعينيات القرن الماضي ، ثم منظمة التحرير الفلسطينية كما أصبح عليه ذات الطرح في تسعينيات القرن الماضي . ومع فشل هذا الحل في مفاوضات أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية وقبل ذلك مع الأردن ، انتقل الكيان من فكرة حل النزاع الى فكرة إدارته ، من خلال إبقاء الفلسطينيين تحت السيطرة الإسرائيلية بدون أية حقوق سياسية ، والاكتفاء بتقديم خدمات مدنية لهم ، بداية من خلال مشروع التقاسم الوظيفي للمسؤوليات مع الأردن كما طرح في ثمانينيات القرن الماضي من قبل حزب الليكود ، أو عبر مشاريع شبيهة أطلق عليها اسم " السلام الاقتصادي " من قبل نتنياهو ، ولاحقا إسم " تقليص الصراع " من قبل الاكاديمي ميخا غودمان ( الشريف، مترجم ، ٢٠٢١)، وهو ما تبنته حكومة نفتالي بينيت - يائير لبيد ٢٠٢١- ٢٠٢٢. جاءت اطروحة تقليص الصراع لتقول بتعزيز الحكم الذاتي للفلسطينيين مع عدم انسحاب الجيش الاسرائيلي وبقاء سيطرته على الأرض ، واستمرار تشغيل العمال الفلسطينيين في الاقتصاد الإسرائيلي ، والتعامل مع قطاع غزة كبانتوستان معزول تتحكم اسرائيل تحكما كاملا بما يخرج منه ويدخل إليه واستمرار التعامل مع فلسطين كسوق للمنتجات الاسرائيلية ، وهذه كلها ممارسات ابارتهايد . ولكن هذه الممارسات اقترنت بالمقابل مع الاستمرار في التوسع الاستيطاني الاستعماري ، واتساع شهيته لمزيد من السيطرة بما في ذلك لتحويل المسجد الأقصى إلى هيكل لليهود، والمشاريع المختلفة لزيادة عدد المستعمرين في الضفة الى مليون وحتى مليونين خلال السنوات والعقود القليلة القادمة ، وهذا ما جعل المشروع الاستيطاني الاستعماري يصطدم مع التوجه الابارتهايدي القاضي ببقاء الشعب الفلسطيني في بلاده ، بل وازدياد عددهم ديمغرافيا أكثر من اليهود رغم كل إجراءات التقييد الديمغرافي . هنا باتت حاجة المستعمرات للتوسع تصطدم بالكتل البشرية الفلسطينية التي بات من الضروري إزاحتها من أجل توسيع المشروع الاستيطاني الاستعماري ، وهنا بدأت عمليات تشريع وانشاء المزيد من البؤر الاستيطانية الاستعمارية على اراض فلسطينية خاصة ، وطرحت مشاريع اقتلاعية لمجموعات بشرية فلسطينية كاملة من مسافر يطا قرب مدينة الخليل ، والخان الأحمر على طريق مدينة أريحا ، وبلدة الشيخ جراح في مدينة القدس . عنى ذلك أن متطلبات توسع المشروع الاستيطاني الاستعماري قد باتت تتناقض شيئا فشيئا مع المشروع الابارتهايدي لابقاء الشعب الفلسطيني في معازل . وهنا بدأت عملية الإعداد المتدرج لنكبة ثانية جديدة كما سميت
( رابوبورت وفاخوري، ٢٠٢٢).
