• 15 شباط 2025
  • مقابلة خاصة

 

 القدس - أخبار البلد - خص الاستاذ الدكتور زيدان كفافي عالم الاثار المعروف والرئيس السابق لجامعة اليرموك جريدة " آخبار البلد" المقدسية بنشر بحث  اكاديمي لم ينشر من قبل . 

يسعدنا ان نحظى بهذه الثقة من قبل الدكتور الصديق زيدان كفافي  واليكم البحث :

كنت قد نشرت في عام 2019 ميلادي وبمجلة "أدوماتو"  العدد رقم "39" بحثاً عنوانه : "فلسطين في العصر الحديدي الأول (1200 -1000 ق.م)" (كفافي 2019: 7- 28)، ناقشت فيه قضية خروج بني اسرائيل من مصر  ودخولهم وانتشار الديانة الموسوية في المنطقة. وتعرضت في هذا البحث لمجموعة من النظريات التي ناقشت دخول واستقرار هؤلاء القوم في فلسطين، ومحاولات الباحثين اللاهوتيين  اثبات صحة الرواية التوراتية. وبقي الأمر يشغلني فقمت بكتابة خاطرة عنوانها :"من أين جاء الاسرائيليون الأوائل إلى فلسطين؟"، ووزعتها على مجموعة من الأصدقاء. 

أخذني فكري إلى مدى أبعد من هذا، بل سحبتني قصة الخروج إلى أن أخرج من باب لأدخل في بيت آخر، وهو، نعرف أن موسى هو نبي الله، لكن ما علاقته بالأمكنة التي تواجد فيها، سواء بمصر أو في ضيافة الكاهن "شعيب" في "مدين"؟ وكيف أصبح صاحباً وداعياً لديانة موحدة؟ وحتى أجيب على هذه التساؤلات وجدت أنه من الضرورة بمكان  أن نبحث في الحيز الجغرافي لتحركات هذا النبي، وعلاقته مع من سكن معهم وساكنهم فيه/فيها، لكن قبلها لا بد من إعطاء لمحة تاريخية حول الفترة التي يظن الباحثون أن الديانة اليهودية ظهرت بها، واعتنقها أناس كانوا أصحاب آلهة متعددة. كما وجدت أنه من الضروري أن نعتمد المكتشفات الأثرية إضافة للكتابات والنقوش أساساً لقولنا، خاصة تلك التي نشرها الزملاء الباحثون السعوديون.

الحيز الجغرافي:

أضع أمامي خارطة الشرق الأوسط (تسمية أطلقها الأوروبيون على منطقة شرقي حوض البحر المتوسط) لأجد أنها تختلف كلياً عن الخارطة السياسية في العصور  القديمة  (حوالي 3500 –1000 قبل الميلاد)، أي منذ نشوء الدولة في العالم القديم وحتى ما يظن بقيام دولة موحدة للاسرائيليين على جزء من الأرض الواقعة للغرب من نهر الأردن.  خارطة اليوم رسمها سايكس-بيكو ، أما خارطة العصور القديمة فقد رسمتها شعوب المنطقة التي عاشت فيها وكانت متصلة جغرافياً، لا تفصل بين أقطارها حدود مرسومة ولا توجد فيها مراكز لختم جوازات السفر.  نعم كانت تتصارع وتتصالح مع بعضها بعضاً وعلى الدوام، لكنها كانت تحل خلافتها ، في أغلب الأحوال، دون تدخلات خارجية. 

لا ننكر في هذا الصدد أن بلاد سوريا الطبيعية كانت دائماً هي مسرح الأحداث، ومكان المعركة للقوى العظمى المحيطة بها ، خاصة في وادي الرافدين والأناضول ووادي النيل، لكن أهلها من حضر وفلاحين وبدو كانت تربطهم وحدة واحدة، وتمثل هذا في تعاضدهم للوقوف معاً في معركة "كركر/قرقور" في عام  853 قبل الميلاد وذلك عندما واجهوا الجيوش الآشورية بقيادة الملك الآشوري شلمنصر الثالث. إذ  تحالف إثنا عشر ملكاً بقيادة ملك آرام دمشق "بن حدد/هدد الثاني" وشاركت فيها جيوش العرب أيضاً، حيث أرسل الملك القيداري "جنديبو" من "دومة الجندل"ألف فارس /جمّال.لكن وعلى الرغم من تحالفهم، فإنهم هزموا في هذه المعركة.

