- 22 شباط 2025
- مقابلة خاصة
بقلم : تحسين يقين
من أجمل ما نفتتح به مقالنا، ما اقتبسه الكاتب من الشاعر محمود درويش في وصفه للقهوة:
"هي هذا الصمت الصباحي الباكر المتأني والوحيد الذي يقف فيه وحدك مع ماء تختاره بكسل وعزلة في سلام مبتكر مع النفس والأشياء وتسكبه على مهل في إناء نحاسي صغير داكن وسري اللمعان، أصفر مائل الى البني ثم تضعه على نار خفيفة، اه ولكن كانت نار حطب".
ليس هناك ما بين القهوة، والمقهى، وما بين الحواس والمكان كثير اختلاف، فقد نذكر القهوة ونريد المقهى.
إن مكان لزمن مقتطع يتفاوت في الطول ما بين دقائق احتساء فنجان قهوة وما بين ساعات يمضيها الرجال، حيث لا فضاء كفضائها، وهي مكان العابرين والمقيمين، وهي مكان تأمل وانتظار، ما بين الطعم والرائحة، والبصر، وما بين المكان، تسود الرائحة، حيث لا تتوقف القهوة عن الغليان، فما أن تنتهي "جزوة" حتى تبدأ أخرى.
من جلوسه على المقهى لسنوات، ومعايشته لطقوسها، فقد اندفع خليل العسلي الكاتب المقدسي نحو حبه، فراح يتأمل المكان برائحته المختلطة مع كلمات مقالاته ونصوصه، التي يكتبها والتي يقرؤها.
تلك إذن تداعياته في كتابه ""فنجان قهوة وحكاية مدينة"، حيث انسجم فيها شكلا ومضمونا مع حال المقهى المتحرك بشرا وحكايات وأحداث، فالمقهى ليس أماكن ولا شرابا، بل حياة وذكريات.
إننا إزاء نص حب للقهوة والمقهى، حيث أنه كما يكتب الحبيب لمحبوبته، لا يعرف الطريق كاملة كما قال حليم: نبتدي منين الحكاية".
وهكذا فقد أحببنا نصوص العسلي عن المقهى. يرتبط تقديم القهوة بالماء، وهذا ما فسّره الكاتب، إن كانت قبل القهوة أو بعد، وهذا ما يتأمله الكاتب وهو يستعرض تاريخ المقاهي منذ القرن السادس عشر، من استانبول، حيث سيصاحبنا لا تاريخ المقاهي والقهوة بل التاريخين الاجتماعي والثقافي. في ظل تنوع كتابة منها رسم المكان ووصفه والذي تكرر في غير موضع، من وجود المقاهي للرجال ثم كيف اختلطت في العصر الحديث، كذلك تنوع المرتادين.
يتنقل الكاتب بين الأماكن وبين الأزمان وبين اتجاهات المقدسيين في النظر إلى المقاهي، وتغيرات النظرة ما بين الإيجابي والسلبي في أكثر من عصر، وصولا لتحولات عام 1967، حيث ظلت النظرة مزدوجة ملتبسة بين التقدير والإيجابية والسلبية، ربما حسب ظروف المقاهي ومرتاديها؛ فهي ممدوحة في ظل التجمعات الوطنية، وهي مذمومة حيث السلوكيات غير المقبولة، واختراقها من قبل أجهزة تجسس الاحتلال.
ومن المفارقات الغريبة، أنه بعد عام 1967، لم تكد يسقط ما تبقى من القدس تحت الاحتلال، حتى وفد الى الجهة الشرقية من المدينة الآلاف من اليهود الشرقيين، مسكونين بالنوستالجيا للمقاهي العربية، في إشارة عميقة الى التأثير العميق للثقافة العربية على اليهود الذين تم تهجيرهم من البلاد العربية الى دولة الاحتلال.
وترى الكاتب متنقلا بين الأقاليم العربية، ليعود الى إشكالية النظرة الملتبسة سواء في اختلاط الرؤية ما بين القهوة والشراب، وكيف كانت تلتبس بين الحلال والحرام وصولا للتأكد من إجازتها، حيث تحدث عن تحولات المجتمعات وتقبلها بل والاعتياد عليها، كما في اليمن ومكة ومصر والشام.
كما ظهرت طقوس اجتماعية مثل إيجاد منصب غريب ألا وهو "شيخ القهوجية"، وطقوس فنية مثل متلازمة الغناء و الحكواتية والكراكوز. كذلك لم ينس التعريج على تجارة القهوة.