ساعد على الوصول إلى هذه الحصيلة أن النتيجة المؤملة عن تنفيذ المشروع الابارتهايدي تحت أغطية السلام الاقتصادي وإدارة وتقليص الصراع في تطويع الشعب الفلسطيني لم تتحقق حيث استمر الشعب الفلسطيني في المقاومة على شكل هبات سنوية في الضفة والقدس منذ عام ٢٠١٤ وحتى اليوم ، ترافقت معها حروب مع غزة، ومع ٢٠٢١ لم تعد الهبات حالة موسمية بل تحولت لتصبح نمط حياة يومي في مقاومة الاستيطان الاستعماري في فلسطين، كما وتواصل التزايد الديمغرافي الفلسطيني بحيث أصبح يمثل الغالبية في كل البلاد
استخدمت الصهيونية وكيانها اذن مختلف أشكال القوة الخشنة ، وكذلك القوة الناعمة من أجل تطويع الشعب الفلسطيني ، إلا أن هذه الأدوات لم تفلح . لذلك توصلت الصهيونية الى استنتاج بضرورة العودة الى لحظة ١٩٤٨ مجددا لتحقيق نكبة ثانية للشعب الفلسطيني . بدأ التفكير بهذا الأمر من الولايات المتحدة عبر أطروحات افنجليكانية لتحقيق النصر التام على الفلسطينيين عبر عنها مقالات لدانييل بايبس٢٠١٧ (بايبس، ٢٠١٧)، وتشكيل تكتلين في كل من الكونغرس الامريكي والكنيست الاسرائيلي لدعم الفكرة ، ثم جاء قانون القومية الذي أقره الكنيست عام ٢٠١٨ ليعيد صياغة ذات بنود تصريح بلفور بعد ١٠١ عام على صدوره حيث نص القانون أن "أرض اسرائيل " من البحر الى النهر كما اسماها هي ملك لما يسمى بالشعب اليهودي وحسب ، اما الباقين فليس لهم من حقوق سوى تلك الفردية والطائفية . وجاءت صفقة القرن عام ٢٠٢٠ لتؤكد ذات المنحى ، مما حدا بنتنياهو حينها لإعلان أن الضم الرسمي سيتم في ذات العام ، وهو ما أجله الاتفاق مع الإمارات العربية المتحدة ، ثم حكومة بينيت - لبيد ٢٠٢١- ٢٠٢٢. مثل ذلك وقتا مستقطعا قبلت خلاله الإمارات العربية المتحدة بمعادلة ممارسة الابارتهايد والتوسع الاستيطاني الاستعماري اليومي واقتحام الأقصى وتهويد القدس بشكلٍ فعلي على أن لا يتم ترسيم ذلك من خلال قرار معلن .
إلى أين من هنا ؟
احتيالا على الموقف الإماراتي الذي يتحرج من إعلان ترسيم الضم، تبدو الاتفاقيات الائتلافية بين الليكود وأحزاب تكتل الصهيونية المتدينة الثلاث كما أنها قد أوجدت حلا يعفي الإمارات من هذا الحرج ، ويقضي الحل بوضع المستعمرات المقامة في الضفة الغربية تحت السيادة الاسرائيلية المباشرة هي وكل المنطقة ج التي تمثل ثلثي الضفة الفلسطينية وبالتالي منع الفلسطينيين من البناء في المنطقة بشكل كامل ، ووفق الاتفاقيات الائتلافية ستناط هذه الصلاحيات لبتسلئيل سموتريتش من خلال تعيينه أو تعيين عضو من حزبه في وزارة الدفاع . بهذه الطريقة يتم ضم المنطقة ج قانونيا الى إسرائيل وذلك عبر ضم المستعمرات المقامة فيها ومناطق توسعها المستقبلي إلى إسرائيل، وهي صيغة لضم المنطقة ج المقامة عليها هذه المستوطنات ولكن بطريقة لا تحرج الامارات ، ولا أي دولة عربية جديدة قد تنضم للتطبيع كليا او جزئيا مع إسرائيل مثل المملكة العربية السعودية ، حيث يجري الحديث عن تطبيع كامل ، او على الاقل عقد مؤتمر إقليمي برعاية امريكية بمشاركة المملكة العربية السعودية واسرائيل ودول التطبيع العربية الأخرى بذريعة السعي الى لجم توجهات حكومة نتانياهو الجديدة بشأن إعلان ضم الضفة الفلسطينية المحتلة الى إسرائيل. مع ذلك لن تتوقف حكومة نتنياهو عن ضم المستوطنات الى اسرائيل كبديل خادع عن ضم الضفة ، حيث تقع المستوطنات على أرضها ، بل وسيجري أيضا العودة عن تفكيك المستعمرات التي كانت قائمة في محافظة جنين الذي نفذ وفق خطة ارئيل شارون لفك الارتباط عام ٢٠٠٥، كما سيتم تشريع كل ' المواقع الاستيطانية العشوائية ' كما تسمى .