مربط الفرس،  أن سوريا الطبيعية هي مسرح الأحداث الهامة في بلاد الشرق الأدنى القديم ، كما هو الحال في الوقت المعاصر.  لكنّ سوريا الطبيعية تتصل جغرافياً اتصالاً مباشراً  مع شبه الجزيرة العربية في الجنوب، وبمصر عبر صحراء سيناء، ومع بلاد الأناضول بالشمال مع امتداد نهري دجلة والفرات، ومع وادي الرافدين عبر بادية الشام وصحراء السماوة. 

يتمركز مكان الحدث بالنسبة لموسى والديانة اليهودية في جنوبي سوريا الطبيعية وشمال غربي الجزيرة العربية ومصر بسينائها. ومن الملاحظ أن منطقة الأحداث هذه صحراوية وذات رواسي شامخة  بطبيعتها الجغرافية، وتشمل في الوقت المعاصر جنوبي الأردن وفلسطين، وشمال غربي المملكة العربية السعودية، وصحراء سيناء. وقد أطلق اسم "مدين"على المنطقة من قبل بعض الباحثين، اعتماداً على تسمية توراتية.

مدين:

يرى بعض الباحثين أن الاسم "مدين" هو اسم علم مذكر ، كما أنه اسم لمدينة قديمة سميت بهذا الاسم نسب لجد قبيلة  من سلالة بني ابراهيم الخليل، وكان يسكنها الكاهن شعيب الذي  عاصرموسى في الزمان حسب الروايات التوراتية، وتقع على البحر الأحمر محاذية لمدينة تبوك الحالية..وحسب الرواية التوراتية  فإن اسم "مدين" يحمل صفة اسم علم واسم مكان في ذات الوقت، فهو رابع أبناء ابراهيم من زوجته قطورة  التي تزوجها بعد وفاة زوجته سارة، ومن اخوته زمران ويقشان ومدان  ويشباق وشوحا، ويعدّ شعيب من ذريته. (تكوين 25: 1 و 2 و 4). أما في القرآن الكريم فورد اسم "مدين" في اثنتي عشر سورة كريمة، وعلى النحو أدناه:

• وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿٨٥ الأعراف﴾

• أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ ۚ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿٧٠ التوبة﴾

• وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ۖ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ۚ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ ﴿٨٤ هود﴾

• إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ ۖ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ۚ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ۚ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ ﴿٤٠ طه﴾

• وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ ۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴿٤٤ الحج﴾

• وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴿٢٢ القصص﴾

• وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴿٢٣ القصص﴾

• وَلَـٰكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَـٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴿٤٥ القصص﴾

• وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿٣٦ العنكبوت﴾

• كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۗ أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴿٩٥ هود﴾

• أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ ﴿٥٣ الصافات﴾

• فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴿٨٦ الواقعة﴾

 

وهناك طائفة من العلماء من يرى أن المدينيين هم أصحاب الأيكة ، وأن مدين هو اسم لقبيلة عربية سكنت شمال غربي الجزيرة العربية ، وأنه آثارهم الباقية لا زالت بالقرب من مدينة البدع التابعة لمنطقة تبوك  بشمال غربي الجزيرة العربية. وقد وصف هؤلاء القوم بأنهم رعاة غنم وتجاراً يغشون في الأوزان ويعبدون شجرة الأيك. ويذكر الأنصاري أنه لو افترضنا بأن أصحاب الأيكة هم أهل مدين ، وأنهم عاشوا في الركن الشمال الغربي للجزيرة العربية وسكنوا قرية اسمها "ليكة" فإننا نفترض بأن هذا الإسم يشير إلى الميناء النبطي الذي أسماه الإغريق باسم "لوكي- كومي Leuke-Kome"(الأنصاري 2014: 5). لكننا نرى أن هذا الافتراض بحاجة لمزيد من الدراسات بسبب الفرق الزمني بين وجود "مدين" في نهاية الألف الثاني قبل الميلاد، والفترة الإغريقية التي تبدأ بمجيء الاسكندر المكدوني للمنطقة في حوالي 332 قبل الميلاد.

