• 23 آب 2024
  • مقابلة خاصة

 

 القدس - أخبار البلد - كتب خليل العسلي : 

 اثناء تصفحي بعض الوثائق التي تركها لي المرحوم الاستاذ "ناصر الدين النشاشيبي" الصحفي المقدسي الأبرز وجدت كتابا قديما للكاتب والمؤرخ "برنارد لويس " موقعا باسمه للاستاذ النشاشيبي شخصيا ، هذا المؤرخ الذي اعترف انني كنت اجهل من هو قبل أن ألتقيه شخصيا  بمعية الاستاذ "ناصر الدين" على هامش  محاضرة ألقاها  المؤرخ "برنارد لويس" في جمعية الشبان المسيحية في  القدس الغربية في نهاية القرن الماضي ، وكانت تربطه علاقة وثيقة مع الأستاذ الذي  أطلعني على تسجيل محادثات بينه بين لويس .

هذه كانت المرة الاولى التي التقى بها هذه الشخصية المثيرة للجدل والاهتمام والتي خصص لها الصديق الصحفي الهمام الكاتب "محمد تركي الربيعو" مقالة واسعة وشاملة نشرت في "القدس العربي".

 ويسعدنا في " أخبار البلد"  ان نعيد نشرها بالكامل لأنها تتحدث عن شخصية ساهمت كتاباتها بشكل كبير في تغيير صورة الشرق الذي نعيش به والذي لم يعد قائما فعليا. 

مغارة برنارد لويس خيول وأوراق مخابرات و طعام شرق أوسطي

 قيل وكتب الكثير عن المؤرخ البريطاني برنارد لويس(1916_2018) وما كتبه حول العرب والاسلام والشرق الأوسط في العقود الماضية. ولعل أشهر هذه الملاحظات والانتقادات ما ذكره بحقه ادوار سعيد، عندما وصف كتابات لويس بالعنصرية والإمبريالية والجهل. 

وبالرغم من وجاهة بعض هذه الآراء في بعض الزوايا، فإنّ ما يُحسب على هذه الآراء بالمقابل أنها بقيت تحاكم كل إنتاج لويس من منظور الخلافات السياسية، كما أنها لم تتح لنا فرصة الاقتراب أكثر والتعرّف على تجربته، وبالأخص في الشرق الأوسط. والطريف أنه في عام 2004، كان لويس قد نشر كتابا عن اكسفورد (وتُرجِم لاحقا للعربية) بعنوان (من بابل إلى التراجمة: تفسير الشرق الأوسط)، وذكر في هذا الكتاب الواسع تفاصيل من حياته وجولاته الميدانية في القاهرة واسطنبول .

 ومن خلال هذا الكتاب تبيّن أن الرجل كان يمتلك معرفة جيدة بالشرق الأوسط، عكس ما يقال عنه، كما بدت اهتماماته متعددة. 

كما بدا في جولاته حريصا على التقاط صور من الحياة اليومية، وهذا ما نراه مثلا من خلال رصده لحياة الكتب والمنشورات في القاهرة الستينات، وأيضا شغفه بالبحث في مصادر جديدة في تاريخ المنطقة، الأمر الذي تحقق بشكل كبير في دخوله كما يقول لمغارة الأرشيف العثماني. 

بعد هذه الكتاب بسنوات، صدر للويس كتاب آخر عن سيرته البحثية في المنطقة، والتي روى فيها تفاصيل أكثر عن بداياته الأولى في الشرق الأوسط، وعن عمله في جهاز الاستخبارات البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية، ودخوله للأرشيف العثماني، وزياراته إلى فلسطين وسوريا (قرى الاسماعيليين) وطهران، وعشرات التفاصيل الأخرى. وفي هذه السيرة، والتي ترجمت مؤخرا للعربية بعنوان (هوامش على قرن مضى: خواطر مؤرخ مهتم بالشرق الأوسط)، ترجمة عبد الله الاسمري، دار الرافدين، تتعمق معرفتنا أكثر بإنتاج لويس وادواته.  وأيضا نكتشف من خلاله تفاصيل عديدة عن المنطقة، وما عرفته من تحولات كبيرة من الخمسينيات.