كما خصص مجالا لمقاهي فلسطين المحتلة عام 1948. نضال وطني وتنوير ثقافي ارتبط الحراك الثقافي في آخر العهد العثماني ثم في زمن الانتداب بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، بالحراك الوطني، وهو ما تناوله الكاتب في عرضه لأحوال المقاهي، فمثلا يقتبس من كتاب واصف جوهرية (القدس العثمانية والانتدابية) ما وصفه لمقهى الصعاليك، أو( مقهى المختار) في سياق ما ذكره عن المقاهي التي تأسست في مدينة القدس منذ فترة إعلان الدستور عام 1908 وحتى نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914 منها "مقهى المختار الذي أنشأه عيسى بن ميشيل الطبة وكان يقع على سطح مصرف (كريديت ليوني) خارج باب الخليل، ومن أشهر رواده المربي خليل السكاكيني ( 1878-1953) العائد من الولايات المتحدة سنة 1908 والذي عمل محررا ً في مجلة الأصمعي وجريدة القدس، ومن رواده أيضا َالصحفي يوسف العيسى (1870-1948) أحد مؤسسي جريدة فلسطين في يافا وجريدة ألف باء في دمشق عام 1920، ويعقوب فراج، والشاعر الصحفي عيسى داود العيسى (1880-1950) مؤسس جريدة فلسطين، والصحفي عادل جبر( 1885-1953) صاحب جريدة الحياة المقدسية، والشاعر اللبناني رشيد نخلة (1873-1939) المنفي إلى القدس منذ عام 1913 من قبل جمال باشا السفاح قائد الجيش العثماني الرابع في سورية بسبب ما كان يخشاه من شعوره القومي". ولعل ذلك ما فسره المؤرخ الإسرائيلي عامي أيالون، حسب ما أورده خليل العسلي في كتابه، حين تحدث أيالون عن دور التحول الوطني الذي "أدى الى تقليص دور المقاهي الشعبية وهذا ما كانت تهدف له السلطات البريطانية المحتلة التي اعتبرت المقاهي في القدس بأنها تسبب لها المتاعب خاصة أن هذه المقاهي كانت تشهد لقاءات ثقافية تضم المثقفين والمفكرين العرب من أمثال أديب العربية إسعاف النشاشيبي والمربي خليل السكاكيني، وإسحاق الحسيني، ونخلة زريق، حيث كانوا يعقدون تلك اللقاءات الاسبوعية بحضور مفكرين ومثقفين عرب من خارج فلسطين .هذه اللقاءات التي كانت تقلق البريطانيين كانت تعقد بشكل خاص في مقهى الصعاليك كما أسماه خليل السكاكيني.
تلك المقاهي كانت جزءا من الحراك الوطني ضد البريطانيين واليهود كما جاء في صحيفة الدفاع عام ١٩٣٦ عندما نشرت عن اضراب المقاهي، كما جاء في عددها الصادر بتاريخ 2 أيار مايو ١٩٣٦ تحت عنوان "إضراب المقاهي"، حيث إن المقاهي شاركت في الإضراب، وقرر أصحابها تشكيل لجنة من أصحاب المقاهي، وقد التزام الأهالي بذلك توقفوا عن الذهاب الى المقاهي، ولمواجهة ذلك قام الانتداب البريطاني فتح مقاهي في القدس بنفسه عبر وسطاء من أجل بث الدعاية ومواجهة التيار الوطني الجارف". ويبدو أن هذه الطقوس الثقافية والسياسية والوطنية استمرت في فترة الخمسينات والستينات، حين كانت الضفة الغربية، والقدس منها جزءا من المملكة الأردنية الهاشمية.
ومن هذه الحلقات الثقافية حلقة كتاب مجلة "الأفق الجديد"، حيث يقتبس الكاتب بذكاء ما كتبه أديب القدس الكبير محمود شقير: ".... التحدث عن المقاهي يعيد إلى الذاكرة، أيام ازدهار النشاط السياسي في المدينة، وخصوصاً أواسط الخمسينات من القرن الماضي، حيث اعتاد نشطاء الأحزاب الجلوس في المقاهي والترويج للسياسات التي تتبناها أحزابهم. وجرت الاستفادة في الوقت نفسه من المقاهي التي تتسع لعدد كبير من الناس (مقهى "زعترة" داخل باب العمود مثلاً) لعقد الاجتماعات الحاشدة للمرشحين لانتخابات البرلمان الأردني، حينما كانت الضفة الغربية جزءاً من المملكة الأردنية الهاشمية آنذاك". أسلوب الكاتب "فنجان قهوة وحكاية مدينة" للمقدسي خليل العسلي، كتاب مشوق للقراءة، ما بين السرد والوصف والبحث.