وفيما يتعلق والاقتحامات للمسجد الأقصى المبارك فلم يجد المرء موقفا اماراتيا حازما بشأن ذلك ويبدو أنه لن يكون في ضوء الاستقبال المبكر للسفير الاماراتي في تل ابيب لكل من بن غفير وسموتريتش ، في وقت لا زال يتمنع حتى السفير الأمريكي و السفراء الأوروبيون في إسرائيل عن استقبالهما . مع ذلك فإن احتمال انفجار كل الاتفاقيات الإبراهيمية مع دولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين ، ولاحقا مع المغرب والسودان ستكون أمرا واردا في حال حدوث أمر جلل في المسجد الأقصى ، هذا ناهيك عن العلاقات مع الأردن ومصر.
لا يبدو أن دول التطبيع الجديدة بصدد اتخاذ مواقف حازمة حتى الان ، وفي المقابل تنتهج مصر والأردن أساليب الضغط الدبلوماسي . ومثلها أوروبا ، فيما ستتخذ الولايات المتحدة موقفا مراوغا ، يقضي "بالتعامل مع أعضاء الحكومة الاسرائيلية وفق أعمالهم ، وليس وفق أقوالهم " كما قال وزير الخارجية أنتوني بلينكن في حديثه أمام منظمة جي ستريت اليهودية الأمريكية مطلع كانون أول ٢٠٢٢، حيث عاد أيضا للتأكيد على دعم أمن إسرائيل وبقائها ومكافحة محاولات مقاطعتها وإصدار قرارات إدانة في الأمم المتحدة ضدها . في هذا الإطار تجدر الإشارة إلى أن المنظمات اليهودية الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية مثل الايباك ، والاتحاد اليهودي في أمريكا الشمالية ، والمجلس الأمريكي اليهودي قد أعربت عن تطلعها للعمل مع الحكومة الاسرائيلية الجديدة ، وصرفت ايباك ملايين الدولارات لدعم مرشحين مؤيدين لإسرائيل من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في انتخابات الكونجرس الأخيرة في تشرين ثاني ٢٠٢٢. من جهة اخرى عبرت اللجنة اليهودية الأمريكية عن بعض نقاط القلق من التوجهات الجديدة للحكومة الإسرائيلية إلا أنها قالت بأنها ستستمر في " دعم أمن اسرائيل ومكانتها في العالم وتعزيز العلاقة الوثيقة بينها وبين يهود العالم " (بينارت ، ٢٠٢٢). وحدهما المنظمتان الصغيرتان جي ستريت ، والصوت اليهودي من أجل السلام عبرتا عن صوت نقدي لتوجهات الحكومة الجديدة الضارة بديمقراطية إسرائيل ومكانتها الدولية كما قالا ، وقدمتا طلبات محددة لإدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن تقضي بمنع الضم الإسرائيلي للضفة الغربية ، والحيلولة دون تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى المبارك ( جبل الهيكل كما يسمونه )، وعدم التعامل مع بن غفير وسموتريتش اذا توجها لضم الضفة الغربية أو أجزاء منها وتنفيذ سياسات عنصرية ، ووقف تزويد اسرائيل بأسلحة هجومية للاستخدام في القدس والضفة ، ووردت نفس الأفكار في مقال مشترك كتبه آرون ديفيد ميلر ودانيال كيرتزر نشرته صحيفة الواشنطن بوست ( ميلر و كيرتزر ، ٢٠٢٢). مع ذلك يتسع نقد اسرائيل في الأوساط اليسارية من الحزب الديمقراطي الأمريكي ، وكذلك بين الشباب الأمريكان واليهود ، وقد أشار استطلاع أجري بين اليهود في أمريكا من قبل معهد الناخبين اليهودي الى أن ٢٥ بالمائة منهم يعتبرون اسرائيل على أنها دولة أبارتهايد ، و ٣٨ بالمائة يعتبرون معاملة إسرائيل للفلسطينيين بأنها تتسم بالعنصرية (فاروق ، ٢٠٢٢). في المقابل هنالك المنظمات الافنجليكانية التي ترسل متطوعين ومتطوعات للعمل في المستعمرات الصهيونية ، وتشجع اليهود الأمريكان هي والرئيس السابق دونالد ترامب على الهجرة إلى اسرائيل ، وتتهم اليساريين ومؤيدي الحزب الديمقراطي منهم على أنهم يهود يكرهون أنفسهم ويفتقرون إلى الولاء الكافي لدولة إسرائيل. وتشير دراسة صدرت عن جامعة هارفارد عام ٢٠١٧ إلى أن ١٥ بالمئة من سكان المستعمرات الصهيونية في الضفة هم يهود امريكان ( هيرشهورن ، ٢٠١٧).
