• 16 شباط 2025
  • مقابلة خاصة

 

 القدس - أخبار البلد - كتب المحرر الثقافي : 

 لقد أثار هذا النص الفلسفي المنشور في احد المواقع الالكتروني الكثير من التساؤلات لدى القارئ العادي قبل القارئ المتعمق  الباحث،  وايضا لدى الكاتب ، هذه التساؤلات تبقى طي الغموض لحين الانتهاء من قراءة النص الذي يحمل عبارة غاية في الآثار " لا شيء خارج النص "  وصاحب هذه العبارة هو  الفيلسوف جاك دريدا  صاحب النظرية التفكيكية.  فعلا فلا شيء خارج النص في حياتنا وفي أفكارنا وفي كتاباتنا ، واليكم النص كما نشر في احد المواقع الالكترونية : 

  لا يزال "جاك دريدا" الفيلسوف الأكثر إثارة للجدل في القرن العشرين. يقترن اسمه في المقام الأول النظرية التفكيكية، وهي نظرية ذات نهج معقّد ودقيق لكيفية قراءة وفهم طبيعة النصوص المكتوبة. والمقولة الأشهر لدريدا: "لا شيء خارج النص".

 ولنفهم ما تعنيه هذه العبارة لا بدّ من نظرة فاحصة على نهج دريدا التفكيكي بشكل عام. يرى دريدا أنّنا عندما نختار كتاباً ما لمطالعته، ككتاب فلسفة أو رواية مثلاً، فإننا نتخيّل أن ما بين أيدينا موضوع يمكن أن نفهمه وأن نفسّره كعمل متكامل قائم بحدّ ذاته.

 فعلى سبيل المثال: تخيّل أنك ذهبت إلى المكتبة وحصلت على كتاب "في علم الكتابة" لمؤلِّفه "جاك دريدا"، فإنك تتوقع بأنه سيكون لديك فكرة عامة وشاملة بمجرد قراءتك لهذا الكتاب. والواقع –برأي دريدا نفسه– أن النصوص لا تعمل على هذه الشاكلة بما في ذلك النصوص البديهية والبسيطة.

 لأنه –أي دريدا– يعتقد بأن كل النصوص تحتوي على ثغرات وتناقضات، ولذا فإن مهمة التفكيكية هي إيجاد تلك الثغرات والتناقضات، ومن خلال اكتشاف هذه الثغرات يتم توسيع دائرة فهمنا لتلك النصوص. النظرية التفكيكية إذن هي طريقة لقراءة النصوص وإظهار المفارقات والتناقضات الخفية إلى العلن، أو بعبارة أخرى (قراءة ما بين السطور).

 ويجب الأخذ في الإعتبار أنها –أي التفكيكية– ليست مجرد طريقة لقراءة الفلسفة والأدب، فنظرية دريدا تثير التساؤل حول العلاقة بين اللغة والفكر والأخلاق. من المصطلحات التقنيّة المهمة التي تدور حولها نظرية دريدا: مصطلح "الإرجاء" أو "التأجيل"، ومصطلح "الإختلاف".

 في فكرة "التأجيل": نقول مثلاً (رأى صديقي) ونضيف (سيارة بيضاء) ثم نكمل (في الشارع) ونتابع الحديث (.....). مع كل كلمة نضيفها يطرأ تغيير على معنى العبارة، ويتغيّر معنى كلمة (سيارة)، وبالتالي فإن كل معلومة تُضاف تؤدي إلى تأجيل المعنى الكامل للعبارة.

 وهناك أمر آخر يجب أخذه في الإعتبار، حيث أن كلمة (سيارة) لا يرتكز معناها على السيارة الحقيقية الموجودة في العالم الخارجي، لأن الكلمة تأخذ معناها من خلال موقعها في نسق اللغة ونظامها. ولذلك فكلمة (سيارة) لا تكتسب معناها بسبب الرابط الخفي بينها وبين السيارة الحقيقية بل تكتسب معناها من إختلافها عن كلمة (دراجة) أو (عربة) مثلاً، وذلك ما يسميه دريدا (الإختلاف). النتيجة التي نتوصّل إليها من خلال مفهومي "التأجيل" و"الإختلاف" هي أن معنى أي شيء نقوله دائماً مؤجَّل لأنه يعتمد على ما سنضيفه، والأمر الذي سنضيفه يعتمد معناه على ما سنضيفه لاحقاً؛ وهكذا. ثم إن أي كلمة نقولها يعتمد معناها على الأمور الأخرى التي لا تعنيها أيضاً.

 لقد إعتاد الفلاسفة منذ القدم على إعتبار الكتابة إنعكاس شاحب للكلمة المنطوقة. وتلك الأخيرة كانت تعدّ الوسيلة الأساسية للتواصل آنذاك. لكن دريدا يرى عكس ذلك؛ إذ عنده أن الكلمة المكتوبة تُظهِر أموراً لا يمكن للكلمة المنطوقة أن تكشفها. 

حتى أنه يُعتقَد في الماضي أن المعنى يأتي من خلال الحضور، ذلك أننا حين نتكلّم مع شخص ما بشكل مباشر، وحصل إلتباس معين أثناء الحديث، فإننا نستطيع أن نطلب من هذا الشخص أن يوضِّح ويزيل الإلتباس، وهذا أدى إلى الإعتقاد بأن المعنى بشكل عام يظهر من خلال هذا الحضور؛ أي حضور الشخص بشكل مباشر. 

لكن دريدا يرى أننا حين نتعامل مع النص المكتوب، فإننا نتحرّر من طغيان هذا الحضور. فمثلاً، عندما نقرأ نصّاً لا يكون مؤلِّفه حاضراً، فإننا نتخلّص من تفسيراته وأعذاره، ونبدأ بملاحظة التناقضات والطرق المسدودة في النص. 

عندما يقول دريدا "لاشيء خارج النص"، فهو لا يعني أن كل ما يهم هو عالم الكتب والكتابة، وأن العالم الحقيقي ليس مهماً، إذ أنه لا يُقلِّل من أهمية القضايا الإجتماعية الكامنة وراء النص. بل إن ما يرفضه دريدا هو القراءة التقليدية والتاريخية وتقسيم العصور، لأنها تبحث في مؤثرات غير لغوية وتبعد الباحث عن الإختلافات اللغوية في النصوص. 

فكل شيء يوجد في المغايرة والتأجيل وسلسلة الإختلافات. أي أن النص يخلق واقعه ويفرض نفسه ويُكوِّن مجاله.

 للقراءة: • في علم الكتابة، جاك دريدا. • مدخل إلى فلسفة جاك دريدا، روجيه لابورت.