• 9 تشرين الثاني 2024
  • مقابلة خاصة

 

 القدس - أخبار البلد - كتب المحرر الثقافي 

 تنشر جريدة " أخبار البلد" المقدسية الجزء الثالث عشر من دفتر يوميات الروائي والأديب والكاتب والناقد  المقدسي " محمود شقير" صاحب البصمة الواضحة في  الأدب عامة وفن القصة القصيرة جدا والذي يعد من رواها في العالم ، تلك اليوميات التي تدخل القارئ إلى  جو من اجواء القدس الجميلة بحلوها ومرها فهي بمثابة شهادة على فترة عشناها وعاشتها فلسطين بشكل عام  .

  الروائي الكبير خص قراء  " أخبار البلد" بهذا الجزء من اليوميات  الممتعة  التي تحمل الكثير من الوقائع والأحداث الثقافية وغير الثقافية في المدينة التي  كتب عنها الأستاذ  شقير بطريقته المميزة،  فكانت المدينة التي عاش واحب وعاد لها، ويقضي أيامه في أحضانها كاتبا وناقدا حاضرا اجتماعيا وثقافيا، لا يفكر بمغادرتها ولو لفترة قصيرة فهو لا يطيق البعد عن معشوقته القدس بعد أن اجتمع بها.

***

 الأربعاء 1 / 1 / 1997 عام جديد يبدأ. بعد سبعة أيام يكون قد مضى عامان على عملي مديراً عاماً في وزارة الثقافة. وبعد شهرين أدخل عامي السادس والخمسين. في مثل هذا اليوم من العام 1990 كنت أعيش في براغ للعام الثالث على التوالي. كانت ثورة المخمل قد نجحت في تشيكوسلوفاكيا، وأصبح فاتسلاف هافيل رئيساً للبلاد، بعد اندحار الحزب الشيوعي هناك. 

كانت أحوالنا نحن العاملين في مجلة قضايا السلم والاشتراكية ليست على ما يرام بعد هذه التطورات. كنا ننتظر بقلق ما سوف تأتي به الأيام. كنت أقضي عدة ساعات كل يوم وأنا جالس في مكتبي في مقر المجلة، أو في المطعم الخاص بالمجلة أو في المقهى المجاور لمبنى المجلة ومعي عدد من الزملاء. كنا نتأمل هذه الأوضاع الجديدة التي داهمتنا، وكنا نناقش أوضاع الاتحاد السوفياتي في ظل البيروسترويكا وما جرى في بلدان أوروبا الشرقية من انقلابات. 

هذا الصباح، ذهبت إلى زيتوننا في "السوط". أمضيت النهار في تقليمه. عدت إلى البيت. اغتسلت، ورحت أقرأ في مذكرات محمود القاضي، وفيما أنا أتابع وصفه لفترة إقامته في ألمانيا، تذكرت الرحلات التي قمت بها إلى تلك البلاد الجميلة. كانت أياماً لا تنسى. 

***

الأربعاء 15 / 1 / 1997 ذهبت إلى العمل بعد انقطاع دام أربعة أيام. كنت في إجازة من أجل كتابة نص عن القدس، سوف ينشر في العدد الثاني من مجلة الكرمل. أبدى زكريا محمد رغبته في التخلي عن رئاسة تحرير مجلة "دفاتر ثقافية" للمرة الثالثة.

 كنت رفضت طلبه في المرتين السابقتين، غير أنني وافقت هذه المرة لأنه سيكون سكرتير تحرير الكرمل. قبل يومين، ذهبت إلى رام الله في المساء، لحضور حفل الاستقبال الذي أقامه محمود درويش في مركز خليل السكاكيني، بمناسبة صدور العدد الأول من الكرمل (الأول في الوطن). وجدت هناك عدداً غير قليل من المثقفين والسياسيين.

 كان محمود متألقاً كعادته، وبدا أنه مسرور لإعادة إصدار الكرمل هنا، وكنا نشاركه السرور نفسه لما في ذلك من دلالات ثقافية ومعنوية. مساء أمس ذهبت أنا وأم خالد وأمينة وخالد وعصام وراوية وهيفاء إلى بيت أمين لتناول طعام العشاء.