ما سبق من تحليل يتعلق بالعوامل الدافعة و الكابحة على المستوى السياسي ، ولكن هنالك عوامل اخرى ديمغرافية وقانونية واقتصادية، وكفاحية ميدانية .
فيما يتعلق بالعوامل الديموغرافية لا تبدو الزيادة العددية الفلسطينية عنصرا كابحا كلية ، حيث استطاعت الصهيونية إيجاد بعض الحلول لها عبر إخراج قطاع غزة ومناطق أ من الضفة من تحت الحكم الإسرائيلي المباشر ، كما أن الاغلبية في المنطقة ج التي تمثل ثلثي مساحة الضفة فهي للمستعمرين اليهود الذين يبلغ عددهم هناك زهاء نصف مليون نسمة يقابله ٢٠٠ الى ٣٠٠ الف فلسطيني . في المقابل بلغ الجشع الاستيطاني الاستعماري عتبة أصبح معها يفكر في ازاحة مجتمعات محلية فلسطينية بأسرها يعتبرها بأنها أصبحت تقف في طريقه.
العوامل الكابحة ربما تتوفر بشكل أفضل على المستوى القانوني ، والحملات المرتبطة به مثل حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات ، ورفع قضايا امام المحاكم الاممية والدولية لتجريم الاحتلال ، وإصدار قرارات دولية جديدة من الامم المتحدة ، مع أن هذه الاخيرة لا تغير الشيء الكثير بالنسبة لفلسطين حيث أنها لا تجد طريقها للتطبيق.
أما على المستوى الاقتصادي ، فإن الكيان قد يضطر للاستمرار في تشغيل الأيدي العاملة الفلسطينية الارخص ، وسيستمر قطاعه الصحي في الاعتماد على الفلسطينيين الذين يمثلون ٢٥ من طواقم هذا القطاع . ولكن ذلك سيما في قطاع العمالة سيتم في إطار علاقة السيد بخدمه ، أي ليست مجرد علاقة استغلال كولونيالي ابارتهايدي. وقد عرف شافير هذه العلاقة ليضعها ضمن نموذج اقتصادي خاص أطلق عليه اسم " التنمية الاثنية المنفصلة " التي تمنع نشوء أية علاقات تضامن او كفاح طبقي مشترك بين العاملين الفلسطينيين واليهود ( شافير ، ١٩٨٩). وعليه لا يبدو عامل الحاجة للأيدي العاملة الفلسطينية كابحا أمام تطور المشروع الاستيطاني الاستعماري ، كما أن إمكانيات الاستغناء عن الأيدى العاملة الفلسطينية هو أمر وارد وبوشر في تطبيقه جزئيا .
واخيرا وليس اخرا يبدو العامل الكفاحي الميداني الفلسطيني هو الأكثر تأثيرا على تغيير مسار الأمور ، سيما إذا ما اقترن بالاتفاق على وحدة الهدف ووحدة الفعل ، وخطط للبناء وتركيم الانجازات ضمن خطوات متسلسلة ومدروسة ينبني انجاز احدها على سابقاتها ويهيئ لما سيتلوها .