نستطيع القول أن الباحث الإسرائيلي (روثنبرغ) الذي نقب في معبد الإله "حاتحور" بالقرب من بلدة خربة المنيعة (Timna’) الى الغرب من وادي عربة هو أول آثاري استخدم مصطلح "مديني" وأطلقة على نوع من الأواني الفخارية مسقطاً هذه التسمية من اسم المكان التوراتي "مدين" (Rothenberg 1999; Rothenberg and Glass 1983). وهكذا أصبح  أنّى يعثر على هذا النوع من الفخار في أي مكان فأصبح يطلق على المكان اسم "مديني". وحيث أن بعضاً من الباحثين (Luciani 2023) وجدوا المكان الأصلي والأول لصناعة هذا النوع من الأواني الفخارية كان في موقع "قريّة" في الحجاز، أخذوا خلال السنة الماضية تعديل التسمية من "مديني" إلى “حجازي". ونجد أن هذا الأمر أكثر قبولاً لأنه يعتمد على الآثار الملموسة وأقرب إلى الدقة والصدق من الاعتماد على رواية توراتية.

لمحة تاريخية حول  منطقة الحدث في الفترة بين حوالي 1200 – 1000 قبل الميلاد:

شهدت نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد اختفاء الامبراطوريات الكبرى في بلاد الشرق الأدنى القديم، وهي الدولة الحديثة في مصر، والحثية في بلاد الأناضول (تركيا الحالية) والكاشية في بابل. وعوضاً عنها تشكلت مجموعة من الدول المحلية في سوريا الطبيعية، خاصة الآرامية والفنيقية والعمونية والمؤآبية والأدومية، واسرائيل، والبلستية. من نافل القول أن المصادر المكتوبة بعد هذا التاريخ ، أي الفترة الواقعة بين حوالي 1200 و1000 قبل الميلاد، تغفل عن الحديث عن العلاقة التي كانت قائمة بين مصر وسوريا  بشكل خاص، ولهذا يلجأ الباحثون للنصوص التوراتية، فتأتي المعلومات من طرف واحد مشكوك بدقته. 

خضعت المنطقة التي دارت فيها أحداث ظهور  ديانة النبي "موسى" في الفترة بين حوالي 1550 –1200 قبل الميلاد للسيطرة الفرعونية، لكنها تحررت منها نتيجة لعدة عوامل، نذكر منها مهاجمة شعوب البحر المهاجرة من مايسنيا مع نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد. وأما في  وادي النيل فيمكننا القول أن تولى بعض الفراعنة الأقوياء في زمن الأسرة العشرين التي حكمت على وادي النيل خلال القرن الثاني عشر قبل الميلاد، قد حافظوا على قوتها وهيبتها لبعض الوقت في المنطقة ، خاصة في زمن الفرعون رمسيس الثالث الذي حكم مصر في الفترة بين 1192 و1160 قبل الميلاد.  

انحسرت السيطرة الفرعونية على سوريا الطبيعية، ولم تعد هناك تدخلات عسكرية مصرية تذكر في المنطقة، ويظهر أن مصر حرصت على حسن الجوار مع التي تأسست بعد سقوط الامبراطوريات الكبرى. وعوضاً عن السيطرة العسكرية استمرت مصر بتجارتها مع المنطقة وذلك بدليل العثور على بعض الآثار الفرعونية في مواقع بجنوبي بلاد الشام وشمال غربي الجزيرة العربية المؤرخة للنصف الأول من القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وخاصة زمن الفرعون رمسيس الثالث وكانت شبه جزيرة سيناء وغزة هما حلقة الوصل في هذا التبادل. ويتبادر سؤال للذهن، هل شارك موسى (النبي) في القوافل التجارية التي كانت تسير بين مصر وشمال غربي الجزيرة وجنوبي سوريا الطبيعية؟

على الرغم من هذا القول بأن قوة مصر العسكرية قد تراجعت مع بداية القرن الثاني عشر قبل الميلاد، إلاّ أنها  نشغلت بهجمات شعوب البحر  الذين قضوا على المملكة الحثية في الأناضول ،واحتلوا قبرص، وسواحل البحر المتوسط الشرقية. ومن بين أسماء هذه القبائل : البلست، والدنانو، والشردان والمشواش والتيكر. وهاجمت هذه الأخيرة مصر عبر البر والبحر ، لكن الفرعون المصري رمسيس الثالث استطاع هزيمتهم وردهم عن مصر.