 أمضينا هناك ساعتين أو أكثر. تحدثنا في شؤون عائلية وفي شؤون أخرى عامة. هذه الليلة، واصلت الكتابة عن القدس. ثم أعدت قراءة الرسالة التي أرسلها لي شفيع ومحمد من سجن شطة الإسرائيلي، وفيها تعبير عن أجمل المشاعر تجاهي بمناسبة العام الجديد.

 كنت قبل أكثر من عامين قد ذهبت لزيارتهم (كانوا يومها ثلاثة، وهم مسجونون بحكم جائر من سلطات الاحتلال، ثم أفرج عن رمزي بعد ذلك)، لكن إدارة السجن لم تسمح لي بالزيارة لأنني كنت معتقلاً سابقاً! وهذا ممنوع في قوانينهم! يهطل المطر في الخارج بعد انقطاع، وأنا مرتاح لهطول المطر. 

***

الأحد 19 / 1 / 1997 عقدنا اجتماعاً في مكتب الوزير للجنة التحضيرية للمؤتمر الثقافي الدولي، واتفقنا على بعض الإجراءات والأفكار. ثم عقدنا اجتماعاً آخر في مكتب الوزير لهيئة تحرير "دفاتر ثقافية"، حيث قبل الوزير استقالة زكريا محمد من رئاسة التحرير، وأسندها إلي بحيث أصبح مشرفاً عاماً ورئيس تحرير المجلة، وهذا سيضع على عاتقي أعباء جديدة. 

بقيت في مكتبي بعد الدوام.كتبت ردوداً على الرسائل التي وصلتني بمناسبة العام الجديد (تأخرت جداً في إرسال الردود، وهذا أمر مؤسف). حاولت ترتيب الأوراق المكدسة في جوارير المكتب، فلم أفلح كثيراً، وهذا أمر مزعج. 

دعيت لتناول طعام الفطور بمناسبة شهر رمضان، مع موظفي الوزارة في مطعم الأصيل، فاعتذرت عن عدم تلبية الدعوة. واعتذرت عن عدم حضور حفل استقبال في بيت مليكة بيراك في القدس. واعتذرت عن عدم حضور الأمسية الرمضانية في المسرح الوطني بالقدس. (كم أكره المناسبات الاجتماعية!) في مثل هذا المساء من العام الماضي، قضيت آخر ليلة من الحملة الانتخابية للمجلس التشريعي في قرية السواحرة الشرقية.

 عقد اجتماع انتخابي في النادي حضرته أنا وعدد من المرشحين، وكان هناك جمهور غير قليل من أهل القرية. ألقينا مداخلات سياسية ثم تفرقنا. 

كنت أشعر براحة داخلية لأن الوقت قد حان للخلاص من هذا العبء الذي حملني إياه الحزب وبعض الأصدقاء حينما ضغطوا علي للترشح للمجلس التشريعي.  سأقرأ الآن في كتاب "سيرة مدينة" لعبد الرحمن منيف.

***

 الثلاثاء 21 / 1 / 1997 كنت اليوم في إجازة. عدت إلى قراءة النص الذي كتبت فيه مائتي صفحة بخط يدي حتى الآن، وقد حذفت منه أشياء وأضفت أشياء أخرى. النص عن القدس وعن علاقتي بها. في مثل هذا اليوم من العام الماضي، كانت نتائج انتخابات المجلس التشريعي قد بدأت في الظهور، ولم أكن من الفائزين.

 بقيت في البيت طوال اليوم، وكنت عدت من مقر الطليعة في ساعات الفجر الأولى. نمت عدة ساعات، ثم استيقظت متنغصاً من هذه التجربة التي دُفعت إليها دفعاً، ولن أعود إلى تكرارها. 

الساعة الآن تتجاوز الثانية عشرة والنصف ليلاً. الطقس بارد والهدوء مخيم في الخارج. بعد قليل سأقرأ بعض التقارير عن الانتهاكات الإسرائيلية في القدس. مزاجي ليس جيداً، لكنني سأواصل القراءة حتى الثانية بعد منتصف الليل. 

يتبع...14