لا يبدو اذن أن تشكل الحكومة الاسرائيلية الجديدة وبرامجها ستؤدي الى تغيير فوري في مواقف دول العالم الغربي ، وهو ما يلقي بمسؤولية كبرى على عاتق الدبلوماسية الفلسطينية والعربية لتوضيح الحقائق ، كما هنالك الدور الهام الذي تقوم به بهذا الصدد للجاليات الفلسطينية والعربية في شتى أرجاء العالم للتأثير على المواقف الشعبية الأمريكية وعلى السياسة الامريكية الرسمية على المدى الأبعد نسبيا ، وهو الأمر غير الممكن حدوثه لوحده بدون بذل جهود فلسطينية وعربية داعمة لدور الجاليات بهذا الاتجاه .
عود الى العنوان
نتائج هذه المقالة واردة في النص وفي الملخص اعلاه فيما يتعلق بما وصلت إليه الحال في الصراع المحتدم للشعب الفلسطيني مع الصهيونية مع نهاية عام ٢٠٢٢، مما قد لا يستدعي التكرار.
ومنذ بداياتها الاولى اكتست الصهيونية طابعا عنصريا حيث لم تكن أولا إلا حركة عرقية قامت على أساس الادعاء بأن العرق اليهودي قد استمر منذ نشأة اليهودية قبل ثلاثة آلاف عام وحتى اليوم . وقالت ثانيا أن هذا العرق هو شعب الله المختار الذي يجب أن يكون الأغيار ( الغوييم ) في خدمته . ومنذ نشأتها حملت الحركة الصهيونية طابعا فاشيا مضادا لليهود الذين اختلفوا معها وسعوا للاندماج في مجتمعاتهم التي نشأوا وتربوا فيها ، وفي هذا الإطار تحالفت الصهيونية مع النازية لكي تهجر اليهود من ألمانيا إلى فلسطين عبر اتفاقية هعفراه عام ١٩٩٣ التي شارك حاييم ارلوزوروف واتحاد صهيونيي ألمانيا ومدير الشركة الزراعية هاتوفياع في انجازها ( جريس ، ٢٠١٥، ص. ٢٦٨- ٢٦٩) ، ودبرت الاعتداءات بالمتفجرات على اليهود في العراق لدفعهم للهجرة إلى فلسطين ( شبلاق، ٢٠٠٥) ، واليوم تتحالف مع الافنجليكانية المعادية لليهود من أجل تشجيع هجرة أكبر كتلة يهودية لا زالت موجودة في العالم وهي يهود الولايات المتحدة . هذه الحقائق كلها معروفة و اشبعتها الدراسات بحثا .
بعد نشوء دولة إسرائيل عام ١٩٤٨ حاول التيار الصهيوني المعلمن للدين إلتفاع زي التحضر في تعامله مع اليهود داخل الكيان ، ومن هنا تراجعت الفاشية ، أما السلوك العنصري ضد الاغيار فقد استمر ، يذكر بذلك مجازر قبية عام ١٩٥٢، واقتلاع بدو النقب من ديارهم بعد قيام الدولة، ومجازر وغزة وخانيونس بالذات عام ١٩٥٦- ١٩٥٧، وازالة قرى يالو وعمواس وبيت نوبا عن الوجود بعد حرب حزيران من عام ١٩٦٧، وتهجير مخيم عقبة جبر أثناء الحرب ، وتشغيل باصات من باب العامود في القدس لنقل فلسطينييها نحو جسر الأردن في نفس الفترة ( مصالحة ، ٢٠٠٣)، وهكذا.