حاول رمسيس الثالث بعد هذه المعارك ، والتخلص من هجوم هذه القبائل، واستقرار بعضاً منها على الجزء الجنوبي للسهل الساحلي الفلسطيني (قبيلة البلست)، أن يسترجع السيطرة المصرية على سوريا الطبيعية لبعض الوقت، لكن  انتصاره في حملاته على هذه المنطقة كان مؤقتاً، إذ انكفأت بعدها السيطرة المصرية كلياً عن المنطقة.  

بدأ بعد تشكيل الدول المحلية في سوريا الطبيعية صراع على الأرض بينها، كلٌ يريد السيطرة على بقعة واسعة من الأرض، وعلى حساب الآخر ، وتم هذا في الفترة بين حوالي 1200 -1000 قبل الميلادأي قبل سيطرة الامبراطورية الآشورية على المنطقة . لكنّ  سبق نشوء هذه الممالك تواجد قبائل بدوية محلية سيطرت على المنطقة، خاصة خلال المرحلة بين حوالي 1550 – 1200 قبل الميلاد، وكان من بينها قبائل "الشاسو" ، ونفر من المرتزقة يسمون ب "العابيرو". وتختلف الأولى عن الثانية أنها من أصل وعرق واحدن بينما الثانية من مجموعة من الأعراق والأقوام وأنهم كانوا مرتزقة وخارجين عن قوانين بلادهم وعشائرهم.

من هم الشاسو؟ ومن هم العابيرو؟

ا. الشاسو Šasū: 

ترد كلمة "شاسو" اسماً لجماعة في السجلات المصرية القديمة فقط، واختلف الباحثون في تفسير معناها، فهي باللغة المصرية القديمة تعني "الرحل" تعني  بينما في  معناها في اللغة السامية "الغزاة" والمقصود هنا البدو الرحل (Levy et al.   :64). ومن المفترض أن سكان بلاد الشام خلال العصر البرونزي المتأخر من الحضر، بل كانت أيضاً هناك قبائل بدوية تتحرك في جميع أطراف بادية الشام. ونذكر من هؤلاء قبائل الشاسو الذين ورد ذكرهم في أكثر من وثيقة مصرية. ويعتقد آل- ستروم (Ahlström 1993:276) بأنهم هم السوتيون الذين ذكروا في الكتابــات الأكاديــة، ووصفوا بأنهم بدو سوريون. كما ورد الاسم سوتو(Sutu) في بعض رسائل تل العمارنة على أنهم بدو من منطقة جنوبي سوريا. ويظهر بأن هؤلاء السوتيين اندمجوا في فترة لاحقة مع القبائل الآرامية. ومن الجدير بالذكر أن قبائل الشاسو ذكروا أيضاً في قوائم تحتموس الثالث على أنهم كانوا سكان منطقة البقاع (Görg 1979). ويجب علينا أن نفرق بين الشاسو والعابيرو، لأن العابيرو كانوا مرتزقة لا تجمعهم أية صفة عرقية أو جنسية ويختلفون في طبيعة حياتهم عن الشاسو.  

ومن المفيد أن نذكر أن الاسم "شاسو" قد ذكر لأول مرة في المصادر الكتابية المصرية المؤرخة للقرن الخامس عشر قبل الميلاد. واستمر ذكرهم بوصفهم قبائل بدوية تهاجم الحدود المصرية الشرقية، كما أنهم طلبوا الإذن للمرور بقطعانهم من الحدود المصرية  حسب نص بردية أنستاس رقم 6 (Anastasi VI: 51-61) والذي هو تقرير لقائد حرس الحدود ، يقول فيه:

“The Scribe Inana while informing his lord, the Scribe of the Treasury Qa3-gabu: The communication is to let my lord know. Another information to my lord: I am executing every commission I was charged with in as strong a fashion as ore. I am not tiring. Another communication for my lord: We accomplished letting thegroups of Shasu of Edom pass the Fortification of Merneptah-hetep-her-macat, l.p.h., which is in Tjeku to the pools of Pithom ...in order to enliven themselves and in order to enliven their flocks by the great Ka (i.e. the kindness) of Pharaoh, the good sun of every land in year 8 the epagomenal day 1 Birthday-of-Seth 1 ! I shallcause that they bring in a protocol of announcement for where my lord is for the other dates when the Fortification of Merneptah-hetep-her-macat , l.p.h., which is in Tjeku can be passed (for the birkets of Pithom). A communication is it to let my lord know!"

بتصرف عن  هانس غوديكه (Goedicke 1987). وقد حاول هذا المؤلف وغيره اعتبار الشاسو بأنهم من الاسرائيليين، وهذا كلام غير ثابت على الاطلاق سوا عند الباحثين التوراتيين.

ب. العابيرو Ap/biru:

كما ذكرنا أعلاه فإنه وعلى الدوام تمتعت البلاد السورية بتنوع عرقي وديني، كما يتبين هذا من أسماء الأعلام والأماكن المذكورة في السجلات الوثائقية سواء المصرية أو الرافدية. فمثلاً تم التعرف في نصوص رسائل تل العمارنة (حوالي 1400 -1350 قبل الميلاد) على أسماء سامية، وهندو-أوروبية، وحورية (Albright 1961: 183). وبالإضافة لرسائل تل العمارنة ذكر نقش كتابي من أيام الفرعون أمنحوتب الثاني (حوالي 1427 – 1401 قبل الميلاد) أربع جنسيات للأسرى الذين أسرهم في معاركه، وهي: العابيرو، والشاسو، والحوري، والنوخششي من شمالي سوريا (Albright 1966: 15).

تردد ذكر اسم "عابيرو/خابيرو" في رسائل تل العمارنة، وتصفهم بأنهم مجموعة من الأشخاص الخارجين عن القانون والذين عملوا مرتزقة الذين ظهروا للوجود خلال الألف الثاني قبل الميلاد. وبناء عليه، فقد تحدث هؤلاء لغات متعددة، ومن أعراق وأجناس مختلفة ومتعددة.  ومن الواجب ذكره أن بعضاً من الباحثين، خاصة اللاهوتيون، حاولوا الربط بين العابيرو/الخابيرو والعبرانيين (Albright 1966: 17; Meek 1960:13, 16; Campell 1960: 11). لكننا  نرى هذا الإدعاء بعيد كل البعد عن الحقيقة، إذ أن هؤلاء لا يجتمعون تحت أي هوية سواء عرقية أو دينية سوا أنهم صعاليك.

خلاصة الأمر، بحث اللاهوتيون عن أصل العبرانيين/الاسرائيليين الأوائل ليستفيدوا من الماضي لإثبات الحاضر، لكنهم وعلى الرغم من فشل مسعاهم لا زالوا يأملون...

الآثار الفرعونية المؤرخة لنهاية القرن الثالث عشر والثاني عشر قبل الميلادفي الأردن وشمال غربي السعودية:

كانت بلاد الشام على تواصل مع بلاد وادي النيل منذ الألف الرابع قبل الميلاد لأغراض التجارة، إذ استورد المصريون خشب الأرز من لبنان، والنحاس من وادي عربة إضافة لبضائع أخرى (كفافي 2014). ولا ننسى أن الفراعنة المصريون قد شنوا مجموعة من الحملات العسكرية على سوريا الطبيعية خلال العصور القديمة. وقد تركوا لنا آثاراَ تؤكد على هذا التواصل سواء عن طريق التجارة أو الحرب.  ونقدم أدناه موجزاً لأهم هذه الآثار التي تؤرخ للمرحلة الانتقالية بين القرنين الثالث عشر والثاني عشر قبل الميلاد، أي الفترة التي يعتقد الباحثون أن بني اسرائيل قد خرجوا خلالها من مصر بقيادة موسى عليه السلام.

