- 24 تشرين أول 2024
- مقابلة خاصة
القدس - أخبار البلد - كتب المحرر الثقافي
تنشر جريدة " أخبار البلد" المقدسية الجزء الثاني عشر من دفتر يوميات الروائي والأديب والكاتب والناقد المقدسي " محمود شقير" صاحب البصمة الواضحة في الأدب عامة وفن القصة القصيرة جدا والذي يعد من رواها في العالم ، تلك اليوميات التي تدخل القارئ إلى جو من اجواء القدس الجميلة بحلوها ومرها فهي بمثابة شهادة على فترة عشناها وعاشتها فلسطين بشكل عام .
الروائي الكبير خص قراء " أخبار البلد" بهذا الجزء من اليوميات الممتعة التي تحمل الكثير من الوقائع والأحداث الثقافية وغير الثقافية في المدينة التي كتب عنها الأستاذ شقير بطريقته المميزة، فكانت المدينة التي عاش واحب وعاد لها، ويقضي أيامه في أحضانها كاتبا وناقدا حاضرا اجتماعيا وثقافيا، لا يفكر بمغادرتها ولو لفترة قصيرة فهو لا يطيق البعد عن معشوقته القدس بعد أن اجتمع بها.
***
12 الجمعة 13 / 12 / 1996 ذهبت مع الحفيد محمود إلى مركز لتدريب الأطفال على النطق في بيت حنينا. كان المسؤول هناك قد شكا من مشاغبات محمود وعدم انصياعه له، فاقترح أن أحضر أنا وأمه معه، لعله يستجيب للدرس.
ذهبت معه، وكان الطقس ماطراً، وكانت استجابة محمود بحضوري جزئية، فقد حاول أن ينطق بعض الكلمات، ثم أخذ يشتم المدرب قائلاً له:
نون! (يقصد: مجنون). أحب هذا الطفل، وأفرح لمشاغباته، وأنتظر اليوم الذي أراه فيه وهو يتكلم بسهولة. إنه ذكي لكنه لا يجيد النطق حتى الآن مع أنه تجاوز الرابعة من عمره. الساعة الآن تقترب من الواحدة والنصف ليلاً.
في الخارج ينهمر مطر خفيف، يجعل لليل رونقاً وعذوبة. أستمع إلى صوت المزراب، وهو يثير في النفس مشاعر الحنين إلى لحظات من الصفاء والسلام مع النفس. قبل ساعة قرأت حول القدس في الموسوعة الفلسطينية تمهيداً للبدء في كتابة نص طويل لمجلة الكرمل.
***
الثلاثاء 17 / 12 / 1996 زارني في مكتبي الأخ محمد مطالسة من معهد العالم العربي في باريس، لمتابعة التحضيرات للربيع الفلسطيني، وكنت تلقيت دعوة من مليكة (جزائرية الاصل) مسؤولة القسم الثقافي في القنصلية الفرنسية بالقدس، لحضور حفل استقبال في بيتها لكل المعنيين بالتحضير للربيع الفلسطيني في باريس، يوم الخميس القادم، الساعة السادسة مساء.
هاتفت محمود درويش (كان مداوماً في مكتبه في مركز خليل السكاكيني) ودعوته لتناول طعام الغداء في مطعم شقيرة.
دعوت على الغداء كذلك: سليمان النجاب وأكرم هنية. أمضينا وقتاً ممتعاً في هذا المطعم البسيط الكائن في مبنى قديم من مباني رام الله. تحدثنا في موضوعات شتى تراوحت بين السياسة والأدب وبعض همومنا الوطنية الناتجة عن الاحتلال. التقيت محمود درويش أول مرة العام 1975 في بيروت، حينما وصلتها مبعداً من سجن كفار يونا (بيت ليد)، وكان محمود آنذاك يشغل موقعاً مسؤولاً في مركز الأبحاث الفلسطيني وفي مجلة شؤون فلسطينية.