.من أصول الإسماعيليين إلى الحرب

 انضم لويس في الثلاثينيات إلى جامعة لندن لدراسة الشرق الأوسط، والعالم العربي بالأخص. في تلك الفترة، كان أستاذه السير "هاملتون جيب" مؤلف كتاب "الاتجاهات الحديثة في الإسلام".

 وقد ولد جيب في مدينة الإسكندرية بمصر، حيث عمل والده في شركة لاستصلاح الأراضي. وفي أحد الأيام اقترح جيب على لويس زيارة الشرق الأوسط، وهذا ما حدث في عام 1937/1938.

 ويبدو في هذه الزيارة، أنّ لويس زار مناطق عديدة في المنطقة، ومن بينها قرى اسماعيلية في سورية، وهذا يعود إلى كونه كان يعد أطروحة حول (أصول الإسماعيلية). لكن لن يستطيع لويس وقسم كبير من الطلاب البريطانيين اكمال دراستهم في السنة اللاحقة، مع اندلاع الحرب العالمية الثانية. 

وبحكم معرفة لويس بلغات المنطقة (العربية وبعض الإلمام بالتركية)، فقد التحق بالعمل في وزارة الخارجية البريطانية. وفي هذه الفترة، لا يبدو لويس متحرجا من عمله في الوزارة، ولاحقا جهاز المخابرات، وإنما يبرر ذلك بكون ما دفعه لذلك هي ظروف الحرب، والتي أجبرت كل البريطانيين والأوروبيين على الالتحاق بجبهات القتال. دهش لويس عندما جرى تعيينه كخبير في الشأن التركي، وهو لم يكن قد زار تركيا سوى لمدة أسبوعين ونصف. 

في هذه الأثناء، بدت تركيا كما يذكر تفضل الحياد على الانضمام لطرف على طرف آخر في الحرب.

 خيول لورنس

 لكن الغريب هنا، أنّ منصب لويس في الخارجية لم يرق له كثيرا. ولذلك يذكر أنه بعث رسالة إلى مكتب شؤون الحرب لعرض خدماته، وبالفعل تم تعيينه في المكتب. ومن القصص الطريفة التي حدثت معه بعد عدة أيام، هو قرار المكتب إرساله إلى وحدة تدريب كادر الضباط في سلاح الفرسان. وهو قرار بدا للويس غريبا في حديثه مع أحد الضباط يقول لويس قلت له: 

"لكننا في عام 1939. من يستخدم سلاح الفرسان هذه الأيام"،

 نظر إلي وقال:

 "هل سمعت عن لورانس العرب من قبل؟"،

 قلت "بالطبع".

 "حسنا هل كان سيتمكن من تحقيق ما فعله لو لم يكن قادرا على ركوب الخيل؟".

 لكن لويس سيصاب لاحقا بخيبة أمل بعد أن ألغي طلب إرساله. وفي وقت لاحق من عام 1940 نُقِل إلى فيلق المخابرات وذلك بسبب معرفته باللغات. وهنا يبدو أنّ التحاق لويس بهذا الجهاز جاء بحكم الصدفة، وأيضا بسبب فشله في قطعات عسكرية أخرى. ويبدو أنّ معرفته قد شفعت له في الأخير، وأتاحت له موقعا يتلاءم مع شغفه بالقراءة ومتابعة التفاصيل.

 أصبح لويس يعمل على تفكيك وقراءة رسائل عربية مخابراتية، وهنا بدا كما يذكر يراقب مراسلات السفارة السعودية مثلا في فرنسا و مكالماتها الهاتفية.

 كان السفير السعودي آنذاك هو فؤاد حمزة، والذي كان يبعث بتقارير إلى وزارة الخارجية السعودية، ولذلك كانوا يتفاجؤون بمعرفة البريطانيين بدقائق الأمور. كما يذكر في هذا السياق أنّ الملك فاروق (مصر) لطالما طلب (بوصفه حليفا) بتزويده بمعرفة خططهم العسكرية، ولأنهم لم يثقوا به كان يزودونه بخطط مفبركة. 