ا. آثار مصرية تعود للأسرة من الأردن 

1. حجر البالوع: عثر على ما يسمى بحجر البالوع في عام 1930 في موقع البالوع الذي يبعد حوالي 25كم إلى الشمال من مدينة الكرك(Crowfoot 1934:76; Ward and Martin 1964:5)، وهو الآن ضمن مقنيات متحف الأردن بعمان. والمسلة مصنوعة من البازلت، لكن شكلها غير منتظم، إذ أن طرفها العلوي مدبب تقريبًا، بينما القاعدة مستقيمة. ويمكن القول إن سطح الحجر أو المسلة قسَم الى قسمين، العلوي عليه كتابة لم يستطع المتخصصون تحليلها ودراستها، لأنها قد اختفت بشكل شبه كلي بسبب العوامل الطبيعية، والقسم السفلي منحوت عليه ثلاثة أشكال، تمثل ملكاً أو شخصية رفيعه يقف بين إلهين (Crowfoot 1934:76). ويرتدي الشخص الواقف إلى اليسار مئزراً وتاجاً يمثل مصر العليا ومصر السفلى وممسكاً صولجاناً بيده اليسرى، ويقدم شيئاً للشخص الواقف في الوسط . لذا اقترح بعض العلماء أن الشخص الواقف بين الإلهين يمثل الملك المؤآبي. ويلبس الشخص الواقف إلى اليمين لباساً يشبه لباس الأسرات الملكية في مصر اعتباراً من الأسرة الثامنة عشرة وما بعدها (Ward and Martin 1964). ويعتقد جون سترانجه (Strange 2001) أن هذه الأشكال المنحوتة تمثل مشهداً مصرياً نحته فنان على معرفة واطلاع بالفن المصري، ومن المحتمل أن تمثل الأشكال الثلاثة آلهة محلية، كأن تكون إيل وبعل- صافون، أو كموش وعشتروت، أو عنات، ويقف بين الإلهين الملك المؤآبي. 

ومن الواجب ذكره أن العلماء لم يتفقوا على تاريخ المسلة الدقيق، فمنهم من أرخها للأسرة الثامنة عشلرة (حوالي 1550- 1300 قبل الميلاد)، وآخرون للأسرة التاسعة عشرة (حوالي 1300 – 1200 قبل الميلاد)، كما اعتقد درايتون (Drioton 1963) أن الشخص الواقف في الوسط يمثل أحد الشيوخ المؤآبيين أو الآدوميين زمن الفرعون سيتي الأول بعد مقارنته بالشكل المنحوت على المسلة مع رسومات على جدران الكرنك تظهر حملات هذا الفرعون العسكرية على قبائل الشاسو بجنوبي الأردن وفلسطين. كما رأى درايتون أن تاريخ حجر البالوع هو بداية القرن الثاني عشر قبل الميلاد. 

1. . خرطوش تاوسرت من تل دير علا: عثر أيضاً في منطقة المعبد في تل دير علا على وعاء مزجج مطبوع عليه خرطوش الفرعونة المصرية تاوسرت، والتي حكمت خلال الأسرة العشرين مع بداية القرن الثاني عشر. وفي بداية الأمر، اعتقد المنقب أن هذا الخرطوش يخص الفرعون رمسيس الثالث من الاسرة التاسعة عشرة (Franken 1961). لكن فرانكن عاد فأخذ برأي  

ا. آثار مصرية تعود للأسرة العشرين من شمال غربي الجزيرة العربية:

كشفت المسوحات والحفريات الأثرية التي أجرتها بعثات سعودية وطنية وأخرى أجنبية النقاب عن عدد من النقوش والكتابات والمخلفات الأثرية المصرية، خاصة من القرن الثاني عشر قبل الميلاد وتعود للفرعون رمسيس الثالث. إذ عثر مؤخراً في موقع تيماء على آثار فرعونية منها خرطوش (نقش ) يخص الفرعون المصري رمسيس الثالث (1183 - 1152 ق.م.) الذي حكم في النصف الأول من القرن الثاني عشر قبل الميلاد، ورأس ثور مصنوع من الفاينس المصري (Hausleiter 2011: Fig. 10).