***
الخميس 19/ 12 / 1996 ذهبت في المساء إلى حي الشيخ جراح، حيث تسكن مليكة الجزائرية. كانت قد وجهت الدعوة لعدد من الفلسطينيين والفرنسيين لحضور حفل استقبال في بيتها. وجدت هناك محمد مطالسة المغربي القادم من باريس، وكذلك ميشكات التونسية المقيمة في باريس (وهما مكلفان بمتابعة أنشطة الربيع الفلسطيني الذي سيقام في باريس العام 1997 ) وجاءت المغنية كاميليا جبران من فرقة صابرين، وجورج ابراهيم من مسرح القصبة، و سهيل خوري من المعهد الوطني للموسيقى، وسليم تماري من جامعة بير زيت، وجاك برزخيان من وزارة الثقافة. ومن الفرنسيين لم أعرف سوى لوران مدير المراكز الثقافية، وماريان فيس المقيمة في رام الله منذ سنوات.
مليكة تسكن في بيت قديم من بيوت القدس، حيث السقف العالي والشبابيك ذات الاستطالة المريحة، والردهات الواسعة والبرندات الخارجية الفسيحة. تبادلنا الأحاديث طوال ساعتين ثم عدت إلى البيت، وسهرت حتى الواحدة والنصف أمام التلفاز. شاهدت برامج متفرقة غير مهمة.
***
الجمعة 20 / 12 / 1996 الساعة الآن تقترب من الثانية عشرة ليلاً. قبل ثلاث ساعات عدت أنا وأم خالد وأمينة من رام الله. أثناء ذلك، ذهبت وحدي إلى مسرح عشتار تلبية لدعوة من المركز الثقافي الفرنسي في رام الله لحضور مسرحية أنتيجون (باللغتين العربية والفرنسية). لم يعجبني العرض. قبل ذلك، ذهبنا إلى إحدى قاعات الأفراح في بير نبالا لحضور حفل خطوبة لأحد الشباب. بقينا هناك حوالي خمس وأربعين دقيقة. لم أقرأ شيئاً طوال هذا اليوم. كان يوماً عادياً، وكان لا بد من وقت للراحة.
***
السبت 28 / 12 / 1996 الساعة الآن الثانية عشرة ليلاً. تهب في الخارج رياح شديدة. منذ أسابيع لم يهطل المطر. أشعر بتعب في رجلي اليمنى، بسبب كثرة الجلوس على الكرسي يوم أمس، فقد كتبت سبعاً وعشرين صفحة في النص النثري عن القدس. يوم الثلاثاء الماضي، جاء صالح وزوجته (أختي فاطمة) وأمه، وقد أحضر معه في سيارته كل كتبي التي بقيت في بيت أختي حليمة في مدينة الزرقاء.
وعلى الجسر، أجبره الإسرائيليون على دفع مبلغ 1025 شاقلاً بدل جمرك على الكتب، فدفعها ودفعتها له. هذا المساء، شاهدت معرض الفنانين الشباب الذي أقامته وزارة الثقافة تحت رعايتها، في قاعة محمد صيام لخريجي كلية الفنون الجميلة في جامعة النجاح بنابلس.
كان المستوى متوسطاً. بعد ذلك، اتجهت إلى القدس لحضور أمسية فنية ينظمها مسرح سنابل (أحمد أبو سلعوم وحسام أبو عيشة). اشتملت الأمسية على مشهد مسرحي: "عند المحسوم" تمثيل عدنان أبو سنينة ومحمود أبو الشيخ، وفقرات فنية وأدبية أخرى.