بعد احتلال عام ١٩٦٧ ، عادت الفاشية لتضرب مجتمع الكيان ذاته ، وكان أن حذر الحاخام يشعياهو ليبوفيتش والبروفسور يتسحاك شاحاك بشكل مبكر منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي بأن جرائم الاحتلال في الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧، ستنعكس على المجتمع الاسرائيلي عنفا داخليا ضد النساء والفقراء وغيرهم . واستمر البروفيسور زئيف شتيرنهيل على نفس الخط في الثمانينيات والتسعينيات . واليوم يكتمل ما حذر منه ليبوفيتش وشاحاك وشتيرنهيل إذ يستلم الفاشيون ضد اليهود المختلفين السلطة ويغيرون القوانين على هواهم . أما العنصرية فقد انتقلت الى طور جديد قوامه التحضير لضم الاراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧ رسميا الى إسرائيل ، والاشهار عن الخطط التي كانت كامنة لطرد من تبقى من الشعب الفلسطيني من بلاده ، واخضاع من يبقون بعد ذلك لسلطة الاسياد . تكتسي العنصرية هنا طابعا اقتلاعها احلاليا ممزوجا بالتوجه الابادي . فهل تتحقق هذه المخططات الإجرامية ؟
الإجابة على هذا السؤال مرهونة بمدى المقاومة التي ستكون لهذه المخططات. لذلك فإن دحرها ليس أمرا مضمونا ومقولات الحتمية التاريخية حول انتصار الشعوب المستضعفة لا تفيد ، فقد أبيد الهنود الحمر في الأمريكيتين الشمالية والجنوبية ، وابيد الشعب الأصلي في استراليا . ولكن مصائر أخرى عرفتها المشاريع الاستيطانية في الجزائر وغيرها حيث تم دحر هذه المشاريع . وشهدت جنوب افريقيا نموذجا ثالثا قام على المصالحة بين الشعب الاصلي وبين المستوطنين المستعمرين ، أما النموذج الرابع فهو ايرلندا الشمالية حيث لم يتحقق النصر لا للمستعمرين ولا للشعب الأصلي ، ولذا تم إيجاد صيغة حكم مشترك لإدارة النزاع وتجميده إلى حين نشوء ظروف جديدة . في فلسطين ( النموذج الخامس) القائم على الاقتلاع والإحلال الممزوج بالمجازر، فإن هذا النموذج لا زال يشهد حالة الكر والفر ، فهل يستمر كذلك بحيث يحقق الشعب الفلسطيني النصر ؟ الجواب ليس مضمونا على ذلك فلا زلنا على بعد ١٢٥ منذ مؤتمر بازل الذي أقام الحركة الصهيونية ، فيما استمر الصراع في جنوب افريقيا من ١٦٥٢ إلى ١٩٩٤ أي حوالي ٣٥٠ عاما ، واستمر الصراع على السيطرة على أمريكا من قبل المستوطنين المستعمرين منذ نهاية القرن الخامس عشر حين اكتشفها كولومبوس عام ١٤٩٢ حتى عام ١٩٢٤ حين القى آخر هندي أحمر سلاحه أي حوالي ٤٣٠ عاما . اما ايرلندا فقد حط بلادها اول مستعمر انكليزي عام ١١٦٧ ولم تتحرر غالبية مقاطعاتها لتشكل جمهورية ايرلندا الا عام ١٩٢١ أي بعد حوالي ما يزيد عن ٧٥٠ عاما . أما مقاطعاتها الست التي سميت بايرلندا الشمالية فلا زالت خارج حالة الحسم . لا توجد إذن وصفة جاهزة كيف سينتهي عليه الأمر في فلسطين ومتى ووفق أي نموذج ؟ ومتى؟ . كما يبين تاريخ فلسطين المديد فإن العامل الذاتي الفلسطيني بتفاعله مع العوامل العربية والدولية هو من سيحدد الجواب في حالة فلسطين، وليس العامل الفلسطيني لوحده. وكما يبدو أن الصراع لا زال بحاجة الى مزيد من الزمن حيث لن تطبق الصهيونية توجهاتها الابادية الاقتلاعية دفعة واحدة بل بتدرج وعلى زمن طويل تبعا للخوف من الارتدادات التي ستسببها لجهة اتساع العوامل الكابحة، لذا يكون مناسبا تفعيل هذه العوامل فلسطينيا وعربيا ودوليا ونقلها بالتدريج من الكبح إلى تغيير المسار بوسائل ست : كفاحية ميدانية ، واقتصادية وتنموية ، وقانونية ، وسياسية ودبلوماسية ، واعلامية ، ومعرفية يكون العالم كله هو ساحتها.
المراجع
بانيت ( ١٠/ ١١ / ٢٠٢٣). " بن غفير ينشر خطابه بذكرى مقتل كهانا".