الاقتراب من تركيا

 بحلول أواخر عام 1944 أصبح من الواضح أنّ المانيا في طريقها لخسارة الحرب، وهنا عدّل الأتراك عن الحياد وأعلنوا الحرب على دول المحور. لكنهم مع ذلك بدوا للويس غير جاهزين، فالمخابرات التركية لم تواكب التطورات التكنولوجية الحديثة، وبالتالي كان سهلة الاختراق.

 ولذلك كان لزاماً على البريطانيين إرسال شخص ما للعمل كمسؤول اتصالات ليطور من مهاراتهم، وقد وقع الاختيار على لويس للقيام بذلك، لكن رؤسائه غيروا رأيهم لاحقا وأرسلوا شخصا آخر. هذه الحادثة، وبالرغم من أنها أثارت خيبة أمل لدى لويس، لكنها جاءت بمثابة إنقاذ له. فلو أنه ذهب للاتراك بصفة مسؤول في الاستخبارات، لما تمكن لاحقا من اكمال أبحاثه في الأرشيف العثماني، ولبقي بعيون الأتراك جاسوسا.

 وقف الحرب في اسطنبول

 بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، عاد لويس لعمله في الجامعة. ولأنّ بلدان المشرق العربي كانت قد حصلت على استقلالها، وأيضا بدت نخبها تبدي حساسية أكبر تجاه الدولة الاستعمارية وكتابها.

 ولذلك يذكر لويس أنّ كثير من المؤرخين فضلوا في هذه الفترة اكمال أبحاثهم في تركيا وإيران، وربما هذا ما يفسر الزيادة الكبير في عدد الدراسات التي نشرت عن تركيا وإيران في الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم. 

قام لويس بزيارة اسطنبول 1949_1950، وأبدى رغبته بدراسة المخطوطة العربية والإسلامية في المكتبات التركية، لذلك تقدم بطلب للدخول إلى أرشيف الامبراطورية العثمانية، وكان من حظه أنّ أمناء الأرشيف قد اعتمدوا سياسة أكثر انفتاحا، وذلك بالسماح للعلماء غير الأتراك بالاطلاع على مواد الأرشيف.

 بدأ بعد دخوله للأرشيف كما يذكر كطفل في متجر لبيع الألعاب أو كمغامر وجد نفسه في مغارة علي بابا. في تلك الأثناء، كان الأرشيف العثماني كما يذكر لويس غير منظّم، كما أنّ المختصين في الأرشفة لم يكونوا قد طورا نظاما فعالا لحفظ وتصنيف الوثائق والرسائل المودعة.

 أنف لويس ومطبخ السلطان

 فتح الأرشيف العثماني للويس أبوابا جديدة في التأريخ، وكشف له عن فرص غير مسبوقة لدراسة تاريخ الطعام. إذ يضم الأرشيف كما يذكر اشارات في السجلات التفصيلية للضرائب الخاصة بالزراعة، سواء في القرى أو في أنحاء متفرقة من الامبراطورية.

 من جهة أخرى أظهرت الوثائق الأرشيفية الخاصة بالقصر امبراطورية الأطعمة في اسطنبول التي يتم طهيها واستهلاكها وكمياتها، وأحيانا ترد الإشارة من أي منطقة جرى استيرادها. 

بعد هذه الزيارة بعشرة سنوات تقريبا، انتهى لويس من كتابة مؤلف عن "نشوء تركيا الحديثة"، والذي حاول فيه دراسة سياسات أتاتورك بعيد العشرينيات وموقفه الصلب من الدين.

 وبعد ذلك بعقدين وأكثر (1988) ترجم الكتاب للفرنسية، لكن أكثر ما لفت نظره يومها أنّ الناشرين الفرنسيين عدلوا العنوان وأعطوا الكتاب عنوانا جديدا "الإسلام والعلمانية: ولادة تركيا الحديثة" وعندما سأل الدار عن السبب، أجابوا: الكتاب الذي يحمل اسم الاسلام يباع بكثرة من  الكتاب الذي يحمل اسم تركيا فقط.

 وفي السيرة قصص وقصص كثيرة عن رحلات لويس ومشاهداته ولقاءاته في الشرق الأوسط، ولذلك قد يشعر القارىء أحيانا وكأنه أمام مغامرة من مغامرات علي بابا، والتي تضمّ أشياء غريبة وعجيبة من يوميات الشرق الأوسط المعاصر.