ذكر الدكتور علي الغبان  النائب السابق  للهيئة العامة للسياحة والآثار السعودية في حديث له لمجلة الوطن السعودية بتاريخ 8/ 11/ 2010م عن اكتشاف خرطوش مزدوج للفرعون  رمسيس الثالث وهو يعدُّ توقيعاً ملكياً .

ونتيجة لهذا الاكتشاف الذي أثار تساؤلات كثيرة حول  سبب وجوده في هذه المنطقة قام باحثون سعوديون باجراء المزيد من الدراسات  الميدانية والمكتبية وتوصلوا نتيجة لها إلى أن هناك طريقاً تجارياً مباشراً من زمن الفرعون رمسيس الثالث ربط بين وادي النيل بشمال غربي الجزيرة العربية في القرن الثاني عشر قبل الميلاد. ونعتقد أن المصريين جاؤوا إلى هذه المنطقة لشراء البخور والذهب والفضة،  وأنهم تزودوا بالنحاس من منطقة وادي عربة. كما كشف الغبان عن مسار هذا الطريق التجاري من خلال تتبع نقوش مجموعة من خراطيش الفرعون رمسيس الثالث والعثور عليها في عدد من المواقع تبدأ بوادي النيل وميناء القلزم والسويس حيث تواجد معبد للفرعون رمسيس الثالث، ثم يسير إلى سرابيط الخادم بالقرب من ميناء أبو زنيمة على خليج السويس حيث عثر على نقوش لرمسيس الثالث،  ثم يعبر شبه جزيرة سيناء حيث يمر على منهل وادي أبو غضا بالقرب من واحة نخلحيث وجد خرطوش مزدوج لنفس الفرعون. ويتابع الغبان وصفه للطريق بأن الطريق يكمل مساره إلى رأس خليج العقبة، ويمر على موقع نهل، ثم موقع تمنع، وثد عثر فيهما على خرطوش مزدوج لرمسيس الثالث. وأضاف الغبّان بأنه تم العثور على آثار مصرية في مناطق أخرى في المملكة العربية السعودية ، مثل الجعلان .

الهدف من  الحديث حول تواصل مصر مع جنوبي بلاد الشام وشمال غربي الجزيرة العربية هو التأكيد أنه كانت هناك تواصل بشري بين سكان هذه المناطق سواء عن طريق التجارة أو الحروب، لكننا نرى أن الفراعنة  وكما ذكرنا أعلاه، لم يقوموا بحملات عسكرية للسيطرة على البلاد خلال الفترة بين حوالي 1200 – 923 قبل الميلاد، أي حتى حملة الفرعون شيشنق على فلسطين، بل اكتفوا بالتجارة. وهنا نطرح السؤال الآتي: هل كان موسى (النبي) عضواً في قوافل تجارية مصرية جاءت إلى شمال غربي الجزيرة العربية ووادي عربة، فعرف إلى أين يذهب بعد فراره من مصر؟ للإجابة على السؤال يجادل بعض الباحثين اللاهوتيين أن موسى ذهب إلى شعيب "يثرو" لأن بينهما قرابة نسب، أي أن كلاهما من نسل ابراهيم. 

كما أن هذا الأمر  يدعونا أيضاً للتساؤل حول دور شعيب وتأثيره على زوج ابنته في ظهور الديانة الموسوية التوحيدية. وإلى سؤال آخر: لماذا استقر الأمر بموسى في "مدين" عند كاهنها، وليس عند زعيمها وقائدها السياسي؟ 

أترك الإجابة لمن يريد، أما أنا أستميحكم عذراً.................!

 

المراجع:

الأنصاري ، عبدالرحمن 2014؛أصحاب الأيكة وتجارة البحر الأحمر. الصفحات 4-7 في زيدان كفافي ومحمد المرقطن (محررون)؛رائد من رواد الجزيرة العربية. دراسات في آثار ونقوش بلاد الشام والجزيرة العربية مقدمة تكريماً للأستاذ الدكتور معاوية ابراهيم. روما: جامعة روما لاسبيانز. 

الأنصاري، عبدالرحمن 2002؛ منطقة البدع، موقعها وجغرافيتها. الصفحات 15-20 في عبدالرحمن الأنصاري وآخرون (محررون)، البدع تاريخها وآثارها. الرياض:وكالة الآثار  والمتاحف بوزارة المعارف.