بدر ، اشرف ( ١٦/ ١١/ ٢٠٢٢). " صعود التيار الديني القومي في الانتخابات الإسرائيلية لعام ٢٠٢٢: حقيقة أم أوهام ؟". www.etar.info
دار النشر العربي ( ١٩٧٣). تاريخ الامة اليهودية منذ نشأتها حتى نهاية عهد التلمود. تل أبيب.
جريس ، صبري ( ٢٠١٥) . تاريخ الصهيونية ، الجزء الثاني . ط.٢. رام الله : مركز الأبحاث / منظمة التحرير الفلسطينية .
سالم ، وليد ( النصف السنوي الاول ، ٢٠٢٠). " الانتخابات في الدولة الاستيطانية الاستعمارية : حالة اسرائيل ". جامعة القدس : مجلة العلوم القانونية والسياسية ، العدد الخامس ، ص. ١٥٥- ١٨٦.
سالم ، وليد ( خريف ، ٢٠٢٠). " الطرد ام الابارتهايد ؟ العوامل الدافعة و العوامل الكابحة ". جامعة القدس : مجلة المقدسية ، العدد الثامن ، ص. ٩- ١٥.
الشريف ، ماهر ( مترجم : ١٢/ ٨ / ٢٠٢١). " ميخا غودمان ومصطلح " تقليص" الصراع الفلسطيني الإسرائيلي". www.Palestine-studies.org
شيف ، زئيف ( ٧/ ٩/ ١٩٨٨). " مستوطنون في مواجهة الجيش الإسرائيلي". جريدة هآرتس . في. المصدر . مقالات مترجمة من الصحف العبرية . القدس .
فرسيكو، تمر( ٢٠١٦). " التجربة اليهودية الاخيرة للتغلب على عملية العلمنة : صعود وسقوط غوش ايمونيم ". مجلة قضايا اسرائيلية : العدد ٦٣، ص. ٣٨- ٥٠.
مانديل، سارة ( ٢٠٠٥). " رومة وسوريا والكاهن الأعلى : الأسس الدولية لسلطة الكاهن الاعلى في دولة - مدينة أورشليم ( ١٧٥- ٦٣ ق.م). في . تومبسون . توماس ل. بالتعاون مع الجيوسي ، سلمى الخضراء. القدس : اورشليم العصور القديمة بين التوراة والتاريخ. ط.٢ . بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية .
مصالحة، نور ( ٢٠٠٣). إسرائيل وسياسة النفي . رام الله : مدار - المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية .
يورونيوز ( ٧/ ١٢/ ٢٠٢٢). " بن غفير يعترف في رسالة موجهة لليسار الصهيوني : لقد نضجت وأصبحت معتدلا ".
English Resources
Beinart, Peter ( 6 / 12/ 2022). “ For the Biden Administration, There are No Red Lines on Israel”. Jewish Current .
Berger , Yotam ( 13/ 9/ 2017). “ Israeli Party Approves Annexation to Coerce Palestinian Departure”. www.haaretz.com
Farouq, Umar ( 17/ 11/ 2022). “ Israel’s New Far- Right Coalition Deepens Divides Among Jewish Americans “. Middle East Eye.
Glick, Caroline 2014). The Israeli Solution: A One State Plan for Peace in the Middle East, 4th ed. Crown Forum.
Hirschhorn, Sara Yael ( 2017). City on the Hilltop: Jewish American Settlers in the Occupied Territories. Harvard University Press.
Miller, Aaron David , and Kurtzer , David ( 29/ 11/ 2022). “ Biden Should Respond Boldly to a Radical Netanyahu Government”. Washington Post.
Pipes, Daniel ( January , 2017). “ The Way to Peace, Israel Victory , Palestinian Defeat”. www.meforum.org
Rapoport, Meron and Fakhoury, Ameer.(9/ 12/ 2022). “ Why the Second Nakba Government Wants to Remake the Israeli State?”. www.+972mag.com
Shafir, Gershon ( 1989). Land , Labour and the Origins of the Israeli Palestinian Conflict: 1882- 1914. Cambridge University Press.
Shiblak, Abbas ( 2005). Iraqi Jews: A History of Mass Exodus. Saqi Books.