بل إنه لربما يكون باعثا للبحث عن المقاهي على مدار قرن ونصف، وعلاقة ذلك ما بين حيّز المقاهي وفضاءات المدينة اجتماعيا وسياسيا من منظور تاريخي. مع انتهاء الكتاب، نجد أنفسنا مع اكتمال الدائرة، التي بدأها بإستنبول، حيث نراه وقد انتهى بها، بما ينسجم مع سرد تاريخي وأدبي معا.
اعتمد الكاتب في كتابه على مصادر مكتوبة، حيث لاحظنا اقتباسات طويلة خاصة من كتب التراث، بالإضافة لمواد عن الدولة العثمانية لم تضف للموضوع الكثير أحيانا. كذلك اعتمد على التاريخ الاجتماعي والسياسي. كما اعتمد على شهادات شفوية، بالإضافة إلى شهادات الكتاب التي احالتنا الى الزمن المتنوع تبعا للشهادات.
كذلك ظهر التجوال ووصف ما تبقى من المقاهي مثل تجول الكاتب مع ابن القدس العالم بالمقاهي جمال سعيد. ويورد الكتاب سردا للتحولات مثل ما عبر به عن هزيمة عام 1967، حين استند الى ما صوره الكاتب الراحل خليل السواحري من خلال مجموعته القصصية "مقهى الشابورة" التحولات التي شهدها المكان الفلسطيني ممثلاً بمقهى الباشورة بعدما عصفت به الحروب، فتحوّل من طابعه العربي، وحركة ساكنيه العرب إلى مقرّ لليهود، وأصبحت المنطقة التي يقع فيها تدعى بحارة اليهود، وذلك بعدما سقطت القدس في قبضة الاحتلال بعد حرب حزيران 1967م، حيث يقتبس الكاتب من "مقهى الشابورة":
"إلا أن حرب حزيران جاءت فيما يبدو لتعيد مياه المقهى إلى مجاريها، فقد أصبحت حارة اليهود بين يوم وليلة مزاراً حاشداً، وعادت الأفواج تملأ الشوارع، بعضهم ينحدر شرقاً إلى حائط المبكى، وبعضهم يتوجه جنوباً إلى حارة اليهود، واتخذ المقهى من جديد موقعه الاستراتيجي السابق على تقاطع الأسواق، فهو يطلّ على سوق العطارين، وسوق الصيّاغ ،وطلعة باب الخليل، ويطل على سوق العيش، وطريق وباب السلسلة، وطريق حائط المبكى، ومن باب يمرّ الذاهبون إلى حارة اليهود" .
ومن أسلوب الكتاب استخدام الوصف الإبداعي كما في هذا الاقتباس: "تميزت مقاهي القدس آنذاك، وخصوصاً تلك الواقعة في أسواق البلدة القديمة، بطاولاتها القصيرة الأرجل التي تتساوق في القصر، مع كراسي القش التي تصطف حول الطاولات، وأجهزة المذياع التي تبث الأغاني ونشرات الأخبار، وبالعاملين فيها من النادلين ذوي الأصوات الممطوطة المنغمة، التي كانت تعطي المقاهي نكهة ذات وقع خاص. والمحظوظين من زبائن المقاهي هم أولئك الذين كانوا يسبقون غيرهم إلى الجلوس في الفسحات المكشوفة المتاخمة للأسواق، حيث تطيب لهم مراقبة الخلق الذين هم في غدوّ ورواح".
ونختتم بما وصف الشاعر نزار قباني القهوة بقوله" ”القهوة هي عجوز معمرة لها احفاد برره يقبلونها كل صباح ومساء وأنا أكثرهم برا بها"، حيث أضافها في قصائده مع بيروتية:
"المطعم أصبح مهجورا، وانا اتأمل فنجاني ماذا سيكون بفنجاني غير الأمطار وغير الريح وغير طيور الأحزان …. قد ماتت كل نساء الارض وانت بقيت بفنجاني".