كفافي، زيدان 2019؛ فلسطين في العصر الحديدي الأول (1200 – 1000 ق.م.). أدوماتو 39: 7-28.

كفافي، زيدان 2014؛ علاقات مصر التجارية مع جنوبي بلاد الشام خلال الألف الرابع والنصفالأول من الألف الثالث قبل الميلاد. الصفحات  106 - 128 في أعمال المؤتمر الدولي الأول "مصر ودول البحر المتوسط عبر العصور" 15 - 18 أكتوبر 2014، كلية الآثار - جامعة القاهرة  تحرير جمعة عبد المقصود ومحمد حمزة. القاهرة: جامعة القاهرة. 

Albright, William Foxwell 1966; The Amarna Letters from Palestine. Chapter 20 in the Cambridge Ancient History, Vol. II. Cambridge: University Press.

Albright, William Foxwell 1961; The Archaeology of Palestine. London: Penguin.

Campbell, E. F. 1960; The Amarna Letters and the Amarna Period. The Biblical Archaeologist 23:2-22.

Crowfoot, J. W. 1934; An Expedition to Balu’ah. Palestine Exploration Fund Quarterly Statement :76-84. London: Palestine Exploration Fund.

Drioton, E. 1973; A propos de stele du Balu’a. Revue Biblique 42:353-365.

Franken, H. 1964; The Stratigraphic Context of the Clay Tablets at Deir ‘Alla.Palestine Exploration Quarterly: 73-78.

Franken, H. 1961; The Excavations at Tell Deir ‘Alla in Jordan, 2nd Season. VetusTestamentum 11: 361-362.

Goedicke, Hans 1987; Papyrus Anastasi VI, 51-61. Studien zur Altägyptischen Kultur, Bd 14. Heidelberg: Helmut Buske Verlag GmbH.

Hausleiter, A. 2011; Ancient Tayma: An Oasis at the Interface Between Cultures. New Research at a Key Location on the Caravan Road.  Pp. 102 -123 in Roads of Arabia. The Archaeological Treasures of Saudi Arabia. Berlin: Wasmut.

Levy, T. E., Adams, R. B., Cuadrado Muñiz, A., Friedman, R. E., Propp, W. H., & Freedman, D. N. (2004). Archaeology and the Shasu nomads: recent excavations in the Jabal Hamrat Fidan, Jordan. Le-David maskil, 63-89.

Luciani, Marta 2023; Transitions in Material Culture of the 2nd Millennium BCE: The Middle Bronze to Late Bronze Age Shift Seen from Northwest Arabia. Pp. 53-77 in Arnulf Hausleiter (ed.), Material Worlds: Interdisciplinary Approaches to Contacts and Exchange in the Ancient Near East Proceedings of the Workshop held at the Institute for the Study of the Ancient World (ISAW), New York University. Oxford: Archaeopress Publishing Ltd.

Meek, T. J. 1960; Hebrew Origins.  New York: Harper and Row.

Rothenberg, B. 1999; Archaeo-Metallurgical Researchs in the Southern Arabah, 1959-1990: Part I: Late Pottery Neolithic to Early Bronze IV. Part II: Egyptian New Kingdom (Ramesside) to Early Islam. Palestine Exploration Quarterly 131:68-89, 149-175.

Rothenberg, B. and Glass, J. 1983. The Midianite Pottery. Pp. 65-124 in J. F. A. Sawyer and D. J. A. Clines (eds), Midian, Moab and Edom. The History and Archaeology of Late Bronze and Iron Age Jordan and North-West Arabia. Journal of the Study of the Old Testament, Supplement Series 24. Sheffield. 

Strange, J. 2001; The Late Bronze Age. Pp. 291-323 in B. MacDonald; R. Adams and P. Bienkowski (eds.); The Archaeology of Jordan. Levantine Archaeology 1.Sheffield: Sheffield Academic Press.

Ward, W. A. and Martin, M. F. 1964; The Balu’a Stele. Annual of the Department of Antiquities of Jordan 8-9:5-22.

Yoyotte, J. 1962; un souvenir du ‘Pharaou‘ Tausert en Jordanie. Vetus Testementum 12: 464-469.

2