***
الاثنين 30 / 12 / 1996 الساعة الآن الواحدة ليلاً. أشعر بأنني مشتت الذهن، حزين. عدت إلى البيت حوالي الساعة العاشرة ليلاً. شاهدت على مسرح القصبة في القدس، مسرحية "رمزي أبو المجد" من إعداد جورج ابراهيم، وتمثيل أحمد أبو سلعوم وحسام أبو عيشة، وغناء جميل السايح، وإخراج محمد بكري. كنت شاهدت هذه المسرحية قبل عام في أول عرض افتتاحي لها، وقد أعجبت بها آنذاك، هذه المرة لم يزدد إعجابي بالمسرحية، بل أصبح أقل من السابق، ربما لأن إيقاع الممثلين هذه الليلة كان فاتراً بسبب قلة الجمهور.
هذا الصباح، ذهبت أنا وأم خالد وأمينة لزيارة باسمة في مستشفى المقاصد. باسمة رزقت ليلة أمس بطفل هو حفيدي السادس. حسام وباسمة أطلقا على طفلهما اسم: شريف. تركت أم خالد وأمينة عند باسمة، وذهبت إلى الوزارة. في الساعة الثانية عشرة والنصف، ذهبت أنا ويحيى يخلف وكيل الوزارة، لزيارة بشير البرغوثي، وزير الصناعة. أمضينا عنده بعض الوقت. تحدثنا في أمور شتى، ثم غادرنا إلى مركز خليل السكاكيني لزيارة محمود درويش.
بقينا في مكتب محمود بعض الوقت نتبادل الحديث حول بعض همومنا الثقافية وحول مجلة الكرمل التي بات عددها الجديد على وشك الصدور. هذا المساء وقبل أن أذهب لمشاهدة المسرحية، كنت في بيت الوالد لوداع أختي فاطمة وزوجها. جاءت أمينة لكي تناديني لأن أحد الجيران جاء يسأل عني.
وقعت أمينة على الأرض ولم تستطع النهوض، خرجت فوجدتها مطروحة على الأرض. ساعدناها على النهوض، وتألمتُ كثيراً لهذا المشهد. أمينة يضعف جسمها يوماً بعد آخر.
***
الثلاثاء 31 / 12 / 1996 ذهبت إلى المتحف الفلسطيني (متحف روكفلر) في القدس. هذه هي الزيارة الثانية لي للمتحف. كانت الزيارة الأولى قبل أربعين سنة! ثمة معروضات أثرية تتراوح بين الأواني الفخارية والتوابيت والنقود والحلي الذهبية والمعدنية والقناديل، والأدوات المختلفة (ومنها أدوات الحرب) والمنحوتات والتماثيل. عجبت كيف استطاع الخليفة هشام بن عبد الملك أن يقتني في قصره بأريحا (حيث توجد بعض أجزاء منه في المتحف) تماثيل لنساء شبه عاريات وغيرها من التماثيل التي تتعارض مع الإسلام. طابع التماثيل يوحي بأن أصلها هندي أو فارسي. لعل ذلك كان بتأثير النحاتين الذين ريما كانوا ينتمون لهذه الجنسيات. لاحظت أن ثمة تفنناً من بعض صانعي الأواني، حيث تجد إناء للشرب أو لحفظ السوائل، لكنه مصمم على شكل حيوان! ذهبت إلى كنيسة الجتسمانية (معناها تقطير الزيت).
هذه هي زيارتي الأولى للكنيسة مع أنني كنت أمر من أمامها لسنوات طويلة! توقفت عند صخرة الصعود التي ما زالت بارزة في أرضية الكنيسة، وكذلك عند زجاج الكنيسة البنفسجي الذي يوحي بالخشوع. وثمة رسوم على صدر الكنيسة لا تختلف عن الرسوم الدينية التي شاهدتها في العشرات من الكنائس في مدن العالم المختلفة خلال السنوات العشرين الماضية، أثناء وجودي في المنفى.
الساعة الآن هي الثالثة إلا الربع بعد منتصف الليل. أمضيت خمس ساعات وأنا أقرأ في كتاب مصطفى مراد الدباغ عن بيت المقدس. استمتعت ببعض المعلومات عن القدس وأبنيتها ومساجدها وكنائسها.
يتبع...13

