• 5 آب 2024
  • مقابلة خاصة

 

 

 

 

بقلم :  ارشـد  هورمزلو *

 

لنفكر معا، أليس التعبير عن أفكار مختلفة حجر الأساس في تكوين بنية جادة يتيح للمجتمع الوصول إلى الحقيقة بأقل الخسائر؟

تكمن المشكلة في أن بعض الناس يعتقدون أن نتاج فكرهم هو الأصح دائما دون الالتفات إلى الاتجاه النقدي في عملية التفكير، بل يضعون سدا منيعا أمام ادمغتهم لكيلا يتسرب إليها أي شيء مما يتناقض مع مفاهيمهم. وبطبيعة الحال فإن هذا الاتجاه سيخلق حاجزا منيعا أمام تطور المجتمع بالشكل الصحيح.

ولنرى معا ما يعنيه الاتجاه النقدي الإيجابي في التفكير وهو الأمر الذي يتيح للمرء أن يتوصل للحقيقة التي ربما لم تكن ماثلة في ذهنه، بل يخلق له جوا إيجابيا للمقارنة بين ما يعتقده وتلك الأفكار التي تناقض مفهومه الخاص. وبطبيعة الحال فإن من يتجهون إلى هذا الاتجاه يتوصلون إلى الحقيقة بأقرب الوسائل وأقلها خسارة.

إن محاولة تصديق الفرد لنفسه دائما دون الآخرين تنبع من محاولة الدفاع عن معتقداته وأفكاره بصورة دائمة، وبما أن من يتبع هذا الأسلوب لا يعتقد بوجود ّ صحيح آخر ّ فإنه يغلق رتاج الفكر معتقدا أن ما يؤمن به هو الصحيح المطلق.

إن ما يتيح للمرء أن يكون متفتح الفكر وأن يزن المفاهيم بالشكل الأمثل هو قبول هذا الاتجاه النفسي، وأهم عناصر هذا الاتجاه هو الاستماع أولا ثم معرفة كنه ما يقوله الآخرون.

إن المقاربة النقدية تنتج من هذين الأمرين، وأساس التوصل إلى أرضية مشتركة يكمن في احترام الرأي الآخر ومحاولة فهم الآخر أيضا. فالتعاطف مع الآراء الأخرى يؤدي إلى الالتقاء في أرضية مشتركة بشكل كبير.

وفي هذا الأمر فإن للمجتمع دور كبير في الحث على التفكير وبمسلّمات النضوج الفكري والنقدي وعليه إيجاد الوسائل اللازمة لإقناع الجمهور بضرورة الاتجاه إلى هذا المنحى. ولعل أول من يجب عليهم الاقتناع ثم الاقناع هم من نسميهم بقادة الفكر والساسة وأصحاب القرار. 

وبطبيعة الحال فإنه مما لا شك فيه أن تعميم هذا الاتجاه سيؤدي إلى قدر عال من الاتفاق حول المسائل الرئيسية وهذا ما ينتج عنه مجتمع متصالح مع نفسه ومع الآخرين.

من هنا نصل إلى افتراض أن أقلية من المجتمع تؤمن بهذا الاتجاه وطريقة التفكير، وأن هذا الأمر يشكّل مرضا اجتماعيا يجب التعامل معه بحكمة، ونظرا لعدم وجود مدارس تقوم بالتدريس والتوجيه بهذا الاتجاه ولعدم تناول أغلب الكتب لهذا الموروث الاجتماعي، فإن الواجب هو الحث على تأسيس تيار ثالث يؤمن ويبشّر بهذا الاتجاه بدءا مع أنفسهم وتشكيلهم قدوة فاعلة يحتذى بها لتوسيع هذه الموجات الاجتماعية المؤثرة.

هناك مثل عثماني شهير يتداوله الناس مفاده أن بارقة الحقيقة تنتج من تصادم الأفكار. ومن هذا المنطلق يقول المفكر التركي الكبير أرول جونجور أن المثقف الذي يفقد الاتجاه النقدي لا يسعه إلا أن يجلّل النفوس بالسواد.

*رئيس المنتدى الدولي للحوار التركي العربي